مرة اخرى يعود رئيس الحكومة البريطاني بوريس جونسون وهو يحمل بحقيبته موافقة الاتحاد الاوربي، حيث جرت مفاوضات طويلة تم التوصل بعدها الى اتفاق جديد بين لندن وبروكسل بشأن الانسحاب البريطاني من الاتحاد.

دول الاتحاد بدورها صادقت على الاتفاق واصدرت قرارها حول ادخال القانون حيز التنفيذ مطلع الشهر المقبل شريطة ان يتم التصويت عليه من قبل البرلمان البريطاني.

فموجب الاتفاق الجديد الذي توصلا اليه الطرفين فان ايرلندا الشمالية ستظل تعمل بمجموعة من قواعد الاتحاد الاوربي خاصة ما يرتبط منها بحركة البضائع، اذ ستبقى في إطار الحدود الكمركية لبريطانيا ولكنها سوف تبقى نقطة دخول الى السوق الواحدة للاتحاد الاوربي.

وكذلك شدد الاتفاق على اهمية الحفاظ على تكامل السوق الواحدة مع تلبية رغبات بريطانيا المشروعة بشأن ضريبة المبيعات، الى جانب اعطاء الفرصة لممثلي ايرلندا الشمالية باتخاذ القرار بشأن مواصلة تطبيق قواعد الاتحاد الاوربي في بلادهم او عدم تطبيقها كل أربع سنوات.

يمكن ان يكون الاتفاق قد أنهى حفلة التفاؤل والتصريحات الايجابية التي ادلى بيها مختلف المسؤولين الاوربيين، حول التوصل لاتفاق جديد بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي، لكن في الحقيقة ان الاتفاق لم يأتي بجديد بل هو ذات القديم الذي تقدمت به تريزا مي ورفض من قبل مجلس العموم البريطاني.

تمشايا مع الاحداث فنهالك اجواء ايجابية سادت في المنطقة القت بظلالها على تداول العملات البريطانية والاوربية، وهذا ما بان في تصريحات رؤساء الدول الاوربية التي برهنت مدى رغبتهم في التخلص من الملف الذي طال انتظاره والتباحث بشأنه، لكنهم ارادوا من تمرير هذا الاتفاق وضع الكرة في ملعب البريطانيين، وكذلك يمكن القول انهم حجموا واوقفوا طموحات جونسون الذي هدد بصوت مرتفع ولغة جافة بان بريطانيا سوف تخرج من الاتحاد باتفاق او من دونه، وعمل من اجل ذلك تحركات داخليه ليكون الواحد والثلاثين من اكتوبر هو آخر يوم لبريطانيا ضمن منظومة الاتحاد الاوربي.

فبعد تمرير الاتفاق في الاتحاد الاوربي انتقلت المعركة الى لندن وتحديدا في مجلس العموم البريطاني والتصويت المرتقب فيما إذا حقق حلم جونسون او تبوء جميع احتمالاته ومحاولاته بالفشل، خصوصا وان جونسون لا يتمتع بأغلبية مرتاحة في المجلس ومن الممكن ان يتسبب ذلك في صدمة او خيبة امل كبيرتين.

لو قمنا بنظرة تشريحية لمضمون الاتفاق السابق نجده يشابه القديم بنسبة كبيرة لاسيما ما يتعلق بحقوق الأوربيين وغيرها من الجوانب، لكن ثمة اختلاف جوهري هو مسألة شبكة الامان التي صمتت في الاتفاق السابق لمنع عودة الحدود الصلبة في جمهورية ايرلندا التي هي جزء من الاتحاد الاوربي وايرلندا الشمالية التابعة لبريطانيا، اذ عمل جونسون على اسقاطها وبالفعل تم ذلك.

من الناحية القانونية استطاع جونسون ان ينتزع الاقتناع الاوربي بأن تبقى ايرلندا تابعة كمركيا لبريطانيا، لكن الواقع يقول غير ذلك كون ايرلندا تعتبر المنفذ الوحيد الذي من خلاله يمكن الدخول للمنطقة الكمركية الاوربية وهذا ما يفسر سر اعتراض الحزب الوحدوي الديمقراطي معتبرا ذلك انتقاص للسيادة البريطانية وخرقا لدستورها الذي يمنع تقسيم بريطانيا.

وهذا الرفض بالتأكيد له تأثيرات واضحة، في الوقت الذي يتمتع به الحزب بعشرة مقاعد في مجلس العموم البريطاني اي التمتع بأغلبية ربما كان جونسون يعول عليها كثيرا في تمرير ما وصفه باهم صفقة لبريطانيا.

امام جونسون فرصة كبيرة لتنفيذ مساعيه واخراج بريطانيا من الاتحاد الاوربي، في حال وقوف البرلمان معه وعدم تركه وحيدا يغرق في بحر الاتحاد الذي قال قولته ووضع النقاط على الحروف وابعد الامر الى حد ما عنه.

التحدي الذي يواجه جونسون في الوقت الراهن اكبر بكثير مما واجهته سابقته تريزا مي، فهو لايملك العصى السحرية، وعلى ما يبدوا ووفق التصريحات المتكررة لمسؤلين بريطانيين قد يتعثر مجلس العموم في تمرير تلك الصفقة ويجبر جونسون على العودة الى ادراج حكومته بخفي حنين، كذلك يمكن ان تحدث انقسامات داخلية بين بعض الاحزاب كحزب المحافظين مثلا.

ونتيجة اصرار جونسون على الانفصال جاءت تصريحات رئيس المجلس الاوربي تكسوها نبرة الحزن جراء مضي لندن المسير بهذا الاتجاه، وهذه اللغة لها استدلالات من بينها وجود امكانية العودة لأجراء استفتاء ثاني يمكن ان تكون نتائجه البقاء ضمن المنظومة الاوربية، فضلا عن ترك الاتحاد الباب مفتوحا امام بريطانيا للعودة الى عباءته في حال تم الخروج فعليا.

وفق تلك التجاذبات وحالة عدم الاستقرار الذي تمر به بريطانيا، فهي تعيش وسط رغبة جامحة لجونسون في سبيل تمرير حلمه وحلم من يقف خلفه، يقابل ذلك اعتراض برلماني سابق وقد يتجدد في الوقت اللاحق، يبقى الخيار المفتوح هو اعطاء الفرصة مرة اخرى للشعب لكي يقول قوله في القضية التي كثرت بها القائلات واختلفت الوجهات، او اللجوء الى خيار تأجيل حسم الموضوع الى شهرين او اكثر من ذلك بقليل.

انقر لاضافة تعليق