يؤكد المعنيون أن الصوم له فوائد كثيرة، أولها في الجانب الصحي، حيث يُمنح الصائم خلايا جيدة تحل محل الخلايا الخاملة أو المريضة، ويزداد رصيده الروحي، والأهم من ذلك، أن الصائم سوف يجرّب الجوع جيدا، ويصبح أكثر إحساسا بأولئك العاجزين عن توفير قوتهم اليومي بسبب ضيق الحال، فيقف إلى جانبهم ويساعدهم.

أن تأكل بعد جوع شديد، سيكون الطعام لذيذا أيّاً كان نوعه وستأتي عليه بشهية فائقة، فما بالك لو كان الطعام لذيذا شهيا بالفعل، هنا ستكون شهيتكَ أضعافا وقد تُنسيك الآخرين ممن يحتاجون الطعام، وربما تنسف حتى إنسانيتك التي تتباهى بها أمام الناس.

جلستُ عند واجهة المطعم قبل أن يُرفَع أذان المغرب، يفصلني عن صديقي طاولة لامعة، أضواء ساطعة بألوان فضية فوق رؤوس الزبائن، دفع صديقي قائمة الحساب مقدما، جلسنا بانتظار الطعام (لحوم متبّلة وخبز ساخن) تفوح منه رائحة التوابل الشهية، كان صوم النهار قد أحالنا إلى جسدين منهكين، وما أن وضع عامل المطعم صحن الحساء واللحم على الطاولة، حتى فاجأتنا طفلة معدمة نحيفة يظهر على وجهها الفقر بقوة، وقبل أن نمدّ أيدينا على اللقمة الأولى قالت الطفلة لصديقي: أعطِني لقمة من اللحم!

وبسبب جوع النهار الطويل الذي فتك بنا، كان الجواب لا إنسانيّاً، حادّاً، غريباً، رفضتُ وصديقي أن نعطي الطفلة (لقمة لحم)، وأعطيتُها ألف دينار بدلا من (اللقمة) وطلب منها صديقي أن تشتري طعاما بالنقود!، أخذت الطفلة المبلغ البسيط منّا، وابتعدت بوجهٍ كسير وعينين ضجّت فيهما أسئلة كثيرة هكذا قرأتُها: (لماذا لم تعطنِي لقمةَ لحمٍ من طعامك، أنا جائعة، وأنت إنسان، لماذا تستكثر عليَّ لقمة واحدة، ألم تدَّعي الإنسانية، أم أنها كلمات لا أكثر توهِم بها الناس وتلفظها دون أن تطبّقها؟؟).

وبعد دقيقة حين خفّتْ وتضاءلت صدمة الجوع، شعرنا أنا وصديقي بفداحة ما فعلناه مع الطفلة الجائعة، ورحنا نتساءل معا ونلوم أنفسنا، كيف طردنا الطفلة بهذه الطريقة، وبعد أن شبعنا بقيّت كمية من اللحم في الصحن تكفي للطفلة وتزيد، طلب مني صديقي أن أذهب كي ابحث عنها بعد أن غابت في عيادات الأطباء المنتشرة إلى جانبي المطعم.

نهضتُ ورحتُ أبحثُ عنها بلهفة، الشعور بالذنب يحاصرني ويؤلمني، كنت أتطلع في الوجوه وأمني نفسي بالعثور على الطفلة، الفقيرة وأعود بها إلى المطعم ونمنحها ما تبقى من اللحم وهو يسدّ حاجتها وأكثر، لكن بعد ربع ساعة من البحث لم أعثر عليها، اتصلت بصديقي الذي ينتظر أن أعود له بالطفلة إلى المطعم، وأخبرته بعجزي عن العثور عليها.

عدتُ إلى المطعم مثقلا بتأنيب ضميري، وعرفتُ أن الجوع والتعب قد يفقدك إنسانيتك، وربما يدفعك لاتخاذ قرارات خاطئة، ومنها قرار رفض تقديم لقمة لحم واحدة للطفلة التي تدور على الناس مستعطيةً، كي تجمع الطعام لأمها وعائلتها، وصلتُ المطعم، كان صديقي يجلس عند الطاولة نفسها وقد احتفظ بما تبقى من اللحم والخبز أملا بعودة الطفلة مرة أخرى.

كان يشعر بالشبع الممزوج بعدم الرضا عن النفس، هو وأنا نعاني من شعور قاسٍ بعد الشبع، وهذا يعني أن الإنسان حين يجوع سوف يفكّر بطريقتين:

الأولى سوف يعرف قسوة الجوع، ويبادر لمساندة المتعففين في الحصول على قوتِهم اليومي بكرامة، وهذا التفكير من أهم أهداف شهر رمضان.

الثانية: قد لا يفكر الإنسان بشكل صحيح، ولا يتخذ قراراته بصورة مناسبة.

كنا أنا وصديقي نحاول أن نخفف عن بعضنا من شعورنا المؤلم الذي لم نكن نتوقع في يوم من الأيام أن نفعله، ونستكثر على طفلة جائعة لقمة واحدة.

في هذه اللحظة وقبل أن نغادر المطعم بلحظات، جاءنا طفل أصغر من الطفلة الجائعة، كان يحمل ملامحها، اصفرار الوجه والهزال، هي كانت نحيفة مثل قصبة والطفل بدا لنا أكثر نحافة من الطفلة، لم يقل الطفل بأنه جائع بل طلب نقوداً، فسأله صديقي على الفور: هل أنت جائع، قال: نعم، قال له صديقي هل ترغب تأكل هذا اللحم اللذيذ مع الخبز الساخن؟، فقال: نعم أريد هذا اللحم، إنه لذيذ لكن يجب أن أأخذه لأمي لأنها مريضة!!

طفل صغير نحيف الجسد مصفَرّ الوجه، يفكّر بأمهِ ويفضّلها على نفسه، وضعنا له اللحم المتبقي والخبز في كيس وأعطيناه بعض النقود، فذهب راكضا بالخبز واللحم إلى أمه، شعرنا أنا وصديقي بشيء من راحة الضمير، لكن وجه الطفلة الذابل لا يزال حتى هذه اللحظة مشعّا في ذاكرتي رغم اصفراره وانطفائه، ولا أظنّ أنني سأنساه.

هذه القصة ليست من نسج الخيال، إنها واقعية تماما، أضعها أمام قادتنا السياسيين، وحكامنا، في الحكومات المحلية والاتحادية، وأضعها أيضا أمام أولي الأمر منا، وأقول لهم ليس هناك شيء في العالم يمسخ وجود الإنسان ويحطّ من كرامته أكثر من التسوّل والاستجداء، وهما نتيجة للجوع، والجوع نتيجة لسياساتكم الخاطئة واهتمامكم بامتيازاتكم الهائلة التي تحصلون عليها بعيدا عن الإنصاف والعدالة.

اضف تعليق