من المعروف عن الإنسان، أنه يسعى لتجسيد المشاعر التي يتفاعل معها، من خلال بيئته ومجموعة المدركات التي يحصل عليها، وبما أنه كائن يعتمد على الحالة النفسية الخاصة به لإظهار هذه المشاعر، فلابد أن يكون الشخص أو النموذج الذي نستمد منه هذه المدركات نموذجا عظيما.

فكيف إذا كان هذا النموذج العظيم هو الإمام الحسين (ع)، ونحن نعلم ونؤمن بأن لملحمة الطف مدركات عده وجوانب كثيرة، منها أنها تساعد على ترسيخ الشجاعة لدى الفرد وتعلمه الصبر والحفاظ على الكرامة، كما تجعله مؤمنا وواثقا بأن القلة المؤمنة يمكنها أن تتغلب على الكثرة الباطلة ولو بعد حين.

كل هذه القيم المعنوية ستجعل ممن يدركها بالصورة الصحيحة، إنسانا سويّا مؤمنا ويسير في الاتجاه الصحيح، لذا فهي قيم كبيرة ونبيلة ترفع المعنويات الذاتية للشخص الذي ينتسب إليها ويؤمن بها، وما أن يدرك هذا الشخص بأنه على حق فلا خوف عليه بعد ذلك، وان (رأس الحكمة مخافة الله).

هكذا أنتجت عاشوراء والقيم التي نهض بها الإمام الحسين (ع) في ثورة الطف، مجموعة من المعنويات التي استمدها المسلمون من مدرسة عاشوراء، وما نلاحظه في وقتنا الحالي كمثال على التمسك بالقيم الحسينية، هذه الخدمات الجليلة التي يقدمها خدّام الحسين (ع) إلى زائريه الكرام، سواء في المواكب حيث نجد الإيثار بأعلى درجاته، والمحبة الموجودة لدى القائمين على إدارة تلك المواكب، والترحيب الحار الذي لا تجد مثله في جميع أصقاع العالم، وكل هذا يتم تقديمه دونما غاية أو هدف مادي، وإنما لمرضاة الله عن طريق الإمام الحسين (ع).

في أيام عاشوراء يعيش الناس زمنا مختلفا، ينشطون فيه بقوة، ويشعرون أنهم أقوى من أي وقت آخر، كما أنهم يشعرون بالأمان والاستقرار بفضل التصالح مع الذات، كل هذا وسواه يحصل عليه خدَمَة الإمام الحسين (ع) بسبب حزمة المعنويات العالية والكبيرة التي يحصلون عليها.

كما أنها بمجموعها تمثل القيم التي زرعها الإمام الحسين (ع) فيهم ومنها روح الإيثار والتضحية والعقيدة الثابتة ورد الظلم وعدم الانصياع للطغاة، فجسد خدّام الإمام عليه السلام أروع مشاهد الإيثار التي أصبحت محط فخر وافتخار البعيد قبل القريب، كونها تمثل نموذجا إنسانا فريدا من نوعه ودرسا تحتاجه البشرية كلها للتقارب والتآلف بدلا من التصارع والانقسام.

ولكي نلقي الضوء على انعكاس قيم عاشوراء في الجانب المعنوي، استطلعت (شبكة النبأ المعلوماتية)، آراء عدد من الكتاب والشباب ممن قدموا الخدمات للزوار الكرام، وطرحت عليهم السؤال التالي:

هناك دور كبير للمعنويات في حياة الناس.. كيف يمكننا الاستفادة من قيم عاشوراء لكسب المعنويات النفسية؟

في الطريق إلى كربلاء المقدسة

الكاتب طالب عباس الظاهر رئيس تحرير مجلة الأحرار أجاب بالقول: في الطريق إلى كربلاء سأل علي الأكبر عليه السلام: يا أبتاه، ألسنا مع الحقّ؟!

قال الحسين (عليه السلام): بلى، والذي نفسي بيده.

فقال عليّ الأكبر (عليه السلام): والله لا نبالي أوَقعنا على الموت أم وقع الموت علينا!

نعم، حينما يكون الإنسان على بصيرة من أمره وهي امتلاك القدرة على النظر الصائب إلى خفايا الأمور، يصبح لديه يقيناً راسخاً على عدالة قضيته، أي يسير في طريق الحق ضد الباطل بأي شكل من أشكاله.. إذ إن هنالك صراعاً مستمراً بين الحق والباطل في الحياة، فلكل زمان ومكان (حُسَينهُ)، وكذلك (يزيده).

أقول، حينما يملك الإنسان بصيرة؛ أكيد تهون عليه مصائب الدنيا ومصاعبها، وتنعكس فطنته وإدراكه ايجابياً على معنوياته فتكون عالية، ويكون بالتالي تعاطيه في الحياة ايجابياً في نفسه ومع الناس الآخرين، فلا يهمه من أمر هذه الدنيا الفانية؛ إلا بقدر الكسب فيها للمؤونة لحياة الآخرة الباقية، فهذه الحياة لا تعدو كونها مزرعة الآخرة.

ويمكننا أن نستشف أيضاً من قول علي الأكبر عليه السلام الإشارة إلى أهمية أن يعيش الإنسان حياته على بصيرة، ويكون في أموره جميعاً على يقين من إنه مناصراً لجبهة الحق ضد الباطل وليس العكس، وأما النتيجة فستكون لصالحه والفوز حليفه في كل الأحوال.

وأمامنا ملحمة عاشوراء شاهداً حياً عبر التاريخ، فهي منازلة الحق المحض الوحيدة، للباطل المحض أيضا، ورغم الانتصار الآني للباطل في واقعة من الناحية المادية، إلا إن الحق حقق انتصاره المعنوي الأبدي على الباطل، لأن عاشوراء ثورة قيم ومُثل عليا لا يمكن أن تُهزم، قبل أن تكون ثورة سيف ودم.

قيم عاشوراء كثقافة اجتماعية

أجابت الكاتبة رفاه عادل من بغداد: بدءاً لابد من التركيز على قضية مهمة جدا، وهي أن نؤمن ونعترف بأن عاشوراء والقيم التي أفرزتها يجب أن تتحول إلى ثقافة حياة للمجتمع، وهذا الهدف كبير ويحتاج إلى تخطيط عبر جهود حثيثة وكبيرة، ومتى ما استطعنا نشر قيم عاشوراء، نستطيع أن نجعلها منهج تفكير وسلوك للفرد ومن ثم المجتمع.

فهل قمنا بهذا العمل الجبار، أقصد تحويل قيم عاشوراء من حالتها المبدئية اللفظة إلى تجسيدها الفعلي في واقعنا؟؟

أجزم أن الإجابة المنصفة سوف تؤكد على أن الجانب اللفظي لقيم عاشوراء أقوى من التطبيقي لها، وهذه إشكالية كبيرة يجب الاعتراف بها وتأشيرها، ومن ثم التخطيط الجيد لمعالجتها، لأن قيم عاشوراء ليست شعارات رنانة، وكلمات منمقة، وأصوات عالية تخلو من الفعل، عاشوراء وقيمها المعنوية العالية هي فعل تطبيقي متواصل في حياتنا، وليس كلمات نجمّل بها أنفسنا وألفاظنا.

لذلك أنا أؤمن بأن نشر الوعي أولاً بين الناس يجب أن يكون هدفا مستداما، والتخطيط له مستمر، وتهيئة شروطه المادية والفكرية يجب أن تتصدر واجباتنا، ويجب ان تكون عاشوراء أو ذكرى عاشوراء أسلوب حياة، وحاجة معرفية وليست طقوس روتينية نتبعها أو نؤديها دون أن نحولها إلى مبادئ وثقافة تدعم حياتنا العملية وتنظّم علاقاتنا وشؤوننا المختلفة.

بهذه الطريقة يمكننا الاستفادة من قيم عاشوراء في دعم المسار المعنوي للمجتمع، وإذا عرفنا أن المحتوى الفكري العظيم والمبدئي لقيم عاشوراء فريد من نوعه، كونه خلاصة ثورة الحسين (ع) ضد الظلم، فإننا سوف نؤمن أيضا بأهمية الدعم المعنوي الذي تقدمه لنا قيم عاشوراء والفكر الحسيني الخالد.

الخدمة الحسينية واثرها في رفع المعنويات

أما الشيخ أسعد شاكر من كربلاء المقدسة فأجاب قائلا: إن فهم مدى رفع المعنويات والمباشرة بخدمة الإمام المعصوم عليه السلام، يمكن أن تُلحظ من عدة جهات:

الجهة الأولى: جهة تكليف العبد بلحاظ مولاه، ففي هذه الجهة يستشعر العبد أن من الواجب عليه أن يقدم شيئا ما لمولاه، سواء كان هذا الشيء على مستوى العمل، كأن يعمل في خدمة الزوار الكرام ويسهر على راحتهم ويهتم بتوفير الخدمات لهم، أو يعمل ويجتهد ويسعى في بناء حسينية وما إلى ذلك.

وهذا كله باسم الإمام عليه السلام، وذلك يجعل من معنويات الفرد وحالته النفسية في أقصى سكينة لها، أما إذا كان هذا الشيء أو العمل، على مستوى العلم والتبليغ، بأن يبين أحقية الإمام عليه السلام، ويبين فضائله ومقاماته، فهذه كلها تندرج تحت عنوان الخدمة التي تُسهم بشكل أو آخر في رفع معنويات من يقوم بها، لأنها سوف تحقق جانبا من دوره في نصرة الحق على الباطل.

الجهة الثانية: تكمن في ما يترتب على هذه الخدمة من آثار للعبد الخادم، فإن الإنسان إذا أدى أي عمل لمولاه، سوف يرى ويلمس آثار خدمته، وبعض هذه الآثار تخرج عن الحد الطبيعي، فقد نُقل عن أم ايمن عليها السلام، أنها لما قُتلت فاطمة عليها السلام خرجت أم ايمن من المدينة، وذهبت إلى الصحراء، وبقيت مدة من غير طعام وماء، ولما كادت أن تموت عطشا، دعت الله تعالى قائلة يا رب أتميتني من العطش والجوع وأنا خادمة فاطمة، فانزل الله تعالى لها ماءً فشربت منه، ولم تحتج بعد ذلك إلى الماء أبدا.

حدث هذا اثر خدمة فاطمة، وآل فاطمة عليهم السلام، وارتفع مدى رفع المعنويات للعبد الصالح، ويحدث هذا كنوع من الجزاء الكبير، عندما يكون الإنسان صاحب اعتقاد وعقيدة بآل البيت، ويقدم ما يمكنه لنصرتهم ونصرة الحق الذي قدموا لنصرته وإحقاقه أغلى ما يملكون، ونعني بذلك أنفسهم. اللهم اجعلنا من خدمتهم يا كريم.

عاشوراء مدرسة الحق والأمل بالتغيير

يقول الشاب علي سالم جوابا على سؤالنا: هناك دروس كثيرة يمكننا استنتاجها أو استخلاصها من مدرسة عاشوراء ومنها:

أولا: عاشوراء هي درس الحق والأمل بالتغيير، وهو اللحظة التي من خلالها يحدث التحول والانتقال للكمال العقلي.

ثانيا: إن مدرسة عاشوراء جاءت لتعليم الإنسان على الحرية والكرامة، ورفض الظلم، والوقوف في وجه الطغاة، وان الحسين (ع) من خلال عدد قليل من صحبه كان يمتلك الأفضلية، لأنه على يقين من انه هو المنتصر.

ثالثا: من دروس عاشوراء المهمة الصبر على المصائب، وتحمل أقدار الله وان الصبر هو من شيم الإنسان المؤمن الواعي، وأن الشجاعة بكل معانيها هي أن لا تعصي الله في أصعب الظروف وأتعسها، وهذا ما حدث بالضبط في معركة الطف.

رابعا: إن عاشوراء درس لمن أراد أن يفهم ويؤمن، بأن القلة يمكن أن تتغلب على الكثرة، وان الذي يتوكل على الله تعالى ويستعين به، لا يقف في وجهه شيء ما دام أن الله هو حسبه وولي أمره، هذا النوع من الإيمان الصادق، يتيح للإنسان أن يتحلى بمعنويات عالية مصدرها ثقته بنفسه وبأنه يستمد من نهضة الحسين عليه السلام فكره وأقواله ومواقفه.

اضف تعليق