بقلم: غالب دالي

في 6 يونيو أرسل وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة آنذاك باتريك شاناهان رسالة شديدة اللهجة لنظيره التركي بخصوص نيّة تركيا شراء نظام أس-400 للدفاع الجوي من روسيا. وطرحت الرسالة جدولاً زمنياً لإخراج تركيا من برنامج المقاتلة أف-35، في حال أقدمت على عملية الشراء، وحجّة واشنطن في ذلك أنّه في حال تمّ تركيب نظام الصواريخ أس-400 في تركيا، فسيعرّض ذلك تكنولوجيا أف-35 للخطر.

وعبّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن انزعاجه من التهويل بالعقوبات، وقال إنّ عملية شراء نظام أس-400 اتفاقية مبرمة. وبالفعل، بدأت روسيا الأسبوع الماضي بتسليم تركيا هذا النظام.

ومع توجّه العلاقات الأمريكية التركية إلى المزيد من التدهور، يبدو أنّ أردوغان علّق أمله على الرئيس ترامب بغية تفادي العقوبات الأمريكية. في الواقع، خرج أردوغان راضياً من اجتماعه مع ترامب على هامش قمة دول مجموعة العشرين في اليابان في نهاية يونيو، إذ وضع ترامب اللوم لأزمة نظام أس-400 على إدارة أوباما وأعطى الانطباع بأنّه لا يحبّذ وضع عقوبات قاسية على تركيا بسبب هذه المسألة، على عكس الرسائل الصادرة من مواقع أخرى من الحكومة الأمريكية.

مع ذلك، لهو من المربك مشاهدة الطريقة التي تُعيد فيها روسيا رسم معالم العلاقات الأمريكية التركية.

فصل جديد

كان التهديد السوفياتي هو ما أدّى إلى نشوء التحالف التركي الأمريكي. فمن خلال المساعدات الاقتصادية والعسكرية، حاول الرئيس الأمريكي هاري ترومان الحؤول دون وقوع تركيا واليونان في فلك النفوذ السوفياتي في العام 1947. وفي لعبة قدر ساخرة، ربّما روسيا الآن هي الدولة التي قد تفضّ هذا التحالف.

فكما يبيّن شراء نظام أس-400 الصاروخي، لقد برز تحوّل مهمّ في العلاقات الأمريكية التركية والعلاقات التركية الروسية على حدّ سواء.

فعلى عكس التوقّعات، عمّقت روسيا وتركيا علاقاتهما بسرعة على عدّة جبهات في السنوات الأخيرة. وكانت سوريا عاملَ جذب استعملته روسيا لاستمالة تركيا. وما بدأ كانخراط براغماتي بين الجهتَين ضمن سياق الأزمة السورية بات يتخطّى المسألة السورية. ولم يتوقّع الكثيرون أنّ الغزل التركي الروسي سيستمرّ لما بعد الأزمة السورية الشديدة التعقيد. لكن حتى الآن صمدت العلاقة لا بل تحسّنت.

ولم تكن التوقّعات السلبية التي أطلِقت حيال مستقبل العلاقات الروسية التركية بلا أساس. فجيوسياسياً، تقع الدولتان على طرفَين متناقضين حيال كل المسائل تقريباً في جوارهما المُتشاطَر. كذلك، مازالت بنية التحالفات المحلّية والإقليمية التي تعتمدها الدولتان كلتاهما متناقضة الغايات، إذ كان الإقرار بطموحات روسيا الجيوسياسية، ولا سيما حيال شرقي المتوسط، واحداً من العوامل الأساسية التي دفعت تركيا إلى العمل على الانخراط في نوادٍ غربية مختلفة.

علاقات ودية أكثر فأكثر بين موسكو وأنقرة

إذاً لماذا تنشد تركيا الآن تأسيس شراكة مع روسيا؟

كان الانخراط العسكري الروسي في الأزمة السورية وإسقاط تركيا لمقاتلة روسية بعد ذلك في خريف العام 2015 نقطتَي التحوّل الحاسمتَين. فمع التدخّل العسكري الروسي، تلاشت فكرة تغيير النظام في دمشق أكثر فأكثر، ومع إسقاط المقاتلة الروسية، أُخرِجت تركيا من المشهد السوري. وبحلول ذلك الوقت، كان الغرب قد تخلّى عن فكرة تغيير النظام في سوريا، وكانت وحدات حماية الشعب الكردية السورية التابعة لحزب العمال الكردستاني تسيطر بسرعة على الأراضي وتكسب النفوذ السياسي في سوريا. ردّاً على ذلك، طرحت تركيا جانباً هدفها بتغيير النظام أيضاً وسَوّت علاقاتها مع روسيا وركّزت عوضاً عن ذلك على لجم المكاسب الكردية في سوريا. وقد أتى هذا الرهان ثماره. فبموافقة روسية، أجرت تركيا عمليات عسكرية في شمال غرب سوريا ودحرت وحدات حماية الشعب إلى شرق نهر الفرات.

لكنّ هذا النوع من البراغماتية لم يكن العامل الوحيد الذي رسم معالم الارتباط الروسي التركي منذ تلك الفترة، بل شكّلت الولايات المتحدة الفريق الثالث الخفي الذي وجّه مسار الارتباط.

فقد شكّل الانفصال والافتراق القوّتَين الطاغيتين في العلاقات الأمريكية التركية في السنوات الأخيرة. إذ طرح المسؤولون من كلتا الجهتين اللياقة الدبلوماسية جانباً وتراشقوا الاتهامات والتهديدات. فتركيا توبّخ الولايات المتحدة لدعمها قوات سوريا الديمقراطية ويعلو صوت الولايات المتحدة أكثر فأكثر في انتقادها علاقات تركيا مع روسيا وإيران، فضلاً عن سياسة أنقرة تجاه سوريا. ويشكّل اسم العقوبة الأمريكية التي تواجها تركيا نتيجة لشراء نظام أس-400، أي قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات، خير دليل على ذلك. وبات مستوى الثقة بين البلدَين في أدنى مستوياته على الإطلاق. وتشهد العلاقات المؤسساتية وَهْناً، ولا سيما بين الجيشين. ويرى الشعب والنُخب السياسة وصانعو السياسات الأتراك بشكل متزايد القيادةَ المركزية الأمريكية (سنتكوم) على أنها قوّة تهديدية.

وفي أبريل، طلب نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس من تركيا أن تختار بين حلف شمال الأطلسي وروسيا. ولم ترغب تركيا في اتّخاذ خيار كهذا، مفضّلة الاستقلالية الاستراتيجية في السياستَين الخارجية والأمنية على حدّ سواء. فحاولَتْ البحث عن سبل للجمع بين عضويّتها في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها التاريخية مع الغرب من جهة وعلاقاتها المُتحسّنة مع دول مثل روسيا والصين وإيران من جهة أخرى.

ولا يقتصر الأمر على أنّ تركيا تعتقد أنّ الولايات المتحدة ليست منفتحة جيداً لمصالحها، بل تظن تركيا أيضاً أنّ سياسة الولايات المتحدة حيال شرقي المتوسط تقوّض بشكل مباشر دورَ أنقرة الإقليمي. ويفاقم اعتماد مجلس الشيوخ الأمريكي “قانون الأمن والشراكة في شرق المتوسط” المخاوف التركية بأنّ السياسة الأمريكية في المنطقة، سواء أصدفة أم عمداً، ستنتهي باحتواء قاسٍ لإيران واحتواء ناعم لتركيا. وكانت تركياً تقليدياً أحد أبرز محاور السياسة الأمريكية حيال شرقي المتوسط. لكنّ هذا القانون يدعو إلى رفع الحظر على بيع السلاح إلى قبرص (فُرض الحظر للمرة الأولى في العام 1987) ويعتبر اليونان وقبرص وإسرائيل المحاور الجديدة في السياسة الأمريكية حيال المنطقة. في هذا الخصوص، حضور وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو اللقاءَ الثلاثي الإسرائيلي القبرصي اليوناني حول الطاقة والأمن في شرقي المتوسط الذي أقيم في إسرائيل في مارس يساهم في زيادة المخاوف التركية. وستقنع هذه المبادرة وغيرها من المبادرات صانعي القرارات الأتراك أكثر فأكثر أنّ الولايات المتحدة تنتهج استراتيجية احتواء مزدوجة لإيران وتركيا. ولن يجعل هذا الأمر تركيا أقلّ تعاوناً إزاء أي سياسة أمريكية حول إيران فحسب، بل أيضاً سيحثّ تركيا أكثر على العمل عن كثب مع روسيا وإيران.

هل يمكن إعادة إحياء الصداقة الأمريكية التركية؟

ما زالت الشراكة المُنشأة حديثاً مع روسيا هشّة وفي طور التغيّر. ويبيّن الهجوم الأخير الذي شنّه النظام السوري المدعوم من روسيا على محافظة إدلب بوضوح جليّ حدودَ التعاون الروسي التركي في الشرق الأوسط وما بعد الشرق الأوسط.

ولا ترقى علاقتهما إلى مستوى روابط تركيا التاريخية والمؤسساتية مع الغرب. بيد أنّ هذه الروابط تذوي. وقد يؤدّي فرض مجموعة قاسية من العقوبات الأمريكية على تركيا ردّاً على شراء أنقرة نظام صواريخ أس-400 بشكل غير مقصود إلى جعل تركيا تعتمد أكثر على روسيا. في هذا السيناريو، ستتحوّل هذه الصفقة أكثر فأكثر إلى خيار إعادة اصطفاف جيوسياسية لتركيا، وهو اصطفاف بعيد عن الغرب وأقرب إلى روسيا. وإبعاد تركيا أكثر عن الغرب وتقويض حلف شمال الأطلسي هما بالضبط ما تبتغيه روسيا. وستجعل إعادة الاصطفاف هذه تركيا أكثر انطوائية ومتردّية أكثر من ناحية الديمقراطية، ولن تخدم المصالح التركية ولا الغربية. وهذه هي الاحتمالية التي على المسؤولين الأتراك والأمريكيين الحؤول دون حصولها مهما كان الثمن.

https://www.brookings.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق