يحدث في العراق فقط ان يجلس الافراد ويفتحون باب الذكريات؛ لتدخل منها دفعات من الاحداث المثيرة والحزينة، المفرحة والمبكية في الوقت نفسه، يتألمون ويتأملون الخير في جلسة واحدة، ويبقون مع كل ذلك يبثون رسائل إيجابية الى العالم رغم الذي يدور في بلدهم وكيف تجري الحياة بمصاعبها ومتاعبها.

في بلد مثل العراق لو جلست وحدك، ستقلب الأمور يمنيا وشمالا، وستجد نفسك غارق في بحر من الهموم والأفكار السوداوية، تلقي بجسدك المتعب على الاريكة البالية، تودع الأفكار المزعجة وتحاول التفكير بأخرى أكثر إيجابية، نعم هكذا هو الحال بالنسبة للفرد العراقي، لا يوجد ما يشغله عن همومه الا الهموم الأخرى، ولا يجد حديثا مغايرا سوى الانتقال الى معضلة ثانية كان يخشى الاقتراب منها.

في العراق وربما البلد الوحيد الذي يتفرد بهذه الخصلة، تجود عليك الأيام بكم هائل من الآلام، ومع كل ذلك يبقى الامل معقود، ولا يعرف الفرد الاعتكاف عن العمل والبحث عن الشغل في أكثر من مدينة او حارة ومزاولة أكثر من مهنة وصنعة، وهنا يطفوا الى السطح عدد من الأسئلة، ونكتفي بالاهم، ما هو السر وراء استمرار الحياة بهذه الشاكلة رغم كل ما مر ويمر على العراقيين من ويلات وآهات؟

بالتأكيد ستتباين الإجابات وتختلف باختلاف التوجهات، ويبقى الشيء الوحيد والأكيد هو انه شعب يحب الحياة، ولا يخضع يوما للأجندات والمؤامرات التي تريد القضاء على البهجة والسعادة المركونة في نفوس الافراد بنسب متفاوتة، ففي العراق رغم الاوجاع تجد البسمة عامرة والضحكة صاخبة، وكل ذلك ربما لأنه شعب لا يعرف اليأس ولا يؤمن بالملل، ولا يحب الكلل مهما رافقته الهموم والعلل.

لقد علّم الانسان العراقي العالم دروس في التحمل والصبر، في القدرة على تجاوز المحن مهما بلغت وكثرت، فهو دائما ما يكرر مقولة لا يمكن ان انحني او انثني، لديّ من الطاقة والعزيمة ما يجعلني دائم الحياة والعطاء، متواصل الابداع والتقدم، محب للخير والبذل، فلا يمكن ان يحدني حد في الكرم والشجاعة والمروءة، واستقبال الضيف واكرامه.

بلاد الرافدين من البلدان القليلة التي انهكتها الحروب الاهلية والسياسات الجائرة، وتآمرت عليها قوى الداخل والخارج، وسعت الى تدميرها ايد خفية ومعلنة، ومع كل هذا الألم والخراب الذي طال البنيان قبل الانسان، بقيت الافراد تدرس وتتعلم وتصحح الأخطاء التي وقعت بها وكلفتها المزيد من الخسائر المادية والمعنوية.

فهم لا يزالون يبكون ويضحكون في الآن، يتزاورون ويتعايشون مع المشاكل الفردية والاجتماعية، ويخرجون للمتنزهات والمقاهي والمطاعم، فارضين نفسهم، ومتحدين أوضاعهم الفريدة، لا يوجد بين البلدان من يمتلك مثل العراق موقعا وثروة كثروته وفي المقابل يعيش كما البلدان المعتمدة على المانحين او الدول الرؤوفة، ففي العراق خيرات لا تقدر بقدر ولا يمكن ان نضع لها وعاء ليحتويها.

في العراق فقط السياسي لا يخدم أبناء جلدته ولا يهمه غير ان يملأ جيبه، وذهب جراء ذلك الأسلوب الملتوي الكثير من الامنيات وتحطمت نفوس ملايين من البشر، وليس لسبب مقبول او معقول، بل لأسباب من بينها التغول الحزبي وسيطرة الاطماع الفردية على حساب الخدمة الاجتماعية.

وفي العراق فقط عندما تنتهي وظيفة الشخصية السياسية يحول الى وظيفة أخرى ومكان ربما أفضل بكثير من الموقع الأول، ويبقى التدوير الوزاري والوظيفي قائم لا ينتهي وأصبح من الأسباب الرئيسية وراء تراجع العمل المؤسساتي في عموم البلاد.

وربما في العراق حصرا المقصر لا يحاسب والكفوء يعاقب، وبعد ذلك تبدأ رحلته في الدوائر الحكومية وكأنه كُتب عليه ان يكون نزيها وسيدفع فاتورة هذه النزاهة طيلة حياته الوظيفية، بينما المهمل وغير المخلص يتمتع بمكانة مرموقة في جميع الدوائر، ويعود ذلك لوجود من يقف خلف ظهره ويمنع توجيه أي عقوبة اليه من قبل الجهات العليا او من مسؤوله المباشر.

لو نريد الحديث عن الرسائل التي يتضمنها العراق ربما نحتاج الى ملفات وملفات لا يمكن حصرها بهذه السرعة، وفضلنا استقطاع جزء من الحالات النادرة بشقيها الإيجابي والسلبي لإيضاح المشهد العراقي الذي يحمل العديد من التناقضات والتصورات المغلوطة لدى الكثير، فلعلنا وفقنا في توضيح بعض الصور التي لم تتضح لدى العديد من الافراد البعيدين في رؤيتهم عن الزوايا المطروحة.

اضف تعليق