بقلم: ديفيد راند، ناثانيال سيرلين

تصاعدت المخاوفُ في الآونة الأخيرة بشأن انتشار المعلومات المُضلِّلة على وسائل التواصل الاجتماعي، كانت تلك القضية من أبرز القضايا المطروحة إبَّان الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي أُجريت عام 2020، وقد استمر تأثيرها خلال جائحة «كوفيد-19»، كما أدت دورًا مهمًّا في جهود روسيا الدعائية لحربها ضد أوكرانيا، وهذه المخاوف لها ما يُسوِّغها تمامًا، فتصديقُ المعلومات الكاذبة بما يحمله في طياته من تبعاتٍ يُعتقد أنه يُسهِم في تشكيل مستقبل الأمم ويُؤثر تأثيرًا كبيرًا على صحتنا كأفرادٍ وجماعات.

تُفيد إحدى النظريات الرائجة أن انخداع بعض الناس بالمعلومات الزائفة التي تُصادفهم على شبكة الإنترنت يعود إلى افتقارهم إلى مهارات المعرفة الرقمية، هذا المصطلح الغامض الذي يصف الطريقة التي يتعامل بها المرء مع العالم الرقمي ويستكشف مكنوناته، وتُفيد هذه النظرية كذلك أن الشخص الذي يفتقر إلى مهارات المعرفة الرقمية أكثر تعرضًا لتصديق المعلومات المُضلِّلة وتَشارُكها مع الآخرين، وبناءً عليه، فإن الأشخاص الذين ليس لديهم القدر الكافي من المعرفة الرقمية يؤدون دورًا كبيرًا في نشر المعلومات المُضلِّلة.

هذا الاستنتاج يبدو بدهيًّا، لكن العلاقة بين المعرفة الرقمية وقابلية تصديق المعلومات الكاذبة لم تنل حظها من الدراسة إلا فيما ندر، بل إن فهم العلاقة المحتملة بين المعرفة الرقمية وما يُشاركه الناس على وسائل التواصل الاجتماعي يشوبه قصورٌ كبير، وبوصفنا باحثين معنيين بدراسة علم نفس المعلومات المُضلِّلة على شبكة الإنترنت، أردنا سبر أغوار هذه الروابط المحتملة.

تعيَّن علينا في بداية الأمر توضيح معنى "المعرفة الرقمية" بدقة في هذا السياق؛ إذ يُستخدم المصطلح بعدة طرقٍ مختلفة، ولذا كان الوصول إلى تعريفٍ له بمنزلة الخطوة الأولى لدراسته دراسةً متأنية، وقد توصلنا إلى تعريفين، أولُهما أن المعرفة الرقمية تعني امتلاك المهارات الرقمية الأساسية المطلوبة للعثور على المعلومات بفاعليةٍ على شبكة الإنترنت، مثل الاستعانة بالشبكة في الإجابة عن أسئلةٍ على غرار "ما عاصمة جمهورية مالاوي؟" أو "ما هي الحديقةُ الوطنية الوحيدة في الولايات المتحدة التي يبدأ اسمها بالحرف T؟"، أما التعريف الثاني فيُركِّز بشكلٍ خاص على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ يطرح أسئلةً بشأن ما إذا كان الناس يفهمون الكيفية التي تُقرِّر بها منصاتُ التواصل الاجتماعي ما تعرضه في المحتوى الإخباري.

استعنَّا بهذين المقياسين في إجراء مسحٍ شارك فيه 1341 أمريكيًّا بما يتوافق مع التوزيع الوطني من حيث العمر، والنوع الجنسي، والعرق، والمنطقة الجغرافية، وبناءً عليه، كان المشاركون بمنزلة عينةٍ مُمثِّلةٍ لسكان الولايات المتحدة، عرضنا عليهم في البداية 24 عنوانًا رئيسيًّا من عناوين الأخبار التي تتناول موضوعات سياسية أو تتحدث عن مرض «كوفيد-19»، كان نصفُها دقيقًا، في حين ثبت زيف النصف الآخر منها من خلال مواقع الويب المُتخصِّصة في تدقيق الحقائق، في الخطوة التالية، قِسنا مستوى معرفتهم الرقمية بأن طلبنا منهم تحديد مدى إلمامهم بمجموعة من المصطلحات المرتبطة بشبكة الإنترنت، فضلًا عن الإجابة عن سؤال يتعلق بالنهج الذي يتبعه موقع «فيسبوك» لتحديد ما يعرضه من أخبار، بعد ذلك، درسنا الارتباط بين مقياسي المعرفة الرقمية هذين ونتيجتين مختلفتين هما التصديق والرغبة في مشاركة الأخبار الدقيقة مقارنةً بالأخبار الكاذبة المتعلقة بالقضايا المذكورة.

توصَّلت دراستُنا إلى أن المعرفة الرقمية تُعد -في واقع الأمر- مؤشرًا جيدًا للتنبؤ بقدرة الفرد على تمييز المعلومات الدقيقة من المعلومات الزائفة، كذلك فإن كلًّا من مقياسي المعرفة الرقمية يمكن أن يُفيد بشكلٍ مستقلٍّ في التنبؤ بميل المشاركين في الدراسة إلى تصنيف الأخبار الحقيقية على أنها أكثر دقةً من الأخبار الكاذبة، فكانت النتيجة واحدة، بغض النظر عن انتماءات المشاركين السياسية، ودونما اعتبارٍ لمسألة ما إذا كانت عناوين الأخبار تتعلق بقضايا سياسية أو تتحدث عن مرض «كوفيد-19».

إلا أن النتائج اختلفت حين نظرنا إلى الارتباط بين المعرفة الرقمية والاستعداد لمشاركة معلومات زائفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فلم يكن ثمة تباينٌ بين الأشخاص الأعلى مستوىً من حيث المعرفة الرقمية والأشخاص الذين يفتقرون إلى تلك المعرفة؛ إذ أبدى الطرفان استعدادًا متماثلًا لمشاركة مقالاتٍ كاذبة، وكما هي الحال في النتيجة الأولى، لم يتأثر (غياب) الارتباط بين المعرفة الرقمية ومشاركة الأخبار الكاذبة بانتماء المشاركين إلى حزبٍ سياسي معين، كما لم يتأثر بطبيعة القضية سواءٌ كانت سياسيةً أو تتعلق بجائحة «كوفيد-19».

ولعل أكثر ما يُثير الدهشة أنه حتى الأشخاص الذين لديهم كمٌّ وفير من المعرفة الرقمية لم يكونوا بمنأىً من النقر على زر "مشاركة" الأخبار الكاذبة، يبدو ذلك مستغربًا؛ فإذا كنت تتمتع بمعرفةٍ رقميةٍ كافيةٍ وبمقدورك أن تُميِّز بشكلٍ أفضل بين الأخبار الصحيحة والكاذبة، فلماذا لا تتراجع احتمالية مشاركتك للمعلومات المغلوطة؟ ربما نستطيع استخلاص الإجابة عن هذا السؤال من عملنا البحثي السابق الذي تناولنا فيه أسباب مشاركة الناس للمعلومات المُضلِّلة؛ فقد وجدنا أنه برغم أن معظم الناس لا يريد نشر معلومات مُضلِّلة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تتسبَّب في تشتيت انتباههم؛ فهم يتنقلون سريعًا بين منشوراتها وأخبارها، وينساق اهتمامهم وراء التحقُّق الاجتماعي والتقييمات الأخرى، مثل عدد مرات الإعجاب التي ستحصل عليها منشوراتُهم، هذا معناه أننا ننسى أن نسأل أنفسنا في كثيرٍ من الأحيان عما إذا كان الخبر صحيحًا أم زائفًا عندما نريد أن نتخذ قرارًا سريعًا بشأن مشاركة هذا الخبر من عدمها.

وتدعم أحدثُ دراساتنا هذه النتائج السابقة؛ إذ تُشير إلى أنه شتَّان ما بين تصديق الخبر ومشاركته، فعندما تنتشر معلومةٌ كاذبةٌ في صورة خبر، ويتشاركها الناس فيما بينهم ملايين المرات، فإن هذا -في حد ذاته- ليس معناه بالضرورة أن الملايين من الناس يعتقدون أن المعلومة صحيحة؛ فقد يكون السبب ببساطة أن مَنْ شاركوا هذه المعلومة لم يفكروا قَط في مدى صحتها، كذلك فإن امتلاك أحدهم المهارة اللازمة التي يستطيع بها التمييز بين الحقائق والأكاذيب إذا أعطى نفسه الفرصة للتفكير في الأمر ليس معناه بالضرورة أنه سيُشارك الآخرين معلوماتٍ أكثر دقة.

ختامًا نقول إنه من المُثير للدهشة أن المعرفة الرقمية قد لا تُمثِّل عاملًا جوهريًّا في التنبؤ بمَنْ ينشرون معلوماتٍ مضلِّلةً على وسائل التواصل الاجتماعي، فلا شخصَ بمنأى عن نشر معلومات مُضلِّلة، ولهذا السبب، عليك أن تُعطي لنفسك الفرصة بأن تتوقف متسائلًا عما إذا كان الخبر الذي تراه صحيحًا قبل أن تنقر على زر "مشاركة".

اضف تعليق