السعي الإنساني

من كتاب خواطري عن القرآن

(وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى. ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الأَوْفى)(1).

ـ 1 ـ

ما هو الإنسان؟

واضح: أن الإنسان أكبر من هذا الكيان الأرضي، أكبر من هذه الكتلة الصغيرة من العناصر الترابية المركبة تركيباً بشرياً، إنه... ذلك اللقاء الفريد بين رغبات الأرض ونفحات السماء، وهو بروحه المتنقلة بين العوالم أكثر مما هو بجسده المزمن على الأرض، فهو ليس أكثر من زورق مرحلي يجتاز بحيرة الدنيا. ولذلك: لا يقيّم بوزنه، وإلا لكان (الثور) أثمن منه. ولا بلونه، وإلا لكانت (اللوحة الفنية) أثمن منه. ولا بشجاعته. وإلا لكان (الأسد) أثمن منه. ولا بقوته، وإلا لكان (الفرس) أثمن منه. ولا بسائر مزاياه الجسدية، وإلا لما وجدنا أصحاب المزايا الجسدية في (الشوارع) وفاقدي المزايا الجسدية على (مقاعد الرئاسات).

وإذا كان الإنسان لقاء الأرض بالسماء، فماذا له من الدنيا؟

لأن السنخية ملحوظة في المالكية والمملوكية، فكما أن الحجر لا يعتبر أعمى ولا بصيراً، لأنه من باب (العدم والملكة)، كذلك: الحجر لا يعتبر مالكاً لمن جلس عليه، والماء لا يعتبر مالكاً للسمكة التي رباها، هكذا... كلما ليس من سنخ الإنسان ليس ملكاً حقيقياً للإنسان. وإذا كانت شرائع السماء اعتبرت الإنسان مالكاً لأشياء ليست من سنخ الإنسان، فإنما الملكية فيها اعتبارية، لمجرد تقنين سيولة الحياة، وتدويل الأشياء بين الأفراد بشكل يضمن تلبية حاجات كل فرد بلا صراع. والاعتبارات التي توضع لتصريف الحياة بين الأحياء: تشبه الرموز التي يتفق عليها الأفراد ـ أو الجماعات ـ وسيلة لتبادل المعلومات، وتشبه اللغات التي تختلف من شعب إلى شعب، وتشبه الأوراق النقدية التي تقرر وتلقى بقرارات الحاكمين في الأسواق. فهي ليست أشياء واقعة قائمة بذواتها، وإنما هي مقررات مرتبطة بإرادة من له صلاحية إصدار مثل هذه المقررات.

فملك الإنسان، لا بد أن ترتبط به سنخياً، فكلما يجزئ الإنسان، فيجعله أرضاً بلا سماء أو سماءً بدون أرض، فليس ملكاً للإنسان، بل هو سكين تمزقه وتذهب بقيمته. إذ ليس للأرض وحدها. ولا للسماء وحدها، القيمة التي للإنسان بصفته لقاء الأرض بالسماء.

فالمنصب، والشهرة، والرتبة، وكلما يشجع أنانيته...، ليس ملكاً له، لأنه يقوي فيه رغبة من رغبات الأرض من أجل تقليص دور السماءِ فيه. والمثاليات الموغلة في التقشف ليست ملكاً له، لأنها تقوي فيه نفحة من نفحات السماء على حساب رغبة من رغبات الأرض من أجل تذويب الأرض فيه.

وأما الأموال: الأرض وما تحمل وتثمر، فإنما هي أشياء مستقلة عن الإنسان وقائمة بازاء الإنسان، فلا يملكها، بل يمر بها مروراً، وإذا كانت الاعتبارات الدينية ـ أو القانونية تعطيه صفة (المالك) لبعض الأرض وما تحمل أو تثمر، فإنما تستغل طاقاته لإدارتها. لأنها ـ في الحقيقة ـ لا منحه إلا نوعاً محدوداً من حرية التصرف فيما تسميه (ممتلكاته)، مقابل استنزاف الكثير من اهتمامه وجهوده في إدارتها، فتأخذ منه أكثر مما تعطيه. ولو كانت السنخية بين الجانبين، لكان ما يسميه (ممتلكاته) هي التي تملكه لا هو الذي يمتلكها، لأنها تستخدمه أكثر مما هو يستخدمها.

وأما الأولاد، فلا يملك تجاههم سوى المسؤولية القاسية بدون مقابل يذكر، وكثيراً ما بدون أن يتوقع أي مقابل أو يفكر فيه.

أما لماذا يندفع الإنسان لاكتساب ما يشجع فيه رغبات الأرض أو يقوي فيه نفحات السماء؟ ولماذا يحاول اقتناء الأموال وإنجاب الأولاد، رغم أن مجملها ليس في صالحه؟

فلك بدوافع كونية غرسها الله فيه لتسيير عجلة الحياة، ولولاها لتهرب الإنسان منها ـ ما وسعه ـ ، حتى ولو فرضت عليه بالشرع أو القانون:

(إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)(2).

إذن: فماذا يملك الإنسان؟

إن الذي يملكه الإنسان هو ما يكون من سنخه، فينميه بصفته لقاء الأرض والسماء، وذلك: هو سعي الإنسان. لأن سعيه تحركه، وتحركه ملكه. لأن الحركة تفتح ذاتياته المتحرك، وتفتح لها المجالات لتسير نحو التكامل، وتأخذ مداها فتبلغ بصاحبها قمته.

فسعي الإنسان هو الشيء الوحيد الذي يملكه في الحياة، لأنه يصدر منه ويعود إليه، فهو المصدر والمصب لسعيه، فهو له حقيقة:

(وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى). فسعي الإنسان ـ سوءاً أكان لبناء نفسية أو لبناء غيره ـ فهو لنفسه وخاص بها. فليس للإنسان غير سعيه، وأما سعيه فهو له.

ولان سعي الإنسان كثيراً ما يبدو ضائعاً، لأنه كثيراً ما يتوقع من سعيه نتائج لا يسفر عنها، ولكن نظرة موضوعية تثبت أن شيئاً من سعي الإنسان لا يضيع:

أـ لأن المجرد السعي حركة، والحركة تنمي المتحرك، حتى لو لم تكن لها نتائج إيجابية متوقعة. لأن طاقات الروح تشبه طاقات الجسد، في أنها تنشط بالممارسة وتتضاءل بالإهمال، فمثلاً: الذي يدرس يصقل علمه، والذي يبذل المال يغذي موهبته من الكرم، والذي يرشد الآخرين يعمق في ذهنيته المفاهيم التي يخلعها عليهم... ولعل إلى هذا المعنى يوحي الحديث: (ضع المعروف في أهله وفي غير أهله: فإن كان أهله فكفاك ذلك، وإن لم يكن أهله فأنت أهله)(3).

ب ـ إن كل إنسان: فرد من الأفراد، واقف في مصاف الآخرين لبناء نفسه. أما إذا تأهب لاستقبال الآخرين وبناءهم ـ من آية ناحية من النواحي ـ فإنه بنسف هذا التأهب يخرج عن مصاف الآخرين ويغدو فوقهم، لأنه يفكر تفكيراً أعلى من تفكيرهم. فمجرد هذا التفكير خير رفعه فوق الآخرين، وعمل من أعماله النفسية، كما في الحديث النبوي: (نية المؤمن خير من عمله)(4) فإذا نفّذ ذلك التفكير وقام بأي عمل، فإنه ـ قبل أن يصل عمله إلى الآخرين ـ وسّع وجوده، فخرج عن كونه فرداً واحداً، وأصبح ـ بمفرده كثيراً بعددهم: فإذا عمل لعشرة كان عشرة، وإذا عمل لألف كان ألفاً وإذا عمل لأمة كان أمة:

(إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً...)(5).

2ـ إن الإنسان قد يعلّم غيره، فلا يؤدي له ـ مستقبلاً تحية المتعلم إلى معلمه. وربما يحسن إلى سواه، فلا يشكره على إحسانه... فيظن أنه وضع المعروف في غير أهله، وأن سعيه قد ضاع. بينما الواقع:

أـ أنه قلما يوجد الذي يتلقى المعروف ثم ينكره أبداً: فإذا رفض الاعتراف به في موقف فسوف لا يرفض الاعتراف به في مواقف. وإن أنكره في وجه عامل المعروف فقلما ينكره وراء ظهره... غير أن الذين يعملون المعروف ـ غالباً ما ـ يتوقعون من الشكر أكثر من معروفهم، ويتوقعون الشكر ـ ممن تلقى منهم معروفاً ـ في كل موقف ومناسبة حتى ولو كان على بعض حساباته، ويؤذيهم أن يكون شكره أقل مما يتوقعون حتى ولو كان ـ في تقديره ـ أكثر من معروفهم. وهؤلاء ـ في الحقيقة ـ لا يعملون معروفاً إنما يشترون الشكر، بما يحلونهم أن يسمونه معروفاً لاستدرار المزيد من المعروف باعتبارهم من العاملين بالمعروف، فيرابون باسم المعروف. بينما المتاجرة ـ أو المراباة ـ بالمعروف تشوّهه، فتخلع عنه طبيعة المعروف، وتقمّصه طبيعة الخيانة أو الخداع. أما المعروف بالحق، فهو الذي يصدر للمعروف ـ أو قربة إلى الله تعالى ـ بدون توقع جزاءِ فينقلب تجارة، أو توقع شكور فتفسده السمعة، أو تذكر قصد المباهاة فيخبطه الرياء.

ب ـ إن الذي تلقى المعروف، إن لم يقف من عامله الموقف المناسب، فإن ذلك المعروف لا يضيع لأن غيره سيقف من عامل المعروف موقف التقدير، الذي يعوّض ما فاته ممن تلقى منه معروفه: فما ضر (حاتم الطائي) أن لا يشكره من أكرمهم، وسائر الناس يشيدون بكرمه حتى اليوم؟! وما ضر (الأنبياء) أن تلتف حولهم حلقات من الأشواك البرية، بعد أن دخلوا عقول الناس وقلوبهم من أوسع أبوابها؟! ثم مَنْ مِن الذين دخلوا التاريخ كان مسروراً ممن وضع معروفه فيهم؟!

ولكنه دخل التاريخ بمعروفه ذلك، رغم نكران من تلقوه منه.

ج ـ إن أكثر الذين يتلقون المعروف من غيرهم، إنما هم الذين يشكون نقصاً يحوجهم إلى معروف غيرهم. وهم من الدرجة الثالثة، التي لا تقدم ولا تؤخر. وفيهم أصحاب: العقد، ومركب النقص، أو العظمة، أو الجهل المركب، أو سائر التركات الثقيلة التي تولدها الحاجة.

ومن يعاني من داخله، لا يصح أن يتوقع منه القيام بواجباته كاملة تجاه الآخرين. فهم ـ غالباً ـ دون الناس العاديين. والمفروض في عامل المعروف أن يكون فوق العاديين، فإذا توقع أن يبادلون معروفه بأفضل منه، فقد أراد لنفسه أن يقف موقفهم وأن يقفوا موقفه، وهذا... ما لا يكون. فعليه أن يحاول البقاء في موقفه قبل أن يحاول تغيير موقفهم، حتى لا يخيب.

3ـ لا يوجد في الدنيا شيءٌ ضائع، فكل شيءٍ يبقى ويفتح مجراه إلى مركزه، فإذا ضيعناه ـ نحن ـ فقد أخطأنا مجراه، فعلينا أن نبحث عن مجراه قبل أن نيأس منه. فكما أن حبة المطر التي ترتمي في رمال الصحراء لا تضيع، وكما أن موجة الشعاع التي تنطلق في الفضاء لا تضيع، بل تعاون حبات المطر حتى تعقد السيول والعيون، وتتكاثف موجات الشعاع حتى تربي الحياة وتؤلف الكواكب، كذلك: المعروف ـ إذا توالى ـ يتكاثف حتى يصبح شيئاً يمسك بالأنظار.

وإذا كان هنالك فارق بين معروف ومعروف في الفاعلية والتألق، فإنما هو فارق في الدرجات، نتيجة لحجم ونسبة الدراسات التي أعدت له: فقد يصدر معروف ضمن خطة متكاملة، مسبوقة بدراسات استخدمت كل الظروف والملابسات لتنميته واستثماره، فيعطي عطاءً عِدّاً، كعمل المشتركين في معارك: داوود، وبدر، وكربلاء... وربما يصدر معروف يتيماً مرتجلاً، فيكون كوردة الصحراء، لا تعطر إلا جوها المحدود.

ـ 2 ـ

هنالك تصوّر: أن الله يدخل المؤمنين الجنة لمجرد أنهم خافوا منه فأطاعوه، وأنه يدخل غير المؤمنين النار لمجرد انهم تمردوا عليه فعصوه. وهذا التصور متفرع من تصور أوسع: أن الله يأمر لمجرد الأمر، وينهى لمجرد النهي. وهذان التصوران خاطئان: فالله ـ تعالى ـ حكيم. والحكيم ليس أنانياً يعبد الذات من خلال تصرفاته، ولا كيفياً يعطي ويحرم بوساوس الخواطر.

فالله خلق الأسباب والمسببات ورتب المسببات على الأسباب، فخلاقه سلاسل متوالدة ومتفاعلة، ثم أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها، فكما خلق وصرف الكون بإجراء المسببات على الأسباب، كذلك خلق وصرف ما وراء الكون بإجراء المسببات على الأسباب.

ـ 3 ـ

ليس للإنسان شيء بالمعنى الحقيقي للملكية، إلا سعيه. لأنه يستطيع أن يوجده وأن لا يوجده، فهو يملكه ملكاً حقيقياً. وهو الشيء الوحيد الذي يملكه.

وسعي الإنسان ثابت، لأن سعي الإنسان ـ صوتاً أو حركة ـ يبقى محفوظاً في أرشيف الكون: فالأصوات موجات ثابتة في الهواء، والحركات تنطبع صوراً في الذرات المحيطة بها.

ولكننا لا نراها الآن، لأننا لسنا مجهزين بالعيون ـ أو الأدوات ـ القادرة على استيعابها. ولكنها سوف ترى: في الآخرة، لتطور العيون فيها. أو ـ حتى ـ في الدنيا، إذا تطورت الأدوات المساعدة على الرؤية.

........................................
(1) ـ سورة النجم: 39 ـ 41.
(2) ـ سورة التغابن: آية 15.
(3) ـ انظر وسائل الشيعة ج 11 ص 528.
(4) ـ المقنع والهداية ـ للصدوق ج 2 ـ باب(10) ص 12 ح1.
(5) ـ سورة النحل: آية 120.

انقر لاضافة تعليق