بين الفينة والاخرى يجد الانسان نفسه مضطراً للذهاب الى مركز تسوق لاقتناء حاجات مهمة كملبس او عطور او غذاء بأشكاله المختلفة او اثاث منزلي او غيرها من الاشياء التي تبقيه على قيد الحياة مع اتصاف منظره وبيته التي يعيشها بالمقبولية، لكن الافراط في التسوق بطريقة تفوق الحاجة الفعلية يشير الى خلل معين يدفع الاشخاص الى الشراء تدفعهم هواجسهم المرضية التي تمثل السبب الرئيس له، وقال الطبيب النفسي في جامعة هانوفر الطبية في ألمانيا، الدكتور أستريد مولر "لقد حان الوقت حقاً للاعتراف بإدمان التسوق كمرض عقلي، وإجراء المزيد من الدراسات في كيفية التصدي له وعلاجه".

ظاهرة (أونيومانيا) كما اسماها (يميل كريبلين) وهو من أبرز علماء الطب النفسي وأبو التصنيف المعاصر للأمراض العقلية والنفسية، او وما تعرف بإدمان التسوق او التسوق القهري وجميع هذه المصلحات تدل على عدم السيطرة على رغبة الانسان بالشراء بشكل يومي او شبه يومي لحاجات ضرورية واخرى غير ضرورية بدوافع نفسية مرضية، وقد شخص هذا الاضطراب قبل اكثر من 100عام قبل الان لكن تم تجاهله لاقتصاره على عدد قليل من الناس آنذاك ولم يكن مثل ما نراه اليوم منتشر على نطاق واسع في معظم بلدان العالم سيما بين النساء، ففي دراسة نفسية نشرت في الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية قالت ان الاضطراب يوجد بنسبة تفوق 5.8 % في اغلب بلدان العالم وتشكل نسبة الإناث منهم حوالي 80%..

من العلامات التي تتولد في سلوكيات الاشخاص اللذين يقبعون تحت سيطرة هذه الظاهرة هو الشراء بالسر لكي لا يتعرضوا لانتقاد من حولهم، او الاتجاه نحو التسوق الالكتروني الذي بات يمثل وجهاً اخر لأوجه التسوق الذي ساهم في انتشار هذه الظاهرة وتطورها، كما يشعر الضحايا بالارتياح والنشوة والاثارة عند الشراء وهو ما يضيف معاني جميلة الى حياتهم ويجعلهم يمتعون بمستوى سعادة ينسيهم الكثير من الخبرات المؤلمة التي تلقوها في اوقات معينة من حياتهم حسب وجهات نظرهم، ينعكس الامر حين لا يتمكنون من الشراء بسبب المعارضة التي يلاقونها اصابتهم بالكأبة والحزن ويعتبرون ذلك مصادرة لرغباتهم المشروعة التي ليس لاحد الحق في التدخل فيها او منعها.

من عواقب الظاهرة وقوع الشخص تحت ضغط شديد حينما يعجز عن الشراء تحت أي طائل كان، كما قد يحدث صدام بين الازواج نتيجة لإصابة احدهما بهذا الاضطراب، او قد يلجئ الفرد الى الاقتراض وتحمل الخسائر الناتجة عن الفوائد المفروضة على تلك القروض مما يسهم في اعباء مالية كبيرة ادت بأصحابها الى الزج في السجون او الهروب خارج البلاد او الانتحار، وقد تلجئ بعض النساء الى السرقة من زوجها او اجباره على توفير كل ما تطلبه بغض عن مستوى دخله او نوع العمل الذي يعمله فكل هذه الجزئيات ليست مهمة بالنسبة لها بقدر ما يهمها اشباع رغبتها الجامحة في الشراء، بالتالي قد يصل الحال الى وضع لا يحتمل مما يهدد العلاقات بالانفصال او استمرار الصدام العائلي.

وبما اننا شخصنا المشكلة وحددنا اضرارها فلابد من الاشارة الى اسبابها التي في معظمها نفسية، ويأتي الحرمان الذي يعيشه الانسان في طفولته سبباً من الاسباب التي تقوده الى الافراط في التسوق وهي الية دفاع لاشعورية يلجئ اليها لتعويض ذلك الحرمان، كما يذهب الكثير من الاشخاص للتسوق للهرب من المشاعر السلبية التي واجهته في واقعه كوسيلة للتخفيف من الالم، وربما يسعى مدمنو التسوق من خلال افراطهم الى تغطية الفراغ الفكري الداخلي فهم يعتقدون ان المنظر الانيق والمظاهر البراقة تغطي على بعض هنات الانسان وتزين مكامن ضعفه، كما ان بعض الاشخاص اعتادوا التسوق لملئ الوقت الفائض لديهم فهم يذهبون الى المتاجر بقصد سد الفراغ ولا ينفكون حتى يجدون انفسهم قد اقتنوا هذه السلعة او تلك، وتمثل مجاميع العمل او الصداقات خاصة عند النساء عامل اخر في تفشي هذا الاضطراب حيث تشجع احدهن الاخرى على الشراء او تدفع غيرة احدهن من الاخرى للشراء للتعبير عن قدرتها على التسوق افضل الماركات واغلاها اثماناً وليس هي وحدها من تستطيع ذلك.

للتعافي من هذا المرض ثمة ارشادات ينبغي ان تتبع وهي: تحديد الاولويات للأشياء التي نحتاجها فما يوجد لدينا لا داعي لتكراره، ولان احد اسباب ادمان التسوق هو تخفيف الضغوط النفسية والشعور بالراحة فالأحرى ان نستبدل هذه الطريقة بطرق ووسائل اخرى مثل ممارسة الرياضة او مشاهدة التلفاز او قراءة الكتب لاستثمار الوقت وقتل الفراغ الذي يعانيه الانسان، ومن الحلول ايضاً عدم الذهاب الى مراكز التسوق التي تجذبه وتحفزه على الشراء الا عند الضرورة، وحري بأولياء الامور ان يغرسوا في المصابين بهذه الظاهرة قيمة البساطة بدلاً عن القناعة الراسخة في اذهانهم بأن الملابس وسواها من المظاهر الخارجية هي من تعطي قيمة للإنسان، فقيمة الإنسان برجاحة عقله وسلامة فكره وما يملك من علم وادب وليس هذه الشكليات الزائفة، كما ينبغي ان نزرع فيهم ان كل فائض عن الحاجة فيه اشكال شرعي باعتباره تبذير محرم، بهذه المعالجات يمكن ان نحد ولو بقدر معين من اضطراب التسوق الذي بات يمثل ثقلاً اقتصادياً ً مجهداً للإنسان.

انقر لاضافة تعليق