بعد شهور متعاقبة من الدراسة عن بعد شملت جميع المراحل الدراسية، وأثر قرار الرجوع إلى التعليم عن قرب أي بحضور الطلاب في الصفوف والقاعات المغلقة، بدأ كثيرون يتساءلون ومن بينهم أولياء أمور أو كوادر تعليمية وحتى الطلاب، هل يصح هذا القرار، واستفدنا من تجربة التعليم الإلكتروني، وكيف نوظف هذه التجربة لصالح المعلم والمتعلّم؟، هذا التساؤل يجب أن تضعه المؤسسات والجهات المعنية نصب أعينها، لأن تجربة التعليم في العراق تحت ظروف وباء كورونا تختلف عمّا هي عليه في الدول المتقدمة.

هناك العديد من المشاكل والظروف الطارئة التي تمر على البشر، منها ما يأخذ وقتا طويلا لحلها، أو قد تحل في وقت قليل، وفي كلا الحالتين يجب أن تُدرس المشكلة وان يقوم الشخص والجهات المعنية بتحليلها، ومعرفة كل جوانبها التي تحيط بها قبل التفكير بالحل، وعندما اجتاحت جائحة كورونا المجتمع البشري وحصل الشلل شبه التام في العالم اجمع، في كل النواحي الاقتصادية والسياسية الصحية والتعليمية، فكر المختصون في عموم العالم بعدة حلول منها الآنية ومنها طويلة الأجل.

في الباب التعليمي، جاءت الدراسة الالكترونية كحل يمكن أن يكون آني ومستقبلي أيضا، ولكن كبديل فوري للدراسة دون اجتماع الطلبة بأعدادهم الهائلة في صفوف وأماكن مغلقة، كان التعليم عن بعد هو الحل الوحيد المتاح رغم سلبياته، وذلك تبعا لإدارة الدولة وتفكيرها الاستراتيجي، فبعد أن أصبح التدريس الحضوري مستحيلا اتجه العالم كله إلى الدراسة الإلكترونية التي قدّمت نفسها محلّ أمثل لهذه المشكلة المفاجئة والغريبة أو غير المتوقّعة.

إن التعليم الالكتروني وعلى صعيد العديد من دول العالم لم يكن وليد اللحظة بالنسبة لهم، وإنما هو نظام تعليمي موجود منذ زمن طويل قبل الجائحة، لذلك لم تواجه تلك الدول مشاكل معقدة تعيق التعليم عن بعد، أما في الدول التي على شاكلة العراق، فقد جاء التعليم الالكتروني كتجربة حديثة وليدة اللحظة، فلم تكن هناك دراسة وافية لهذه التجربة، وليست هناك بدائل أو خيارات أخرى غير التمسك بأسلوب الدراسة عن بعد، ولذلك جاء هذا النوع من التدريس في العراق كحل سريع يمكن أن يكون البديل الأفضل للدراسة الحضورية.

بسبب حداثة هذا التعليم ومحدوديته في العراق، فقد واجه قطاع التعليم الكثير من المشاكل والعقبات والأمور التي تحتاج لوقت كي نجد الحل المناسب لها، وبعد سنتين من هذا التعليم وعودة التعليم شبه حضوري ترتب على ذلك عدد من المخرجات منها الجيدة ومنها السيئة، سوف نترك مناقشتها وطرحها للمشاركين في هذا الاستطلاع.

ولأهمية هذا الموضوع وبداية سنة دراسية جديدة قد تكون مختلفة عن السنتين الماضيتين، طرحت (شبكة النبأ المعلوماتية) على عدد من الكتاب والمعنيين سؤالا بهذا الخصوص مفاده: بعد سنتين من الدراسة الإلكترونية لجميع المراحل والعودة المقررة للتدريس الحضوري.. ما هي آفاق التجربة المكتسبة وكيف نوظف ذلك لصالح مستقبل التعليم؟

اعتماد نظام خاص يمنع الغش الإلكتروني

التدريسية آلاء عبد العباس يحيى، بكلوريوس هندسة مدنية، جامعة الكوفة أجابت بالقول: التجربة الإلكترونية كانت ذات ايجابيات وسلبيات، فمن ناحية ايجابية كونها جعلت الطلاب والأساتذة في حالة احتكاك اكبر مع التواصل عن بعد، وهذا وسع من أفق استثمار شبكة النت والتواصل بها في غاية مفيدة كالتعليم، كما وأنها تجربة ناجحة جدا مع الدراسات العليا وحتى مع التعليم الجامعي.

فقد أعطتهم القدرة على مراجعة المحاضرة ليس فقط كمادة علمية في الملزمة او الكتاب بل، أيضا عن طريق مراجعة الفيديو الخاص بالمحاضرة بأسئلته وتفاصيله، مما يسهل على الطالب المراجعة والمتابع في اي وقت، كما ومنح الجميع قدرة اكبر على الوصول الى المعلومة، عن طريق عدة أساتذة عبر منصات التواصل كاليوتيوب والفيس بوك وغيرها.

ولكنه مع هذه الايجابيات هناك سلبيات منها قلة التفاعل الحقيقي مع المادة والمحاضرة، إضافة إلى إمكانية الغش في الامتحانات الإلكترونية، ولتلافي هكذا سلبيات من الممكن استخدام طريقة بعض الدول في الامتحان والحضور، وهو بوجود شاشة كبيرة تعرض البث المباشر للطلاب الحاضرين للمحاضرة، وتعرض أداءهم للامتحان بطريقة يستخدم البرنامج الامتحاني بما لا يسمح للطالب معه بالتصفح في الحاسوب أثناء الامتحان، او التحرك يمينا وشمالا لإستحصال الإجابة من اي فرد اخر.

وهذا يزيد من كفاءة التعليم، والنتيجة المستحصلة للامتحانات ستكون اقرب لمستوى الطالب، كما ويجب توفير النت لكل الطلاب واجهزة الحاسوب، او توفير مراكز امتحانية إلكترونية في كل حي مثلا معقمة ومجهزة لهذا الغرض وهذه التجربة جيدة للطلاب فوق المتوسطة وعن خبرة، فإنها فاشلة تماما مع الابتدائية والمتوسطة لعدم وجود وعي كافي من الطالب للتفاعل مع المحاضرة وكذلك تقصير من الأساتذة في أدائهم لشرح الدروس.

التعليم الحضوري ذو كفاءة عالية

صادق شهيد من جامعة كربلاء المقدسة، قسم المراقبة، أجاب: إن عوده التعليم حضوري لا شك أنها مهمة لتحقيق العملية التعليمية بكفاءة عالية، وهناك أهمية كبيرة للدوام الحضوري للطلاب، فوجودهم في الفصول الدراسية، ومشاركتهم لزملائهم التجربة الدراسية الحضورية في غاية الأهمية، ليس فقط من حيث الجانب التعليمي والمعرفي، بل من جانب العلاقات المتبادلة، وتناقل الخبرات، وتعميق معنى الصداقة، وخلق بنية اجتماعية طلابية متجانسة، لها أهميتها في رفد النسيج الاجتماعي بأجيال جديدة لها رؤيتها المتطورة لمواكبة الحياة التي تسير بقفزات سريعة نحو التطور في كل المجالات.

الفترة الماضية رغم المكتسبات التي تحققت من التعليم عن بعد، لنها كانت صعبة في جانب تحقيق الكفاءة العلمية المطلوبة للطلاب، أما عوده التعليم الحضوري فيشكل تحديا كبيرا للطلبة أنفسهم بعد هذا الانقطاع الطويل نسبيا لمرحلتين، وكذلك للهيئات التدريسية، خصوصا وأن التعليم هذا العام يتطلب أهمية استشعار المسؤوليه لدى جميع، والمبادرة الفورية والطوعية لأخذ اللقاح المضاد لكورونا، والاستفادة من المكتسبات في المرحلة الماضية لزيادة الكفاءة التعليمية، خصوصا عندما تكون الأعداد في المدارس كبيرة، وفي حالة انقطاع المعلم او الطالب بسبب الإصابة، فهذا يشكل ضررا للجميع، ويهدر الكثير من الجهد والزمن، كما أن وجود منصة تفاعلية يمكن أن يعزز من الكفاءة العلمية التعليمية للجميع.

بناء الشخصية وتهديمها في نفس الوقت

علا حسين علي خريجة جامعية عاشت تجربة التعليم عن بعد، تقول: التعليم الالكتروني أو عن بعد لم يكن هو الحل الأفضل من وجهة نظري، وذلك لأسباب عدة من ضمنها أننا نسكن في بيئة ريفية بعيدة عن الانترنيت والتكنولوجيا وهذا ما ضاعف المصاعب علينا، فهناك عدد كبير من الفتيات يسكنَّ في قريتنا لم يستطعن إكمال الدراسة بسبب أن أهلهن لم يقبلوا أن يعطوهن هاتف خاص بهن، خشية من الذهاب في مسارات أخرى، وحرصا من الأهل على بناتهن، كل ذلك صبّ في جانب يجعل من التعليم الالكتروني تجربة سيئة لهؤلاء البنات اللواتي كان حلمهن أن يكملن دراستهن الجامعية والعليا أيضا.

ولكن من جانب اخر هناك بعض الايجابيات للدراسة عن بعد ومنها، عدم إهمال عدة سنوات من الدراسة وتأخيرها أو تأجيلها إلى أزمنة أو سنوات قادمة، فذلك سوف يجعل الأمر أكثر تعقيدا، وفيه مشاكل كبيرة تشمل الجميع، فالمعروف أن أهم شيء بالنسبة للإنسان أن لا يبذّر أيامه وساعاته دون جدوى، فما بالك إنْ امتد هذا التضييع للوقت إلى شهور وسنوات؟؟

بعض البنات في الأرياف يستخدمن أجهزة العائلة من الأب أو الأم أو الأخ، وهذا الأسلوب يدل على عدم ثقة بالفتاة، وهو جانب مسكون عنه، لا الطالبة تتكلم به ولا الأهل يناقشونه بصراحة، كل ذلك يحطم جانب ويبني جانب في الشخصية، والتهديم والبناء في لحظة واحدة لا يجدي نفعا.

التعليم الإلكتروني شجع الكسالى على الدراسة

علي سالم، طالب في السادس الإعدادي واستطاع هذه السنة أن يحجز له مقعدا دراسيا في إحدى الجامعات، يقول عن تجربة الدراسة الإلكترونية: مما لا شك فيه أن التعليم الالكتروني قد أضاف الكثير من الجوانب الجيدة للطلاب، من ضمنها جعل الوصول للمعلومة أسرع ومن داخل البيت، وهذا الجانب ربما ساعد على حث الطالب الذي يكره الذهاب إلى المدرسة، وجعله يواصل دراسته من حلال الدراسة في البيت أكثر، وهذا قد أضفى كتجربة حديثة شيئا من الجدية على التعليم فأصبح النجاح سهلا، وتعد سهولة النجاح في رأيي من الجوانب السيئة للتعليم الالكتروني، فقد أصبح الرقابة على ورقة الامتحان معدومة، وهذا إلى كثرة حالات الغش بين الطلاب، وزرعت حالات الإحباط لدى الطلبة الجادين المثابرين على إتقان دروسهم، فما فائدة أن تتساوى درجات الطالب الجاد مع الطالب المهمل؟؟

هذا الجانب جعل من التعليم الإلكتروني سيئا، ويجب أن تُعاد صياغة مخرجاته إذا أردنا أن نطور هذا النوع من التعليم في بلدنا.

اضف تعليق