على خلاف العادة الأحزاب السياسية العراقية وجدت لخلق الازمات وليس لتكون جزء من حلها، وحين تختفي ازمة من الوجود تشرع بخلق أخرى، كأن من وضعتهم المرحلة بهذه المكانة لا يفقهون الا بمسألة إيجاد الفوضى وعدم الاستقرار وقد تحول مفهوم السياسة لديهم من فن الى إدارة صراع.

وبذلك يُفيدنا ما ترك لنا الإرث المعرفي وفي الحقيبة الافلاطونية على وجه التحديد، والتي نجد معنى واضح للسياسة فيها، فهي عنده فعل من أفعال القوة العاقلة وليس القوة الغضبية، وهذه الخصية بالتحديد، أي (الغضب)، هي صفة من صفات الجند في الحرب، فكيف استعار الساسة من الجند هذه المزية التي يجب ان تُفعل وتستخدم اثناء الحروب ولا في الجوانب السلمية المراد فيها تسيير الأمور.

الأحزاب السياسية في العراق أصبحت لديها حرفة لا تجيد غيرها، وهي تزوير المعنى الحقيقي للممارسة السياسية، وعطلت جميع المهام التي اوكلت الى الحزب السياسي، ففي السياقات المعروفة لدى الجميع ان الأحزاب تقع عليها مسؤولية حلحلة الازمات وليس اختلاقاها كما يحدث الآن، فبعد ان كان المواطن يأمل عبرها تحقيق هدف من أهدافه، تحولت الى مشكلة حقيقية ورئيسية في البلاد.

والسياسة من هذا النوع لا يقتصر وجودها على العراق فحسب، وقد جاء لوضعه مثالا للتعبير عن حجم الكوارث لاتي تمارسها الأحزاب بجميع البلدان في حقوق مواطنيها، حتى تحولت الأحزاب برمتها من عنصر بناء لكيان الدولة الى معول هدم تضرب عمق المؤسسات المادية والمعنوية.

اليك عزيزي القارئ بعض الأمثلة على الخراب والدمار الذي سببته الأحزاب السياسية العراقية، ففي السابق كانت العملية الديمقراطية بمفهومها العام، تحظى بأهمية ومكانة خاصة بصفتها نظام حكم لديه مقبولية للخروج النسبي من الازمات المتلاحقة، بينما اليوم وبفعل الأحزاب، هُدت قواعد هذا النظام وطفت مطالبات بالتخلي عنه والعودة الى النظام الرئاسي او الشبه رئاسي.

ولم يكن القضاء العراقي المعروف برصانته وقوته مقارنة بالقوانين في الدول المحيطة بالبلد واقصد العربية منها على حاله، انظر كيف تشوهت صورته لا سيما في الآونة الأخيرة، فلو نزلت الى الشارع وحاولت التعرف على ما تبقى من مكانة القضاء في نفوس العامة ستجد الإجابة الاغلب انه قضاء مسيس وغير نزيه.

القضاء لم يكن هكذا قبل انزلاقه في الحرب الباردة او استخدامه كأداة من أدوات الصراع بين الأحزاب السياسية المتشبثة بالسلطة، وبالنتيجة تشضت هيبته وذهب بريقها مع استمرار عجلة الخلافات بالدوران، ولا سبيل للخروج من تحت يافطتها بعد تغلغلها وبات لابد من مشاركتها في الفعاليات السياسية داخل البلد وخراجه.

الأوضاع المرتبكة التي يعيشها العراق كانت أكثر هدوء لولا تزمت الأحزاب السياسية بأفكارها الضيقة الراغبة بمزيد من الامتيازات رغم انها أنهكت المقدرات العامة للدولة، فلا يوجد لهذه الأحزاب بناء مكتمل الأركان يشق طريقا راقيا نحو ديمقراطية جديدة قوامها مؤسس على التشاركية لتمتين أواصره بحبل المشاركة الهادفة والفعالة في تدبير الشأن العام.

وبذلك أصبح من الضروريات في المرحلة القادمة ان تركن الأحزاب المتنفذة بالسلطة جانبا كبيرا من أولوياتها الشخصية التي تتضارب والمصلحة العامة والمبادئ التي جاءت بموجبها لتمارس عملها السياسي، اذ لا يمكن لدولة ان تتطور وتنهض وفي جوفها هذا الكم من الأحزاب المتناحرة حول السلطة، وتركها دون تأطير حقيقي لعملها لتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية وضمان لحقوق الأغلبية.

فالتأطير لا يعني بالضرورة منع هذه الأحزاب من تأدية وظائفها التي من المفترض ان تصب بمصلحة المواطن وضمان سير العملية السياسية واستقرارها، اذ ينعكس أداء الأحزاب بشقيه الإيجابي والسلبي على نوعية الحياة السياسية القائمة في البلد، وعلى مستوى التطور الديمقراطي وفاعلية النظام الذي يُعد انعكاسا للنظام الحزبي السائد في الدولة.

وتختلف أحزاب الغد عن أحزاب اليوم، وتحديدا بعد تغير نظام الحكم العام، أصبحت التعددية الحزبية من السمات الواضحة، بعد ان كان الحزب الأوحد هو من يتحكم بالساحة، والحين أضحت، (الأحزاب)، الركيزة القوية والمنظمة للربط بين القمة والقاعدة وكمحطة اتصال لازمة بين المواطنين والسلطة.

الوصول الى رفاهية ونيل الافراد لحقوقهم الأساسية وضمانها سيبقى مرهون بوعي الأحزاب السياسية والابتعاد عن دوامة الصراع المتجذر في الذرات الأولى لتكوينها، والخروج بالأفراد الى واحة الخدمات والنعيم المطلوب لاستمرار عجلة الحياة وتفادي الأوقات العصيبة التي خلفت مواطنا مهزوزا لا يعرف اين يجد ضالته.

اضف تعليق