بعد صحوتهم من النوم متأخرا يذهبان أبو باقر وزوجته الى السوق المجاور لمحل اقامتهما، للتبضع بما تحتاجه السفرة الرمضانية ليومهم الجديد، دخلا السوق المليء بالخضار والفواكه، وكأنه جنة الله في الأرض، اين ما يوليان وجهيهما يشاهدان ما لذ وطاب من المأكولات وغيرها مما تشتهيه الانفس، وبعد ذلك تبدأ الاكياس البلاستيكية تلقف بجوفها الأصناف المختلفة من الأشياء.

اعتاد الزوج ان يشتري كمية تكفي لعائلة تعدادها عشرة نسمات، بينما عددهم لا يتجاوز الأربعة، هما وطفلين صغيرين، وفي كل مرة تنشب الخلافات بينهم نتيجة اعتراض ام باقر على هذا التصرف الذي لا ينم عن القناعة والرضى، وتذكر بصورة دائمة أهمية تهذيب النفس وكبح رغباتها وبالذات في الشهر الفضيل رمضان.

عادا الى المنزل ولم يعود الحديث بينهما، صمتا طويلا، وقالت ام باقر، "لماذا تشتري هذه الكميات ونحن أربعة انفار فقط؟"، لا يزال هو غارق في صمته ولم يحر جواب مقنع، تنهد تنهيدة طويلة، واقترب منها حيث تجلس في باحة البيت المتواضع أجاب، "انه شهر الله، شهر الخير والبركة، شهر الموائد المتنوعة والبذخ اللامحدود".

صوبت نظرها نحو السماء، اغمضت عينيها، مارست عملية الزفير، وعلامات الحيرة بانت على ملامحها، فهي تريد ان تعيش الأقرب من الفقراء الذين لا يملكون قوت يومهم، وهو يفضل إعداد اشهى الاطباق في الوجبات الثلاثة الرئيسية، التفتت نحوه وخاطبته مجددا، "الا تعلم ان الملايين من البشر يحلمون بشيء بسيط مما جلبناه من السوق؟، اتعلم ان أحد جاراتنا لا تملك المال الذي يمكنها من تحضير وجبة السحور، فتكتفي بما يقسم الله لها على مائدة الإفطار؟".

بعد سماع هذه الكلمات التي نزلت كالصاعقة عليه، تدحرجت دمعات من عينيه رغم محاولته اليائسة بتثبيتها في المحاجر فقال لها: "لم أكن اعلم بكل هذا، ومن الآن فصاعدا سأكون مساهم بفرحة هذه المرأة المسكينة التي لا تجد معينا لها سوى الله.

ربتت على كتفه والدموع سلكت طريقها على خديها واكملت قائلة: " الجميع في شهر رمضان في ضيافة الرحمن الذي لا تنضب موائده، كنتُ متأكدة بان الله سيجبر خاطر العائلة المكسور".

مثل هذه القصة قصص كثيرة نطلع على بعضها، ويبقى البعض الآخر يختفي خلف جدران المنازل، لكنها لا تخلو من العبر لنا بني البشر، فهي تريد ان تقول، ان شهر رمضان هو شهر لتهذيب النفس وترويضها عن رغباتها المتعددة.

ففي الشهر الفضيل تقدم لنا حزمة تربوية متكاملة، من القيم والفضائل التي لا بد ان تُرسخ بالمجتمع، السمات الإنسانية، للوصول الى مجتمع يعيش رضى نسبي، وتراحم يكفي بان تعم الرحمة بين الافراد، والرجوع للقواعد السماوية التي اكدت على أهمية تهذيب النفس وجعلها قانعة بما لديها.

في شهر رمضان تكثر الفرص امام الافراد لتهذيب النفس وتزكيتها وإعادة إصلاح الأخلاق وتوجيهها والسيطرة على الشهوات، والتخلص من العادات السيئة، فرمضان لا يهدف فقط إلى الامتناع عن الطعام بقدر ما يعني الالتزام بالعادات والأخلاق والقيم الدينية التي تزهر في النفوس وتنمو لتشمل جوانب الحياة كافة.

ففي الأيام التي تسبق شهر رمضان اعتادت العين ان ترى أكثر من صنف من الطعام في المائدة التي يجتمع عليها افراد العائلة، وفي بعض الأحيان لا يؤكل اغلبه، ويذهب الى سلة النفايات، في حين يوجد من هو يتضور جوعا، ولم يجد ما يُسكن آلام بطنه التي التصقت على ظهره.

فالتبذير من الصفات التي نهانا الله عنها ووجب عدم الاقتراب منها، حتى وصف المبذرين بأنهم اخوان الشياطين.

فخلاصة القول ان تهذيب النفس وخصوصا في شهر رمضان يعد من الأهداف السامية التي يريد شهر الله تعزيزها في النفوس، وعدم ابقاءها في محيط ضيق، قابعة في مستنقع الملذات والشهوات الدنيوية الزائلة، فالأكل والشراب مهما طاب ستذهب لذته بعد دقائق معدودة، ولكن الذي يبقى مترسب في الذات هو القناعة والزهد.

اضف تعليق