وفقًا لاستطلاع رأي أجرته دورية Nature، يتوقع علماء كثيرون أن فيروس "سارس-كوف-2" لن يزول عن قريب، لكنْ يمكن أن تقل خطورته بمرور الوقت.

على مدار فترة طويلة من العام الماضي، لم يعكّر فيروس كورونا صفو الحياة في ولاية أستراليا الغربية، حيث كان الأصدقاء يجتمعون في الحانات، والأقارب يُقَبِّلون ويحتضنون بعضهم بعضًا، والأطفال يرتادون المدارس، دون ارتداء كمامات الوجه، ودون اضطرار إدارات المدارس إلى التحقق من درجة حرارة كل منهم. وقد حافظت الولاية على هذا الوضع الذي قد تُحسد عليه عن طريق فرض قيود مكثفة على السفر، وإنفاذ تدابير الإغلاق، وتقييد الانتقالات. على سبيل المثال، فرضت مناطق تدابير إغلاق بشكل عاجل في مطلع العام، بعد أن أشارت عينة فحص طبي إلى إصابة بالفيروس لدى أحد حرّاس الأمن في فندق خضع زواره ونزلاؤه للحجر الصحي، بيد أن هذه التجربة في ولاية أستراليا الغربية تقدم لمحة عن حياةٍ في مأمن من فيروس "سارس-كوف-2"، فإذا هدفت المناطق الأخرى، بمساعدة اللقاحات، إلى تطبيق استراتيجية مماثلة لتتمتع بحياة خالية من مرض "كوفيد-19"، فهل يستطيع العالَم أن يتخلص من الفيروس؟

إنه لحلم رائع يراودنا، لكن أغلب العلماء يعتقدون أنه بعيد المنال. ففي شهر يناير من العام الجاري، توجهت دورية Nature إلى أكثر من 100 اختصاصي مناعة واختصاصي فيروسات وباحث في شؤون الأمراض المعدية ممن يعملون على دراسات متعلقة بفيروس كورونا، وسألتهم عما إذا كان بالإمكان القضاء على الفيروس، فأجاب حوالي 90% منهم بأن الفيروس سيصبح متوطنًا؛ أي أنه سيواصل الانتشار في بؤر سكانية محددة من العالَم لسنوات قادمة (انظر الشكل "الفيروس سيغدو متوطنًا").

حول ذلك، يقول مايكل أوسترهولم، وهو اختصاصي أوبئة من جامعة مينيسوتا في مدينة مينيابولس الأمريكية: "إن مطمح القضاء تمامًا على هذا الفيروس ومحوه فورًا من على ظهر البسيطة يشبه إلى حد كبير محاولة التخطيط للصعود إلى القمر باستخدام سلم من الحجارة المتراصة. إنه ضرب من الخيال".

من زاوية أخرى، لا يعني الإخفاق في القضاء تمامًا على الفيروس استمرار الموت، أو المرض، أو العزلة الاجتماعية بالمستويات التي شهدناها حتى الآن؛ فالمستقبَل سيعتمد اعتمادًا بالغًا على نوع المناعة التي سيكتسبها الأفراد من خلال العدوى، أو التطعيمات، وعلى التطوُّر الذي سيطرأ على الفيروس. على سبيل المثال، تتسم فاشيات فيروسات الإنفلونزا، وكذلك فيروسات كورونا الأربعة التي تصيب البشر بنزلات البرد العادية بأنها متوطنة؛ لكن الجمْع بين التطعيمات السنوية والمناعة المكتسبة يجعل المجتمعات تتحمل حالات الوفاة والأمراض المتكررة موسميًّا التي تتسبب فيها هذه الفيروسات، دون الاضطرار إلى فرض تدابير الإغلاق، وارتداء الكمامات، وتطبيق قواعد التباعد الاجتماعي.

وقد ذهب أكثر من ثلث العلماء الذين أجابوا على استطلاع دورية Nature إلى أنه قد يمكن القضاء على فيروس "سارس-كوف-2" في بعض المناطق، لكنه سيواصل انتشاره في مناطق أخرى. وحتى في المناطق الخالية من مرض "كوفيد-19"، سيستمر خطر اندلاع حالات تفشٍّ له، لكن قد يمكن احتواؤها سريعًا عن طريق مناعة القطيع، إذا جرى تطعيم معظم الأفراد. يقول كريستوفر داي، اختصاصي الأوبئة من جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة: "أظن أن مرض "كوفيد-19" سيزول من بعض البلدان، لكنْ سيبقى هناك خطر (قد يكون موسميًّا) يهدد بانتشاره مجددًا من خلال الأماكن التي لم تشملها التطعيمات، والبقاع التي لم تكن تدابير الصحة العامة فيها مُحكمة بالدرجة الكافية".

"من المرجح أن يصبح الفيروس متوطنًا، لكن يصعب التنبؤ بالنمط الذي سيسلكه في ذلك".

وتقول أنجيلا راسموسِن، وهي اختصاصية فيروسات من جامعة جورجتاون، مقيمة في مدينة سياتل بولاية واشنطن الأمريكية: "من المرجح أن يصبح الفيروس متوطنًا، لكن يصعب التنبؤ بالنمط الذي سيسلكه في ذلك". وستتحدد -بناءً على ذلك- التكاليف التي سوف تتكبدها المجتمعات لمكافحة الفيروس على مدار خمس سنوات، أو عشر، أو حتى خمسين سنة قادمة.

عدو من الطفولة

بعد مضيّ خمس سنوات من الآن، عندما يتصل شخص ما من مركز رعاية أطفال بأحد أولياء الأمور ليخبره بأن طفله مصاب برشح أنفي وحمى، حينها قد تبدو جائحة "كوفيد-19" وكأنها ذكرى من زمن بعيد، لكن ثمة احتمال وارد بأنْ يكون فيروس "سارس-كوف-2" الذي أودى بحياة أكثر من مليون ونصف مليون شخص في هذه الجائحة في عام 2020 هو وحده المسؤول عن تلك الأعراض.

وهذا أحد السيناريوهات التي يتوقعها العلماء مع هذا الفيروس. فهو لا يزال منتشرًا من حولنا، لكنْ ما أن يكتسب الأفراد قدرًا من المناعة لمقاومته، إما من خلال العدوى الطبيعية، أو التطعيمات؛ فلن يُصابوا حينها بأعراض شديدة. وسيتحول الفيروس إلى عدو واجهه الطفل لأول مرّة في مرحلة الطفولة المبكرة، حيث يتسبب عادةً في عدوى طفيفة، أو لا يُحْدِث أي أعراض على الإطلاق، حسب ما ذكرته جيني لافين، الباحثة المتخصصة في الأمراض المعدية من جامعة إيموري بأتلانتا في ولاية جورجيا.

ويطرح العلماء هذا الاحتمال لأن هذا هو دأب فيروسات كورونا المتوطنة الأربعة الأخرى، التي يُطلق عليها OC43، و229E، وNL63 وHKU1. ومن المرجح أن ثلاثة على الأقل من هذه الفيروسات كانت منتشرة بين الجماعات البشرية لمئات السنين؛ حيث إن اثنين منها مسؤولان عن 15% تقريبًا من أمراض عدوى الجهاز التنفسي التي يُصاب بها الإنسان. وباستخدام بيانات من دراسات سابقة، طوّرت لافين وزملاؤها نموذجًا يبيّن آليات مرض معظم الأطفال دون سن السادسة لأول مرّة بهذه الفيروسات، وكيف يكتسبون مناعة لمقاومتها1 وتعقِّب لافين قائلة في هذا الصدد إن الدفاعات ضد المرض تضعف بسرعة بالغة، بحيث لا تكفي لتقي الجسم تمامًا من تجدد الإصابة بالعدوى، لكن يبدو أن هذه الدفاعات تحمي البالغين من الاعتلالات التي تسببها الإصابة. وتكون العدوى الأولى طفيفة نسبيًّا، حتى لدى الأطفال.

ولم يتضح حتى الآن ما إذا كانت الاستجابات المناعية ضد فيروس "سارس-كوف-2" ستسلك المنحى نفسه، أم لا، وإنْ كانت دراسة كُبرى أُجريت على أشخاص أُصيبوا بـ"كوفيد-19" تشير إلى أن مستويات الأجسام المضادة المحيّدة للفيروس لديهم -التي تساعد على منع تجدُّد الإصابة بالعدوى- تبدأ في التراجع بعد مضي فترة تتراوح من ستة إلى ثمانية أشهر2، إلا أن أجسامهم تنتِج أيضًا الخلايا المناعية البائية الذاكِرة التي يمكنها بدورها تصنيع أجسام مضادة عند الإصابة بعدوى جديدة. وفضلًا عن ذلك، تصنِّع أجسامهم الخلايا التائية التي يمكنها القضاء على الخلايا المصابة بالفيروس، حسب ما أدلت به دانييلا فايسكوبف، اختصاصية المناعة من معهد لاهويا لعلم المناعة في كاليفورنيا، التي شاركت في وضع الدراسة. ومع ذلك، فحتى الآن، تظل هناك حاجة إلى إثبات ما إذا كانت هذه الذاكرة المناعية تستطيع الوقاية من الإصابة مجددًا بالفيروس، أم لا، بالرغم من وجود حالات موثَّقة لتكرار الإصابة به. وقد تعزِّز سلالات الفيروس المتحوّرة الجديدة تجدُّد الإصابة به، التي لا يزال تكرارها نادر الحدوث.

ولا تزال فايسكوبف وزملاؤها يتقصّون تكوُّن الذاكرة المناعية ضد الفيروس لدى الأشخاص المصابين بمرض "كوفيد-19"، بهدف اكتشاف ما إذا كانت تستمر لديهم، أم لا. وتقول فايسكوبف إنه إذا اكتسب أغلب الأفراد مناعة على مدار حياتهم ضد الفيروس، إما عن طريق العدوى الطبيعية، أو التطعيمات، فحينها سيكون من المستبعَد أن يصبح الفيروس متوطنًا، بيد أنه ربما تضعف المناعة ضد الفيروس بعد مضي عام أو عامين. وتوجد بالفعل بعض الدلائل التي تشير إلى أن الفيروس يمكن أن يتطوّر للإفلات منها. ويذهب أكثر من نصف العلماء الذين أجابوا على استطلاع دورية Nature إلى أن ضَعْف المناعة سيكون أحد المحفّزات الرئيسة لتحوُّل الفيروس إلى متوطن.

وحيث إن الفيروس قد انتشر حول العالم، فربما يبدو من الجائز تصنيفه بأنه متوطن بالفعل، لكنْ لأنّ أعداد المصابين بالعدوى تُواصِل الارتفاع في جميع أنحاء العالم، وأيضًا لأن عددًا كبيرًا جدًّا من الأفراد لا يزالون معرضين لخطر العدوى، فالعلماء، حتى الآن، يصنّفون الفيروس على أنه ما زال في مرحلة الجائحة. وتقول لافين إنه في مرحلة الداء المتوطن، يصبح عدد حالات الإصابة بالعدوى ثابتًا نسبيًّا على مدار السنوات، على أنه يرتفع ارتفاعًا حادًّا مفاجئًا من وقت إلى آخر.

وتضيف لافين أنه يمكن أن يستغرق الوصول إلى هذه الأعداد الثابتة بضع سنوات، أو حتى عقود، اعتمادًا على مدى سرعة اكتساب المجموعات السكانية للمناعة ضد الفيروس. وسيكون السماح للفيروس بالانتشار دون قيود أسرع سبيل للوصول إلى تلك النقطة، لكن هذا الإجراء سيسفر عن وقوع ملايين عديدة من الوفيات. وتعلق لافين على ذلك قائلة: "سيكبدنا هذا المسار بعض الخسائر الفادحة. ولعل السيناريو الأفضل هو الاتجاه إلى التطعيمات".

اللقاحات ومناعة القطيع

تتوقع البلدان التي بدأت في توزيع اللقاحات المضادة لمرض "كوفيد-19" أن تشهد انخفاضًا سريعًا في الحالات الشديدة من هذا المرض، لكنَّ اكتشاف مدى فعالية هذه اللقاحات في خفض معدلات انتقال العدوى سيستغرق وقتًا أطول مما تتوقعه هذه البلدان. وتشير البيانات المستقاة من التجارب الإكلينيكية إلى أن اللقاحات التي تقي من العدوى المصحوبة بأعراض ربما تَحُول أيضًا دون انتقال الفيروس من الشخص المصاب إلى غيره من الأفراد.

فإذا نجحت اللقاحات في منع انتقال العدوى، واحتفظت بفعاليتها في مواجهة السلالات الأحدث من الفيروس، فربما سيكون في الإمكان حينها القضاء على الفيروس في المناطق التي يتلقى فيها عددٌ كاف من الأشخاص التطعيمات، بحيث يمكن لهذه المناطق حماية الأشخاص الذين لم يحصلوا على التطعيمات، ما يسهم في نهاية المطاف في تكوين مناعة القطيع. فاللقاح الذي يتسم بفعالية تبلغ نسبتها 90% في الوقاية من نقل العدوى قد يُستلزم أن يصل إلى 55% على الأقل من السكان، من أجل تحقيق مناعة قطيع مؤقتة، طالما أن بعض تدابير التباعد الاجتماعي -مثل ارتداء كمامات الوجه، وعمل الكثيرين من المنزل- ستظل نافذة من أجل السيطرة على انتقال العدوى، وذلك وفقًا لنموذج3 طوّرته ألكسندرا هوجان من كلية إمبريال كوليدج لندن وزملاؤها. (وسيستلزم الأمر أن يصل اللقاح إلى 67% تقريبًا من السكان، من أجل تحقيق مناعة القطيع في حال رفع جميع تدابير التباعد الاجتماعي). أما إذا زاد معدل انتقال العدوى بسبب نشوء سلالة جديدة من الفيروس، أو إذا قَلّت فعالية اللقاح في الوقاية من انتقال العدوى عن نسبة 90%، فسيجب حينها أن تزيد الرقعة التي تغطيها التطعيمات، من أجل تخفيف حدة انتشار الفيروس.

وحتى تطعيم نسبة قوامها 55% من السكان سيكون محفوفًا بالتحديات في كثير من البلدان، إذ يقول جيفري شامان، الباحث المتخصص في الأمراض المعدية من جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك: "سيستمر انتشار الفيروس، إذا لم يتلق الأفراد في بعض مناطق العالم تطعيمات ضده".

وإذا استمر توطُّن الفيروس في كثير من مناطق العالم، فمن المرجح أن تُستأنف حركة السفر العالمية عندما ينخفض عدد حالات العدوى الشديدة إلى مستويات تستطيع خدمات الصحة مواكبتها، وعندما يجري تطعيم نسبة عالية من الأشخاص المعرضين للإصابة بالعدوى الشديدة، حسب ما ذكره كريستوفر داي.

هل تشبه فيروسات "سارف-كوف-2" فيروسات الإنفلونزا؟

تُعَد جائحة الإنفلونزا التي ضربت العالَم في عام 1918، وأودت بحياة أكثر من 50 مليون شخص، المعيار الذهبي الذي تُقارَن به شدة جميع الجوائح الأخرى. فقد أشعل شرارة هذه الجائحة نوع من الفيروسات، يُطلق عليه فيروس "الإنفلونزا أ"، وقد نشأ في الأصل لدى الطيور. وحالات الإصابة بهذا النوع من الإنفلونزا التي وقعت منذ ذاك الحين، وما تلاها من جائحات الإنفلونزا، نتجت جميعها تقريبًا عن سلالات منحدرة من ذاك الفيروس الذي ضرب العالَم في عام 1918، إذ تنتشر هذه السلالات حول العالم، وتصيب ملايين البشر كل عام. وتندلع جائحات فيروسات الإنفلونزا عندما يصيب أحد هذه الفيروسات مجموعة سكانية لم يسبق لها التعرُّض له. وبحلول الوقت الذي يصبح فيه الفيروس المسبب لإحدى جائحات الإنفلونزا موسميًّا، يكون عدد كبير من أفراد المجموعات السكانية التي يصيبها قد اكتسب قدرًا من المناعة لمقاومته، بيد أن الإنفلونزا الموسمية لا تزال تسبب قدرًا هائلًا من الخسائر سنويًّا، إذ تودي بحياة حوالي 650 ألف شخص سنويًّا.

ويعتقد جيسي بلوم، اختصاصي البيولوجيا التطوّرية من معهد فريد هتشينسون لبحوث السرطان في مدينة سياتل الأمريكية، أن فيروس كورونا الجديد ربما يسلك مسارًا مشابهًا؛ فيقول: "أرى حقًّا أن فيروس "سارس-كوف-2" سيصبح أقل خطورة، ويتحول إلى فيروس شبيه بفيروسات الإنفلونزا". وبالمِثل، يرى شامان وآخرون أن "سارس-كوف-2" يمكن أن ينتهي به المطاف إلى التحوُّل إلى فيروس موسمي يهاجمنا في فاشيات شتوية موسمية مثل فيروسات الإنفلونزا.

ويبدو أن فيروسات الإنفلونزا تتطوّر بسرعة أكبر كثيرًا من "سارس-كوف-"2، وهو ما يسمح لها بالتسلل والإفلات من دفاعات الجهاز المناعي. وهذه الخاصية هي السبب في أنه يجب تغيير تركيب لقاحات الإنفلونزا سنويًّا؛ وهو إجراء قد نكون في غنى عنه في حال فيروس "سارس-كوف-2".

ومع ذلك، قد يكون فيروس كورونا الجديد قادرًا على الإفلات من المناعة المكتسبة عن طريق العدوى، بل يمكن أيضًا أن يتغلب على اللقاحات. وقد أظهرت بالفعل دراسات مختبرية أن الأجسام المضادة المحيّدة للفيروس في دماء الأشخاص الذين سبقت إصابتهم بمرض "كوفيد-19" تقل قدرتها على التعرّف على سلالة من الفيروس، جرى اكتشافها لأول مرة في جنوب أفريقيا (يُطلق عليها "501Y.V2")، مقارنة بقدرتها على التعرُّف على السلالات التي انتشرت في وقت مبكر من الجائحة4. ولعل هذا يرجع إلى الطفرات التي طرأت على البروتين الشوكي في الفيروس، وهو المكوّن الذي تستهدفه اللقاحات. وتشير نتائج تجارب إلى أن هناك لقاحات ربما تقل فعاليتها في مقاومة سلالة "501Y.V2" عنها مع السلالات الأخرى، حتى إن بعض مبتكري اللقاحات يدرسون إعادة تصميم لقاحاتهم.

ومع ذلك، تقول لافين إن الجهاز المناعي يمتلك الكثير والكثير من الحيل الخفية، ويستطيع التصدي لخصائص عديدة لدى الفيروس، وليس البروتين الشوكي وحده. وتضيف قائلة: "من المرجح أن يضطر الفيروس إلى المرور بالكثير من الطفرات، كي يُفْقِد اللقاحات فعاليتها". كما تقول راسموسِن إن التجارب المعملية الأوليّة تشير بدورها إلى أن اللقاحات تستطيع حماية الأشخاص المصابين بالسلالة "501Y.V2" من الحالات الشديدة من المرض الذي تسببه السلالة.

ويذهب أكثر من 70% من الباحثين الذين أجابوا على استطلاع دورية Nature إلى الاعتقاد بأن هذا الإفلات من المناعة سيكون عاملًا آخر محفّزًا لاستمرار انتشار الفيروس (انظر الشكل "العوامل المحفّزة لانتشار الفيروس"). ولن تكون هذه سابقة لأحد فيروسات كورونا التي تصيب البشر؛ ففي دراسة5 لم تخضع بعد لمراجعة الأقران، أوضح بلوم وزملاؤه أن فيروس كورونا المتوطن من سلالة "229E" قد تطوّر إلى حد أن الأجسام المضادة المحيّدة له في دماء الأشخاص الذين أصيبوا بهذه السلالة الفيروسية، التي انتشرت في أواخر ثمانينات القرن العشرين وأوائل التسعينات منه، باتت أقل فعالية بكثير في مقاومة السلالات الأحدث. كما تتكرر إصابة الأشخاص بعدوى السلالة "229E" على مدار حياتهم. ومن هنا، يظن بلوم أن درء السلالات التي تطورت للإفلات من المناعة المكتسبة سابقًا ربما يكون أكثر صعوبة، بيد أن العلماء يجهلون ما إذا كانت حالات تكرار العدوى تلك ترتبط بأعراض أسوأ، أم لا. ويقول بلوم: "أتوقع أنه على مدار سنوات عديدة ستؤدي الطفرات المتراكمة التي تطرأ على فيروس "سارس-كوف-2" إلى القضاء تدريجيًا تمامًا على مناعة الأجسام المضادة المحيّدة له، كما شهدنا في حال فيروس "CoV-229E"، لكنني لا أستطيع أن أجزم قطعيًّا إلى أي مدى ستختلف معدلات الإصابة بفيروسي كورونا هذين عن بعضهما البعض".

ويعتقد بلوم أنه قد يلزم تحديث لقاحات فيروس "سارس-كوف-2"، ربما كل سنة، بيد أنه يرى أنه حتى مع وضع كهذا، من المرجح أن تؤدي المناعة المكتسبة -إما من تطعيم سابق، أو عن طريق العدوى- إلى تخفيف خطورة المرض. وتشير لافين إلى أنه حتى إذا تكررت إصابة الأشخاص بالعدوى، فلن تكون هذه مشكلة عويصة؛ فعلى غرار ما يحدث مع فيروسات كورونا المتوطنة، يبدو أن تكرار حالات الإصابة بالعدوى بشكل متواتر يعزّز المناعة ضد سلالات الفيروس، ولا يشعر المصابون عادة عندئذ سوى بأعراض طفيفة، لكن يرى شامان أنه من الوارد أيضًا ألا تقي اللقاحات بعض الأشخاص من الإصابة بأعراض شديدة، وفي تلك الحالة سيظل الفيروس يشكّل عبئًا على المجتمع.

شبيه لفيروس الحصبة

إذا نجحت لقاحات فيروس "سارس-كوف-2" في الوقاية من العدوى، ومنع انتقال المرض مدى الحياة، فربما يتحوّل الفيروس إلى ما يشبه فيروسات الحصبة. ويعلّق شامان على ذلك قائلًا: "لعل هذا السيناريو مستبعَد الحدوث، مقارنةً بالسيناريوهات الأخرى، لكنه لا يزال ممكنًا".

وفي حال لقاحات الحصبة بالغة الفاعلية، يحصل الشخص على جرعتين، وبعدها يصبح محصنًا مدى الحياة ضد فيروس الحصبة. من هنا، قُضي على هذا الفيروس في الكثير من المناطق حول العالم، بيد أنه قبل تطوير اللقاح المضاد له في عام 1963، فتكت موجات وباء الحصبة الكبرى بحوالي 2.6 مليون شخص سنويًّا، أغلبهم من الأطفال. وعلى عكس لقاحات الإنفلونزا، لم يلزم قط تحديث تطعيمات الحصبة، لأن الفيروس لم يتطوّر بعد بطرق تراوغ الجهاز المناعي.

ولا يزال داء الحصبة متوطنًا في أجزاء من العالم، لا تتوفر فيها التطعيمات المضادة له بصورة كافية. ففي عام 2018، أودت موجة تفش عالمية جديدة للداء بحياة أكثر من 140 ألف شخص. ويمكن أن يتكرر موقف مشابه مع فيروس "سارس-كوف-2"، إذا رفض الناس تلقي اللقاحات. وقد كشف استطلاع رأي شمل أكثر من 1600 مواطن أمريكي عن أن أكثر من ربعهم سيرفض قطعًا -أو غالبًا- تلقي لقاح "كوفيد-19"، حتى إذا كان مجانيًّا، وثبتت سلامته (انظر: go.nature.com/3a9b44s). وحول ذلك.. تقول راسموسِن: "سيتحدد مدى نجاحنا في التعامل مع هذه المشكلات بعدد الأشخاص الذين سيحصلون على اللقاح، وعدد مَن سيظلون معرضين للعدوى".

المستودعات الحيوانية

كما سيعتمد مستقبل فيروس "سارس-كوف-2" على ما إذا كان سيستوطن مجموعة من الحيوانات البرية، أم لا. فعدد من الأمراض التي جرت السيطرة عليها لا يزال قائمًا، بسبب أن حيوانات تشكل مستودعات لهذه الأمراض، مثل الحشرات، توفّر فرصًا للممْرِضات كي تنتقل إلى البشر مرة أخرى. ومن بين هذه الأمراض: الحمى الصفراء، والإيبولا، وفيروس شيكونجونيا.

ولعل فيروس "سارس-كوف-2" قد نشأ بادئ الأمرفي الخفافيش، لكنه ربما انتقل إلى البشر من خلال عائل وسيط. فالفيروس يستطيع بسهولة إصابة الكثير من الحيوانات، ومنها القطط، والأرانب، والقدّاد. كما أنه شديد العدوى بين حيوانات المنك، حتى إنّ الفاشيات الضخمة التي ضربت مزارع حيوانات المنك في الدنمارك وهولندا أدت إلى عمل تدابير للقضاء على أعداد غفيرة من هذه الحيوانات. وبالإضافة إلى ذلك، تنقَّل الفيروس بين حيوان المنك، والإنسان. ويقول أوسترهولم عن ذلك إن الفيروس إذا توطّن في مجموعة سكانية من الحيوانات البرية، وتمكّن من الانتقال مرة أخرى إلى البشر، فحينها ستكون السيطرة عليه بالغة الصعوبة. ويضيف قائلًا: "لم يختفِ مرضٌ ظهر في تاريخ البشرية من على وجه الأرض، إذا كان منشأه الحيواني جزءًا جوهريًّا من انتقاله إلى البشر، أو أدى دورًا في انتقاله بينهم".

وثمة تحديات تكتنف إمكانية توقع المسار الذي قد يتخذه فيروس "سارس-كوف-2 " كي يتحوّل إلى فيروس متوطّن، لكن لا تزال المجتمعات متمتعة بقدر من السيطرة عليه. وفي غضون عام أو عامين مقبلين، تستطيع البلدان خفض معدلات انتقال العدوى به بفرض تدابير السيطرة عليه، إلى أن يحصل عدد كافٍ من الناس على اللقاحات المضادة له، إما لتحقيق مناعة القطيع، أو لخفض شدّة حالات العدوى بشكل جذري. ويقول أوسترهولم إن هذا من شأنه أن يخفض عدد الوفيات وحالات الإصابة الشديدة بالفيروس على نحو ملموس. أما إذا تخلت البلدان عن الاستراتيجيات المُعَدّة لخفض انتشار العدوى، وتركت المجال للفيروس كي يفرض سيطرته دون تدابير وقائية، فحينها "ستبقى أحلك أيام الجائحة في انتظارنا"، كما يقول أوسترهولم.

اضف تعليق