في الوهلة الاولى بُررت زيارة رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري الى امريكا لاغراض خاصة او قد تسمى عائلية ذلك لمتابعة دخول ابنته الجامعة الامريكية، لكن هذا التبرير لم يصمد طويلا امام ما قام به الحريري من عقد لقاءات مع مسؤولين رفيعي المستوى في الادارة الامريكية.

الزيارة جاءت في الوقت الذي اعادت الولايات المتحدة تشديدها العقوبات على حزب الله من اجل اضعاف نفوذه، فهي ترى ان سياسية الحريري وخوفه من المواجهة المباشرة مع حزب الله هي من اوصلته الى هذه النقطة وجعلته من القوى الفاعلة.

امريكا ترى ان الحريري لم ينفذ طلباتها الاخيرة وهي وهي عدم تسليم وزارة الصحة لحزب الله، في المقابل فشله الواضح من وجهة نظرهم في قطع الطريق بوجههم وانهاء شراهتم في الحصول على الاماكن الحساسة والتحكم بمجريات الامور لاسيما الامنية منها.

ولعبت الادارة لامريكية على وتر العاطفة في تعاملها مع رئيس الحكومة واضعة مقتل ابيه امام عينه، وهو ما دفعهم الى وضع جميع هذا المطالب بوجه والتي من بينها اعادة ترسيم الحدود مع اسرائيل، ويمثل الحريري الحليف الحتمي للامريكيين الذين يعولون عليه في تقليل سلطة الحزب في اغلب المدن اللبنانية.

الحريري وخلال زيارته لم يرسم هدفا سياسيا محددا، لكن المتفحص قليلا يجد ان الزيارة حملت بين جنباتها العديد من المحاور من اهمها ما يتعلق بترسيم الحدود مع الجانب الاسرائيلي والاسهام في تقليل الضغوط الاقتصادية.

الزيارة ربما تكون ودية الى حد ما في ظل تصاعد النبرة الامريكية ضد ايران التي تعتبر حزب الله ذراعها المسيطر في المنطقة والذي يحرص على عرقلة النفوذ الاسرائيلي في لبنان، كذلك الادارة الامريكية تريد من انحسار دور الحزب كونه يهدد الاخ الاكبر لها ( اسرائيل)، عبر مواجهته المستمرة لتحركاتها وتطلعات .

يمكن ان نضع الزيارة في إطار سعي رئيس الحكومة للتأكد من حجم العقوبات المفروضة على حزب الله وكذلك معرفة الجهات التي ستطالها في حال الابقاء جهات سياسية معينة دعمها للحزب معارضة بذلك الارادة الامريكية، وقد يحاول الحريري ضمان استمرارية تدفق المساعدات الى حكومته في ظل التراجع الاقتصادي الذي تشهده البلاد وبالنتيجة لايمكن الحصول عليها مالم يكن هنالك ضوء اخضر من امريكا.

الرئيس الحريري الآن ليس كما كان قبل سبعة اعوام نتيجة تغير الظروف فلم يعد الحرير بأستطاعته ان يكون ينضم لمحور ضد آخر، وامركيا تعرف ذلك جيدا فهي لا تتريد منه شيئا تعلم بعدم استطاعته تنفيذه، لذا ربما تكون الزيارة التي جاءت تحت عنوان عريض بانها زيارة خاصة وليس رسمية هو لترميم التصدعات والعودة بفائدة نسبية الى لبنان قد تكون فك الخناق الذي تاحول فرضه امريكا عليها بدافع التضيق على حزب الله.

فيما يتعلق بترسيم الحدود فأن الموقف الامريكي يتمشى وبشكا اكيد مع ما تراه اسرائيل مصلحة لها، فقد بذلت الكثير من الجهود لحلحلة الموضو ع الا ان اسرائيل لم تكن راغبة بذلك ما ادى الى اصطفاف امريكا الى جانبها ممسكين عن الحلول القانونية.

في حقيقة الامر ان الحريري لا يتمكن من تقديم اي تعهدات او تنازلات الى الجانب الامريكي لسبب بسيط جدا هو ان الحلول تأتي من قبل ترامب وخامنائي الذي اتخذ من حزب الله احد ادوات الصراع مع البيت الابيض.

رغم صعوبة الموقف في لبنان الا ان الحريري يستطيع ان يتجاوزه بشطارة وبساطة في ذات الوقت عبر اقناع الادارة الامريكية بالوصول الى حلول مقنعة فيما يخص عملية ترسيم الحدود البرية( الخط الازرق)، مع اسرائيل والتأكيد على اهمية حماية هيبة الدولة.

حزب الله في لبنان يعتبر المرجعية الحاكمة بصورة فعلية ولا يمكن لاي لاعب في الحكومة او غيرها من تغيير مسار ذلك الحزب وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بعداءه مع الجانب الاسرائيلي، ومن ثم يمكن ان تكون زيارة الحريري الى امريكية محدودة التأثير وقليلة الفائدة مقارنة بالآمال المعقودة عليها.

وتبقى لعبة التوازن في هذا الموضوع لعبة دقيقة جدا فلا الولايات المتحدة مستعدة ان تخسر ما لديها في لبنان من اطراف وقوى سياسية لا تزال تؤمن بأن امريكا صاحبة الفرس الابيض في المنطقة وسيكسب الرهان من يراهن عليها، كما لا يمكن للحريري ان يعطي لامريكا اي ضمانات طالما الامر لا يتعلق به بصورة كبيرة.

انقر لاضافة تعليق