بقلم: محمود العيسوي

لسنا على المسار الصحيح لتحقيق هدف "اتفاق باريس" بمنع ارتفاع حرارة الأرض بأكثر من 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، نتيجة ليست جديدة؛ إذ أعاد تأكيدها المشاركون في حلقة نقاشية جانبية على هامش الدورة الـ27 لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ (COP27)، التي اختتمت أعمالها في شرم الشيخ هذا الأسبوع.

الجلسة التي عقدتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، التابعة للأمم المتحدة، بعنوان "ماذا يعني تجاوز 1.5 درجة مئوية"، تناولت تقييمًا لمستويات الاحترار العالمي، على ضوء تقرير التقييم السادس لحالة المناخ (AR6)، مع اقتراح سيناريوهات للاستجابات المناخية، بما تتضمنه من جهود للتخفيف من حدة التغيرات المناخية، أو التكيُّف مع تداعياتها.

ويتوقع التقييم السادس لحالة المناخ أنه وفقًا لمعدلات انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الحالية، يمكن أن ترتفع درجة الحرارة بمقدار 4.4 درجات مئوية بحلول نهاية القرن، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة لخفض الانبعاثات بنسبة 7.6% سنويًّا حتى عام 2030، لمنع ارتفاع درجة الحرارة بأكثر من 1.5 درجة، وبنسبة 2.7% سنويًّا للحفاظ على معدل الارتفاع أقل من درجتين مئويتين.

وعرض خبراء من مجموعات العمل الثلاث بالهيئة الحكومية الدولية نتائج التقارير الفرعية الخاصة بكل لجنة، والتي تكوِّن مجتمعةً التقرير التجميعي السادس؛ إذ تُعنى المجموعة الأولى بإعداد التقييم العلمي لتغير المناخ، أما المجموعة الثانية فتعمل على تقييم تأثيرات التغيرات المناخية وكيفية التكيُّف معها، في حين تعكف المجموعة الثالثة على آليات تخفيف الانبعاثات.

وكشفت ورقة بحثية مقدمة من آنا بيراني، رئيس مجموعة العمل الأولى في الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ، بالإضافة إلى باحثين آخرين، أن درجة حرارة الأرض بدأت في الارتفاع على نحوٍ متسارع في النصف الثاني من القرن الماضي، مشيرةً إلى أن "مستوى الاحترار العالمي بلغ أكثر من 1.1 درجة مئوية، وأصبح يقترب من الحد الأعلى لتجنُّب أسوأ تداعيات محتملة لتغيُّر المناخ".

وحذر مؤلفو الورقة البحثية من أن الاحترار العالمي سيتجاوز 1.5 درجة مئوية خلال القرن الـ21، ما لم تُتَّخذ إجراءات عاجلة لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وغيره من غازات الاحتباس الحراري بشكل كبير خلال العقود المقبلة، ووفق أفضل التقديرات، فإنه من المتوقع أن يلامس الارتفاع في حرارة الأرض سقف 1.5 درجة قبل حلول عام 2040.

وأشار جان فوغلستفدت -الباحث في مركز دراسات البيئة والمناخ في أوسلو- إلى أن الفترة بين عامي 2015 و2019 كانت أكثر 5 سنوات دفئًا على الإطلاق، وأن السنوات العشر بين 2010 و2019 كانت أكثر العقود دفئًا، كما أن حرارة الأرض بدأت ترتفع على نحوٍ متسارع منذ عام 1970، وعلى مدار الـ50 سنة التالية، مقارنةً بأي فترة أخرى على مدار أكثر من 2000 سنة.

من جهته، قال آندي ريساينجر -نائب رئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ- في تصريحات لـ"للعلم": يسلط التقرير السادس الضوء على عدد من التأثيرات الناجمة عن ارتفاع حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة، مقارنةً بدرجتين أو أكثر، وعلى سبيل المثال، فإن مستوى ارتفاع سطح البحر سيكون أقل بمقدار 10 سنتيمترات في حالة ارتفاع الحرارة بمقدار 1.5 درجة، مقارنةً بمستوى درجتين مئويتين، بحلول عام 2100.

وبالنسبة لذوبان الجليد في المحيط المتجمد الشمالي، فإنه من المتوقع -وفق التقرير- أن يخلو المحيط القطبي من الجليد البحري خلال فصل الصيف مرةً واحدةً في كل قرن، وذلك في حالة ارتفاع حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة، أما إذا ما ارتفعت الحرارة بمقدار درجتين أو أكثر، فإن معدل تكرار ذوبان الجليد في المحيط الشمالي سيكون مرةً واحدةً على الأقل كل 10 سنوات.

واعتبر "ريساينجر" أن النتائج ستكون "كارثية" بالنسبة لمستعمرات الشعاب المرجانية؛ إذ ترجح سيناريوهات وضعها خبراء الهيئة الحكومية الدولية أنه مع ارتفاع حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية، فإن المستعمرات المرجانية قد تفقد ما بين 70% و90% من مكوناتها، أما في حالة ارتفاع الحرارة بدرجتين أو أكثر، فإن جميع المرجانيات، أو 99% على الأقل منها، ستتعرض للتدهور.

واختتم "ريساينجر" تصريحاته لـ"للعلم" قائلًا: إن ارتفاع حرارة الأرض بأكثر من 1.5 درجة فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، من شأنه أن يتسبَّب في انتشار العديد من الأمراض المرتبطة بالحرارة، ويجعل ظروف العمل في الأماكن المفتوحة أكثر صعوبة، كما يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع معدلات حرائق الغابات واتساع نطاقها على نحوٍ يهدد المناطق المأهولة بصورة متزايدة.

اضف تعليق