آراء وافكار - مقالات الكتاب

اوقفوا الحقد

مرة اخرى هزت العاصمة الفرنسية تفجيرات اختيرت بعناية من حيث زمانها واماكنها، العالم المشاهد لكل اشكال العنف التي خيمت على العالم خاصة الشرق الاوسط، فقد كان حدثا جسيماً لا بد ان يقف كل انسان يشعر بالإنسانية ويتعاطف معها وقفة حزن وصمت والم.

التعاطف مع الضحايا ومع باريس بل مع كل بلد يتعرض للإرهاب الممنهج من شيم الانسان والانسانية ومن رحمة ومحبة البشر بعضها مع بعض، بإزاء ذلك ايضا على كل ذي ضمير ووجدان ان يبدي تعاطفه مع البلاد التي تعشعش فيها الارهاب مدة مديدة بمرأى من الدول الكبار ومن دون ارادة جدية للملمة الوضع، بلاد مثل العراق واليمن وسوريا ولبنان ونيجيريا والسودان ومصر وافغانستان وغيرها، والتي يخطف الارهاب يوميا الكثير من عقولها وكفاءاتها واحساسها وضميرها وطفولتها وشرفها وكرامتها، فضلا عن ابدانها وارواحها.

لا اقصد من خلال هذه السطور التحليل للحدث ففضلا عن اننا سئمنا التحاليل المتطايرة من شرق وغرب بإزاء كل حدث لتبقى الحقيقة ضائعة تحت ركام مئات المقالات، بل لان التحليل لا يجدي لمن تنقصه المعلومات التي لا تظهر اطلاقا للعلن بل تبقى في اروقة اجهزة الاستخبارات العالمية، وان التحليل عاجز عن ارائة الحلول التي بإمكانها ان ترجع المتحكمين بأزمّة الامور الى رشدهم وصوابهم.

وليس قصدي من هذه السطور ايضا التفلسف والتوغل في الظواهر الاجتماعية ومناشئها ومبادئها والغور في مصطلحات وافكار، فذلك شأنه شأن آخر.

وانما هدفي من كتابة هذه المقالة هو قراءة اجتماعية شخصية ومشاهدة وجدانية للحالة التي بدأت تتولد في بعض الناس المتعرض بلادها للإرهاب بلا رحمة ومنذ امد بعيد، حيث انني أرى في نفوس تلك البلاد حقدا خفيا في تصاعد هرمي بسرعة الضوء، خاصة في نفوس البلاد التي تتعرض للكم الكبير من الارهاب، حقدا مريرا تجاه شعوب ودول البلاد الاخرى التي ترفع شعارات من هنا وهناك للسلم العالمي وحقوق الانسان، لكنها تقف وراء الارهاب بصورة مقصودة ام غير مقصودة.

هذا الحقد المتولد والمتنامي خطير جداً على مستقبل البشر، يبدأ من حالة الرضا النفسي بتعرض تلك البلاد الى تفجيرات وارهاب، ولا يعلم الى ماذا ينتهي وبماذا، لأنه يتحول شيئا فشيئا الى جزء لا يفارق قلب الانسان وذهنه، ما يشكل خطرا على نفس الحاقدين وعلى المحقود عليهم، لان هذا الحقد يستولي على كيانه كله فيفقد الاتزان والتعقل والحكمة وبالتالي انسانيته وكفائته التي من المفروض ان يهبها للبشرية، وعلى المحقود عليهم لانهم مثلنا بشر وانسان، ليس الذنب ذنبهم ان كانت حكوماتهم تسير في مسار مختلف.

الاسلام يدعو الى الرحمة ويدعوالى احترام الانسان ايا كان مذهبه ودينه، وينبذ كل اشكال العنف حتى العنف القلبي من الحسد والغل والحقد، فهي امراض تفتك بالبشرية كلها، تبدا صغيرة غير مرئية لتتحول الى غول يصعب التحكم بقراراته ومسيره واهدافه...

رسالتي الى كل الدول الغربية المعنية بشأن الشرق الاوسط، ان اوقفوا هذا الحقد، واوقفوا نموه في الحال قبل ان يصعب اجتثاثه من نفوس الامة والشعوب، اوقفوها بإيقاف الحروب بكل اشكالها من حروب النفوذ الى حروب بالوكالة، اوقفوها بسد منافذ الارهاب بكل اشكاله، اوقفوها بتجفيف منابعه وبتأديب الدول التي ترعي الارهاب وتدعمه، فقد سئمنا رائحة الدم، وسئمنا الارهاب حتى من لفظه، وسئمنا من المساومات على الضحايا والجثث، وسئمنا وسئمنا....

ولعل من يأتي بعد قرون يطلع على مجريات احداث قرننا الحالي والذي شهد ذروته في التطور العلمي والتكنولوجي، لا يسعه الا ان يساوي بين حقبتنا هذه وبين حقبة انسان الغابة، الانسان قبل التطور العلمي والعملي...

فأية فائدة من هذا التطور اذا كان يسير بالبشرية نحو الهاوية، ونحو مزيد من سفك الدماء، والمتاجرة بالضحايا...

واية فائدة من هذا التطور اذا كنا نشاهد ان الانسانية في ضمور، وان القيم العقلية والدينية في اضمحلال...

واية فائدة من ذلك اذا لم تتمكن من جمع البشر على مائدة الوفاق والسلم والود والاحترام والكرامة...

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق