منذ أن خرج ساتوشي ناكاموتو على الناس مبشّراً بـ «البلوكتشاين»، دخلت إلى هذه «التقنية» الجديدة، العديد من المنصّات والتقنيات والخدمات. ثم بدأت تتحول إلى أنظمة مفتوحة المصدر وغير مركزية في عالم تركزت فيه الثروات والمكتسبات لدرجة أن الكوكب بات مملوكاً من حفنة من الشركات العملاقة.

وفي سياق هذا التطوّر، ظهر أولاً مفهوم «إثبات العمل» (Proof of work) الذي تعتمده الـ«بلوكتشاين» الخاصة بعملة «بتكوين»، قبل أن يظهر مفهوم «إثبات الملكية» (Proof of Stake) الذي ستنتقل إليه الـ«بلوكتشاين» الخاصة بعملة «إيثيريوم» قريباً. والآن، هناك مفهوم جديد، هو «إثبات التغطية» (Proof of Coverage) الذي تستخدمه شبكة «هيليوم». فما هي شبكة الاتصالات اللامركزية هذه؟ وكيف ستستفيد منها أجهزة «إنترنت الأشياء»؟ وكم يجني المرء من خلال تعدينها؟

في هذه اللحظة الأكثر تطوراً وحداثة في خطّ الزمن البشري، تبدو البيانات أثمن من أي وقتٍ مضى. ومن أجل الحصول عليها، قامت الحكومات والشركات الكبرى حول العالم بزرع أجهزة متصلة بالإنترنت ترسل البيانات إلى مراكز إدارة وتحليل (جمهورية الصين الشعبية مثلاً)، أو من خلال صنع أجهزة للمستخدمين ومختصة بكل شيء تقريباً. فعلى سبيل المثال، هذه الأجهزة يمكن أن تكون مستشعراً لحرارة الغرفة، أو جهازاً يحدّد نسبة صرف الكهرباء أو حتى مستشعراً لمستوى رطوبة التربة. عملياً بات هناك جهاز استشعاري لكل شيء من حولنا تقريباً. وكل تلك الأشياء بحاجة إلى الإنترنت -الوسيط- الذي ترسل البيانات التي جمعتها عبره.

وإذا أردنا محاولة فهم عالم البيانات الكبرى عبر الأرقام، سنجد أموراً مذهلة. منذ بدايات هذه الصناعة (أجهزة إنترنت الأشياء)، وصل الحجم السوقي لهذا القطاع إلى 100 مليار دولار في عام 2017. أما القفزة الكبرى فكانت في خضمّ جائحة كورونا، عام 2020، إذ وصلت القيمة السوقية إلى 742 مليار دولار. وإذا صحّت التوقعات، فمن المفترض أن يرتفع هذا الرقم إلى نحو 1.6 تريليون دولار بحلول عام 2025، بحسب تقرير نشره موقع «DataPort». وخلال العام الماضي، كان هناك أكثر من 10 مليارات جهاز متّصل بالإنترنت. وهناك توقعات بأن يصل هذا الرقم إلى أكثر من 25 مليار جهاز في عام 2025، مع إمكانية خلق 4 تريليون دولار إلى11 تريليون دولار من القيمة الاقتصادية بحلول عام 2025 عبر الحلول التي تؤمّنها هذه العملية.

لكن مع كل تلك الأجهزة التي باتت في كل مكان، برز سؤال كبير: هل يمكن لشبكات الاتصالات تحمّل كل ذلك الضغط؟ من رحم هذا السؤال، وُلدت شبكة «هيليوم» في تموز 2019. هي شبكة لاسلكية لامركزية مفتوحة المصدر تعمل بتقنية «بلوكتشاين» لأجهزة إنترنت الأشياء (IoT) المنخفضة الطاقة (إنترنت الأشياء هي عملياً أي جهاز متّصل بالإنترنت، لكن القصد هنا أجهزة مثل المستشعرات وأجهزة تحديد المكان الجغرافي).

يتطلب تشغيل هذه الشبكة في أي منطقة جغرافية حول العالم، وضع جهاز بثّ يشبه (راوتر الوايفاي) من صنع الشركة أو من صنع شركات أخرى أشهرها جهاز «Bobcat Miner 300» وبسعر 430 دولاراً. ويقوم المستخدم بوصل الجهاز بالكهرباء وبالإنترنت، وبدوره يبثّ الجهاز موجة راديو تسمى «LongFi» وهي مختلفة عن موجة بث جهاز راوتر الوايفاي التي تكون (مايكرو وايف). وبالإضافة إلى ذلك «LongFi» لا تستطيع نقل سوى ما بين 5 إلى 20 كيلوبت في الثانية. في حين أن أحدث جهاز بتقنية وايفاي وتسمى (وايفاي 6) يستطيع نقل 9.6 غيغابت في الثانية. لكن ما يميز موجة الـ«LongFi» أنها تستطيع تغطية عشرات الكيلومترات بعكس الوايفاي التي حدودها بضع عشرات الأمتار. ولأن شبكة «هيليوم» مخصّصة لأجهزة إنترنت الأشياء المنخفضة الطاقة، فهي ليست بحاجة إلى سرعة نقل بيانات أكثر من تلك. وبهذا يمكن لبضعة أجهزة تُشَغّل الشبكة، أن تسمح لملايين أجهزة الـ(IoT) أن ترسل البيانات التي تلتقطها والمخصّصة لأجلها عبر الإنترنت. ولأن الناس هم من سيقومون بهذا الأمر، فهي شبكة لامركزية غير محتكرة من شركة عملاقة.

لكن لِم سيودّ شخصٌ ما أن يشتري تلك الأجهزة من ماله الخاص؟ لأجل الصالح العام؟ حكماً لا. تلك الأجهزة تدرّ عملات رقمية تسمى «HNT» اختصاراً من (Helium Network Tokens) وبشكل جيد. ورغم عدم وجود آلية دقيقة لحساب مقدار عملات «HNT» الذي سيكسبه المعدّن خلال فترة معينة، إلا أن هناك بعض المفاهيم التي يمكن وضعها في الاعتبار والتي ستساعد في شرح ما قد يكسبه المستخدم، إذ يتم تعدين «HNT» من خلال توسيع التغطية لبث شبكة «الهيليوم» حول العالم. عملياً كل ما على المستخدم فعله هو شراء الجهاز وتنصيبه، ويطلق عليه اسم (HotSpot). ولأنه بهذا الفعل يسهم بتوسيع نطاق تغطية الشبكة ويسمح لها بنقل بيانات إنترنت الأشياء، فيما تقدم له الشبكة عملة «HNT» لقاء عمله. كما أن عدد عملات «HNT» الموزّعة على الـ«Hotspots» تعتمد على نوع المهمة الذي يؤديه كل جهاز في أي لحظة.

بمعنى آخر، أصبحت عملية التعدين مع هذه الشبكة تتطلب «إثبات التغطية» بدلاً من «إثبات العمل» أو «إثبات الملكية». سابقاً، اقتصر التعدين عبر مفهوم «إثبات العمل» (Proof of work) الخاص بعملة «بتكوين». فقد كان المستخدمون يحتاجون إلى معدات حوسبة باهظة الثمن وطاقة كهربائية كبيرة من أجل حلّ عمليات حسابية معقّدة بنتيجتها يتم خلق كتلة أو بلوك جديد يتم تسجيله على الشبكة. عملياً كان المعدّن يصرف كهرباء كي يخلق «بتكوين». لكن مع «هيليوم» اختلفت الأمور جذرياً. مفهوم «إثبات التغطية» يتحقّق من صحّة أن الـ«Hotspot» هي موجودة فعلياً وتسهم بدورها في الشبكة. ومن أجل القيام بذلك، تطلب شبكة «هيليوم» بشكلٍ عشوائي، من إحدى الـ«Hotspots» حول العالم، أن ترسل مهمة أو عمل (Job) إلى الجهاز الذي يراد التأكد من عمله. وهنا يُطلق على الأخير اسم (Challengee) فيما الأول اسمه (Challenger). بالإضافة إلى ذلك، تطلب الشبكة من أجهزة الـ«Hotspot» القريبة من الجهاز الذي يتمّ التأكّد من عمله، أن تشهد على قيامه بوظيفته. ويُطلق على هذه اسم (Witnesses). كما يُطلق على هذه التحديات اسم «بيكونز» (Beacons) أي منارة، كون المهمة تقوم على الرصد.

كل الأجهزة التي شاركت في ما سبق، ستجني عملات «HNT» مقابل عملها. وتجدر الإشارة إلى أن الـ«Hotspots» التي تتواجد منفردة في مساحة جغرافية ولا توجد أجهزة قريبة منها، ستجني عدداً أقل من عملة «الهيليوم» حيث يمكنها فقط إصدار وتلقّي التحديات. ولا يمكنها أن تكون «Beacon» تشهد على عمل الأجهزة المجاورة ولن تستطيع تحويل البيانات. في حين أن الـ«Hotspots» المتواجدة في أماكن مكتظّة بمثيلاتها، تجني عدداً أكبر من العملات بسبب تعدّد المهمات التي ستقوم بها.

اضف تعليق