احتلال القدس وهدم البقيع جريمتان بحق الاسلام والبشرية

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ وَسَعى‏ في‏ خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ)(1)

سيجري الحديث، بإذن الله تعالى، عن ظلامتين عظيمتين مستمرتين منذ عقود وهما ظلامة البقيع وظلامة المسجد الأقصى وبيت المقدس، وذلك في ضمن المحاور الآتية:

المحور الأول: بصائر قرآنية في الآية الشريفة وهي بصائر كثيرة نستعرضها بالتدريج في هذا البحث والبحوث القادمة بإذن الله تعالى:

ما هو المراد بـ(مَساجِدَ اللَّهِ)؟

البصيرة الأولى: ان الاحتمالات بل الأقوال في قوله تعالى (مَساجِدَ اللَّهِ) عديدة:

فمنها: ان المراد المسجد الحرام، حيث منع المشركون، رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والمسلمين من دخول مكة والمسجد الحرام.

ومنها: ان المراد مساجد خيار المؤمنين في مكة حيث كان لخيار الصحابة أمثال أبي ذر مساجد حول الكعبة الشريفة يعبدون الله تعالى فيها فمنعهم المشركون من التعبد فيها إذ ألجأوهم إلى الخروج من مكة.

فعلى التفسير الأول يراد بالآية فترة وجودهم في المدينة، وعلى التفسير الثاني يكون المراد منعهم من المساجد بإخراجهم من مكة.

ومنها: ان المراد بيت المقدس إذ غزا الروم بيت المقدس وسعوا في خرابه.

ومنها: ان المراد بيت المقدس إذ خرّبه نبخت النصر وأعانه على ذلك النصارى.

ووجه جمع المساجد على هذه التفسيرات الأربع ان كل منطقة منطقة وبقعة بقعة في المسجد الحرام أو في بيت المقدس هي مسجد لله فمجموعها مساجد لله.

ومنها: ان المراد كافة بقاع الأرض التي يمكن ان يُعبد الله فيها ويُذكر، والظاهر هو هذا المعنى الأخير وأنّ التفاسير السابقة هي تفسير بالمصداق الأجلى أو بشأن النزول، ويدل على هذا الأخير أولاً: القاعدة العامة بان الجمع المضاف يفيد العموم و(مَساجِدَ اللَّهِ) جمع مضاف فيراد به كل مسجد لله وتخصيصه ببعضها لا وجه له إلا التفسير بالمصداق أو بشأن النزول وهو غير مخصص.

ثانياً: لدلالة بعض الروايات على التعميم ((فعن زيد ابن علي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه أراد جميع الأرض لقول النبي صلى الله عليه واله وسلم: جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِداً وَتُرَابُهَا طَهُوراً))(2) فكل الأرض هي مسجد بصريح الروايات، وجمعها مساجد.

ويؤكده قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً)(3) والمراد بها مطلق المساجد، فالمراد بـ(مَساجِدَ اللَّهِ) المطلق كذلك، وذلك بناء على إرادة محالّ السجود من الأرض من قوله (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) وفي الروايات ان المراد بها مواضع السجود السبعة، ولعله من التفسير بالمصداق أو بأحد الوجوه. وتحقيقه في محله.

ويؤكد التعميم أيضاً ما ورد من ((قال علي بن الحسين (عليهما السلام):

ولقد كان من المنافقين والضعفاء أشباه المنافقين قصد إلى تخريب المساجد بالمدينة وتخريب مساجد الدنيا كلها بما همّوا به من قتل علي عليه السلام بالمدينة وقتل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في طريقهم إلى العقبة يعني في غزوة تبوك))(4).

والرواية تفيد أحد أمرين: اما انهم هموا بهدم كافة المساجد بعد قتل الرسول صلى الله عليه واله وسلم والأمير عليهم السلام، أو انهم اعتبروا ان قتلهما (عليهما السلام) مقدمة موصلة طبيعياً لهدم الدين وتخريب مساجد المسلمين.

للمسجد إطلاقان أعم وأخص

البصيرة الثانية: ان المستظهر ان للمسجد والمساجد إطلاقين: الأول بالمعنى الأخص والثاني بالمعنى الأعم.

والمعنى الأخص هو المعنى المصطلح للمسجد وهو ما وُقف مسجداً والذي تترتب عليه أحكام فقهية خاصة كحرمة تنجيسه ووجوب تطهيره وحرمة زخرفته أي تزيينه بالذهب وحرمة مكث الجنب والحائض فيه إلا مروراً إلا المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه واله وسلم فانه لا يجوز حتى المرور فيهما وغير ذلك.

واما المعنى الأعم، فهو كل ما يقع محلاً للسجود ولعبادة الله تعالى وإن لم يوقَف مسجداً فيشمل المصلَّى، وهو ما يتخذه المرء في بيته أو شركته أو مزرعته أو غيرهما محلّاً للصلاة، بل جرت عادة الكثيرين على تعيين مكان أو بنائه كمصلى ولا يقفونه مسجداً لجهات عديدة منها:

انه قد يكون المكان مستأجراً، وكيف يوقَف المستأجَر؟(5).

ومنها: ان زخرفة المسجد محرمة ووضع الصور فيه خلاف الاحتياط، عكس المصلَّى فانه يجوز ذلك فيه.

ومنها: انهم لا يريدون منع الحائض والجنب من الجلوس فيه لحضور درسٍ أو محاضرةٍ أو مجلس عزاء أو قضاءٍ أو شبه ذلك.

ومنها: انهم إذا وقفوه لم يمكنهم بيعه أو تبديله، خاصة وان الأوقاف العامة (تحرير) وليست (حبساً) فكيف تباع أو تجري المعاوضة عليها؟ اما إذا كان مصلَّى بدون ان يوقف، أمكن بيعه وشراء مكان آخر ثم وقفه مسجداً.. وهكذا.

ولا يخفى ان أجر الصلاة في المسجد (الموقوف) أعظم من أجر الصلاة في (المصلَّى) لذلك فالأفضل – لو أمكن – وقف المكان مسجداً.

والظاهر ان هذا المعنى الثاني الأعم هو المراد بالآية الشريفة وليس خصوص المساجد الموقوفة، وذلك للرواية الآنفة (انه أراد جميع الأرض) ولصدق المسجد على المصلى وعلى كل ما يسجد عليه من الأرض، بالحمل الشائع دون قرينة، والانصراف بدوي(6)، ولمناسبات الحكم والموضوع في الآية الشريفة، ولغير ذلك.

ومن الحريّ ببعض الفقهاء كتابة رسالة خاصة عن أحكام المساجد بالمعنى الأعم؛ إذ المعهود ذكر مسائل المساجد بالمعنى الأخص، كحرمة تنجيسه.. الخ، ولم نعهد في الفقه ذكر أحكام المساجد بالمعنى الأعم ومنها: ما أشارت إليه الآية الشريفة – كما لعله يأتي تفصيله بإذن الله تعالى – ومنها غير ذلك.

ولقد استند العديد من الفقهاء في إلحاق المشاهد المشرفة بالمساجد في الأحكام، إلى الأولوية؛ نظراً لعدم وقفها مسجداً لكنها أولى بأحكامه، ولمثل قوله تعالى: (في‏ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ * رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ)(7)، فذلك مورد الكلام.

ولكن، وعلى أية حال فانه لا شك في صدق المساجد بالمعنى الثاني الأعم على المشاهد المشرَّفة بل هي من أظهر مصاديقها بل هي أظهرها على الاطلاق، فهتك حريمها يعدّ من أكبر المحرمات وأعظم القبائح والسيئات.

البقيع من مساجد الله، وآل سعود منعوا فيها ذكر الله

و(البقيع الغرقد) من مساجد الله تعالى بالإطلاق الثاني إذ كان المسلمون طوال مئات السنين يصلّون في حرم أئمة البقيع وفي سائر المشاهد وتحت سائر القباب الموجودة هناك، وعلى ذلك فان حكام آل سعود والوهابية هم من اسوأ الطغاة الذين منعوا مساجد الله ان يذكر فيها اسمه بنص قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ وَسَعى‏ في‏ خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ) ومن المشاهد للجميع انهم يمنعون المسلمين من الصلاة هنالك بل يمنعونهم من رفع الصوت بالأدعية والأذكار، ويمنعونهم من شتى أنواع العبادة – ولو كانت من غير صلاة(8) – مع ان المفروض ان يفتحوا أبواب البقيع الغرقد ليل نهار لتمتلئ جوانبه بذكر الله آناء الليل وأطراف النهار.

فمن أظلم من آل سعود إذ منعوا المسلمين من ان يذكروا الله تعالى في بعض أهم مساجد الله وهي مساجده بالبقيع الغرقد؟

القدس من مساجد الله، واليهود منعوا فيها ذكر الله

ومن أظلم أيضاً من اليهود إذ منعوا المسلمين من ان يذكروا الله في المسجد الأقصى وبيت المقدس؟

لا يقال: ان الصلوات الخمس تقام فيه، للرجال؟

إذ يقال: أولاً: انهم يمنعون المسلمين في غير هذه الأوقات من إعمار المسجد الأقصى بذكر الله تعالى، والمسجد خاصة إذا كان مثل المسجد الأقصى، يجب ان تكون أبوابه مشرعةً ليل نهار للمصلين وللراكعين والساجدين والعاكفين.

ثانياً: انهم يضيّقون على المسلمين في هذه الأوقات، بما وضعوه من قيود ورقابة ونظام أمني قاهر، ولئن كان المسجد الأقصى تحت السلطة الإدارية للأردن حسب اتفاقية عام 1944م إلا انه خاضع لسلطة الاحتلال الإسرائيلي أمنياً على حسب ضوابطهم العامة المتشددة، بل انه خاضع – في الواقع – سياسياً له أيضاً لأنهم الذين يرسمون السياسة العامة له(9).

المسجد مصدر ميمي

البصيرة الثالثة: ان المسجد وهو مفرد (مَساجِدَ اللَّهِ) مصدر ميمي يصح ان يراد به مكان السجود كما يصح ان يراد به زمان السجود كما يصح ان يراد به المصدر المجرد، لكن المشهور فسروه في الآية الكريمة بالمعنى الأول، وسيأتي تصحيح إرادة المعنيين الأخيرين أيضاً بوجه لطيف فأنتظر.

معلومات هامة عن المسجد الأقصى والبقيع

المحور الرابع: معلومات عامة هامة عن المسجد الأقصى والبقيع:

المسجد الأقصى

اما المسجد الأقصى فانه الذي أسري إليه النبي المصطفى صلى الله عليه واله وسلم إذ يقول جل اسمه (سُبْحانَ الَّذي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ الْبَصيرُ)(10) وقد ورد في الروايات فضل عظيم للصلاة فيه ومن الرايات ما ورد في فضيلة المساجد الأربعة وهي المسجد الحرام ومسجد النبي ومسجد بيت المقدس ومسجد الكوفة، ومنها ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام من ان الصلاة الواجبة فيها تعدل أجر حجة والنافلة تعدل أجر عمرة.

فقد قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام لِأَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ: ((الْمَسَاجِدُ الْأَرْبَعَةُ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَمَسْجِدُ الرَّسُولِ صلى الله عليه واله وسلم وَمَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَمَسْجِدُ الْكُوفَةِ، يَا أَبَا حَمْزَةَ: الْفَرِيضَةُ فِيهَا تَعْدِلُ حَجَّةً، وَالنَّافِلَةُ تَعْدِلُ عُمْرَةً))(11)

وقد عدّه أمير المؤمنين عليه السلام من قصور الجنة الأربعة التي خلقها الله في الدنيا – كما في بعض الروايات.

وقد ذهب بعض إلى ان المسجد الأقصى هو مجموع ما دار عليه السور والذي يقع فوق هضبة موريا وتبلغ مساحته مائة وأربعة وأربعين ألف متر ويسع لمائتي ألف مصلي، وهذه المنطقة الواسعة هي – فيما يراه بعضٌ – المسجد الأقصى والتي تتضمن مسجد قبة الصخرة والذي يقع في قلب الهضبة تقريباً، كما يتضمن المسجد القِبلي الذي يقع في قبلة هذه المنطقة الواسعة، كما يتضمن أروقة وساحات وحدائق وآباراً وغير ذلك، وعموماً فانه يتضمن حوالي مائتي مَعلَم من الـمَعالِم.

لكن الظاهر ان هذه كلها من التوسعات المتتالية للمسجد الأقصى، وان المسجد الأقصى فهو نفس بيت المقدس (وقد يقال له البيت المقدَّس) وهو المسجد القِبْلي المبني الآن والموجود داخل هذه المنطقة الواسعة إلى جنوبي قبة الصخرة.

ويرى اليهود ان هيكل سليمان وهو المعبد الذي بناه النبي سليمان عليه السلام، يقع تحت المسجد الأقصى، لذلك ترى منظماتهم المتطرفة تسعى لهدم المسجد الأقصى وإعادة بناء الهيكل من جديد.

وقد وضع المسجد الأقصى بحسب اتفاقية عام 1944 تحت إدارة الحكومة الأردنية، لكن الواقع – وكما سبق – ان السلطات الإسرائيلية هي الحاكمة على السياسات الأمنية وعلى النظم العامة وان إدارة الأردن شكلية فنّية بحتة، لذلك فان مسؤولية حرمان المسلمين من التعبُّد في المسجد الأقصى في مختلف الأوقات تقع على عاتقهم بل لقد كانت أنواع الظلم التي تقع على المصلين أو الذين يقصدون الصلاة أو العبادة في المسجد الأقصى، بتخطيطهم وتنفيذهم أيضاً، لذلك كانوا هم أيضاً، كآل سعود والوهابية، من أظهر مصاديق قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ وَسَعى‏ في‏ خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ).

البقيع الغرقد

واما البقيع الغرقد والمسمى بجنة البقيع أيضاً فهو المقبرة التي أسسها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقد كانت لأهل المدينة مقبرتان قبل ذلك هما مقبرتا بني سالم وبني حرام، فلما مات عثمان بن مظعون أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم بدفنه في البقيع، وكان البقيع منطقة محدودة إلا ان معاوية وسّعها لتضم قبر عثمان بن عفان الذي كان مدفوناً، حسب تاريخ الطبري، في مقبرة اليهود المسماة بـ(حش كوكب) فوسّع معاوية البقيع ليضم تلك المقبرة كي لا يشنّع على عثمانَ أحدٌ من المسلمين، ثم تتالت التوسعات حتى بلغ البقيع مساحته الحالية الآن وهي مائة وثمانون ألف متر مربع.

وقد كان البقيع ولا يزال مهوى أفئدة عامة المسلمين، بل انه موضع يقدسه كل مسلم وذلك لأنه يضم رفات الكثير من أهل البيت الأطهار عليهم السلام والصحابة والعلماء من شتى فرق المسلمين على امتداد التاريخ، ومن ذلك انه يضم جسد حوالي عشرة آلاف صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كما يضم ثلةً طيبةً من أهل بيته: ومنهم أئمة البقيع الأربعة: الإمام الحسن المجتبى عليه السلام والإمام علي السجاد عليه السلام والإمام محمد الباقر عليه السلام والإمام جعفر الصادق عليهم السلام كما يضم أيضاً: فاطمة بنت أسد والدة الإمام علي عليه السلام والعباس عم النبي صلى الله عليه واله وسلم وصفية عمته (وقيل: عاتكة أيضاً) وأيضاً يضم كافة زوجاته إلا عائشة وميمونة، وكذلك يضم جسد إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه واله وسلم وفاطمة بنت حزام أم العباس بن علي عليه السلام - أم البنين –، وعبد الله بن جعفر، وعقيل أخ الإمام علي عليه السلام كما يضم أيضاً قبر أمثال أبي سفيان وآخرين.

كما يضم أيضاً قبور كثير من التابعين ثم سائر المسلمين: ومنهم سعيد بن المسيب والعروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر.

كما انه كان المكان المقدس الذي ينقل إليه المسلمون على مرّ التاريخ أجساد كبار علمائهم وشخصياتهم وعامتهم أيضاً.. وكان منهم: محمد إدريس السنوسي، ملك ليبيا السابق، وحسن رضا السنوسي ولي عهده.

والسلطان عبد الحميد الثاني، آخر الخلفاء العثمانيين.

ومحمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، ومحمد الغزالي الكاتب المصري المعروف، والإمام شامل المناضل المسلم الكبير من القوقاز ومحمد محمود ولد الشيخ زيدان من علماء موريتانيا ومحمد باشا المحمد أكبر أمراء عكار... وغيرهم كثيرون.

ولكن الوهابية اعتبروا نقل أجساد الأموات إلى منطقة أخرى، من الآثام والمحرمات، واعتبروا التبرك بقبور الصالحين شركاً بالله العظيم مكفّرين عامة المسلمين، وكما اعتبروا بناء القباب على مشاهد علماء المسلمين وغيرهم محرّماً وإثماً مخالفين عامة المسلمين بذلك.

والغريب ان المسلمين يقدّسون – بحقٍ – كل ما يرتبط بالرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم بوجه من الوجوه حتى انهم رووا ان احدى أسنان النبي صلى الله عليه واله وسلم سقطت في مكان من البقيع، فعلّمه المسلمون ثم بنوا عليه قبة اسميت بـ(قبة البين).. أقول: الغريب ان الوهابية تقف على خلاف عامة المسلمين في كل شيء فالمسلمون يقدسون حتى موضعاً سقطت فيه سنّ النبي صلى الله عليه واله وسلم والوهابية يهدمون كافة آثار النبي صلى الله عليه واله وسلم ومنزله ومقابر أصحابه وأهل بيته بل وحتى المساجد التاريخية المعروفة كمسجد رد الشمس وغيره.

احتلال القدس وهدم البقيع جريمتان بحق الإسلام والإنسانية

المحور الخامس: ان احتلال اليهود للقدس والوصاية على المسجد الأقصى، واحتلال آل سعود والوهابية لمكة والمدينة وبلاد الحجاز ثم هدمهم للمساجد التاريخية الكثيرة وهدمهم لقبور أئمة البقيع وسائر أهل البيت الأطهار والصحابة الأخيار، كل ذلك يعدّ جريمة من أفدح الجرائم بحق الإسلام والمسلمين بل وبحق الإنسانية جمعاء نظراً لأن تلك المشاهد المشرفة تعدّ من التراث البشري الخالد، والغريب ان تمثال بوذا عندما فجره الطالبان في باميان بأفغانستان، أقام البوذيون الدنيا ولم يقعدوها، لكننا نحن المسلمين لم نصنع شيئاً لبناء البقيع – وغيره – رغم مرور 96 عاماً حتى الآن(12) على هدمه وهدم سائر الأضرحة والقباب والمشاهد المشرفة في البقيع.

ان المشاهد المشرفة والمساجد والحسينيات والمكتبات والمدارس وغيرها، إضافة إلى ما لها من القيمة الذاتية والموضوعية، فان بقاءها شامخةً عامرةً، هو رمز لِعِزّةِ الأمة ومجدها وكرامتها بين الأمم؛ لذلك تحافظ كافة الأمم على تراثها الديني والحضاري والثقافي والإنساني، على العكس من الأمم الميتة أو المتماوتة التي سرعان ما (تنسى) كل تلك الجرائم التاريخية وتركن المسالة إلى زاوية من زوايا الإهمال أو التناسي!

ولقد كان تصدي المسلمين لقضية القدس والمسجد الأقصى أفضل بكثير من تصدّيهم لقضية البقيع الغرقد، ولكن مع ذلك فاننا جميعاً – كمسلمين – مقصرون جداً في كلتا القضيتين (وإن كان التقصير في البقيع أكبر وأوضح).

ولكن ما هو الواجب علينا؟

ومحور هذا البحث الخامس هو: ما الذي يجب علينا كمسلمين، وخاصة كموالين لأهل البيت عليهم السلام وشيعة لهم – ان نقوم به في قضيتي المسجد الأقصى والبقيع الغرقد حتى نعيد إعمارها بذكر الله تعالى ونستنقذها من أيدي اليهود والوهابية وآل سعود، ونعيد بناء البقيع ومشاهد الأئمة الأربعة وسائر المشاهد المشرفة فيه بأفضل الصور؟.

والجواب: ان ذلك يستدعي وضع خارطة طريق شاملة مركبة تتضمن خططاً قصيرة المدى ومتوسطة المدى وبعيدة المدى، ثم بعد ذلك السعي الجاد والحثيث لتنفيذ بنود تلك الخطة بكل عزم وجد وإخلاص وحينئذٍ ينزل علينا النصر من عند الله الملك العزيز الجبار إذ يقول جل اسمه: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ)(13).

وسوف نشير إلى بعضها في هذا الدرس وسنكمل في الدروس القادمة بإذن الله تعالى:

أ- ان نضع قضيتي القدس والبقيع في بؤرة الاهتمام المتواصل

أولاً: ان من الضروري ان يضع كل مسلم قضيتي القدس والبقيع في بؤرة الاهتمام المتواصل، ذلك ان مشكلتنا الاساسية هي الاقتصار على (الاهتمامات الموسمية) فعندما يأتي الثامن من شوال مثلاً ننهض ونتكلم ونخطب ونشجب... ثم نركن هذا الملف الخطير جانباً وننساه حتى العام القادم! وهكذا..

بل ان الأغرب اننا ننسى – عادة – الظلامات والجرائم التي ارتكبت بحق الإسلام والمسلمين وبحق أهل البيت عليهم السلام، تماماً! ألا ترى ان الكثير منّا نسي قضية فلسطين وبيت المقدس؟ وألا ترى ان الكثير منّا نسي قضية البقيع الغرقد؟ وألا ترى ان الكثير منّا نسي قضية تفجيري سامراء؟ وألا ترى ان الكثير منّا نسي وجود القاعدة والطالبان وداعش وتغلغلهم في البلاد على شكل خلايا نائمة كما نسينا جرائمهم وجناياتهم التي يشيب لهولها الوِلدان؟ بل اننا حتى لم نؤرخ لتلك الفجائع الكبرى ولم نقم بدراسة أسبابها وجذورها، وأحداثها ووقائعها، والعلل والحلول؟ اللهم إلا في كتب معدودة على الأصابع، مع انه كان من اللازم كتابة مئات الكتب وألوف الدراسات عن ذلك كله، كما كان من اللازم – ولا يزال – عقد ألوف الندوات ومئات المؤتمرات عن ذلك كله.

لا عزة للأمة التي تنسى تاريخها ومقدساتها

ان الأمة التي تنسى تاريخها وتنسى مقدساتها وتراثها ومعالم مجدها وتهمل مكافحة بواعث التخلف وعوامل الفشل ومظاهر الذلة ومكامنها التي منيت بها، لا يعقل ان تكتب لها العزة والكرامة بين الأمم كما لا يمكنها ان تستعيد مجدها الغابر بهذا الإهمال والتناسي والتجاهل، وذلك على العكس من الأمم التي لا تنسى تاريخها ولا تنسى ما فعله الآخرون بحقها – بحق كان ذلك أو بباطل – فانها تكون هي الأقوى من بين الأمم؛ ألا ترون اليهود لا ينسون أبداً! ألا ترونهم لا يزالون يملأون الدنيا ضجيجاً وصراخاً بـ(الهولوكوست) بل ألا ترونهم لا يزالون يحمّلون الحكومة الألمانية غرامة مالية كبيرة جداً سنوياً؟ إذ يتوجب على الحكومة الألمانية ان تدفع مبالغ طائلة جداً بمئات الملايين من الدولارات سنوياً كتعويض لضحايا الهولوكوست! وقد ذكرت الحكومة الألمانية في بيان مقتضب في يونيو – حزيران 1/2010 ان هذه التعويضات ناهزت 63 مليار يورو! وذلك رغم ان الحكومات الألمانية اللاحقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن هي حكومات ديمقراطية بريئة عن جرائم الهولوكوست براءة الذئب من دم يوسف!

ان الأمة التي تنسى تاريخها لا قيمة لها، اما الأمة التي تتخذ من عِبَر التاريخ ومجرياته وأحداثه منطلقاً للنهوض والانطلاق فهي التي ستتسلم مقاليد الأمور وهي التي ترتقي في الأسباب حتى تتسنّم المواقع العليا في الحياة البشرية، وذلك سواء أكانوا محقين أم مبطلين، ظالمين أم مظلومين!

وصفوة القول: ان من الواجب ان نجعل القدس والبقيع ودماء الأبرياء التي أريقت على أيدي المستعمرين والصهاينة والوهابيين وداعش والقاعدة وطالبان والحكومات المستبدة وشبهها، موضع اهتمام دائم...

ليخصص كل مسلم خمس دقائق من وقته يومياً للقدس والبقيع!

ولو ان كل مسلم خصص من وقته خمس دقائق يومياً لإحياء أمر البقيع والقدس وضحايا الارهاب، لأحدثنا بذلك تحولاً في العالم!

ان خمس دقائق يومياً تبدو قليلة جداً، لكنها من ملياري مسلم كثيرة جداً!

تصوروا ماذا يحدث لو ان كل مفكر وكاتب وصحفي ووزير ونائب وعالم وخطيب وشيخ عشيرة ورئيس حزب أو نقابة أو اتحادية أو غير ذلك، خصص من وقته خمس دقائق للبقيع والقدس ولمكافحة التطرف والإرهاب والظلم والاستبداد، عبر كتابة الرسائل الجامعية أو الدراسات الموضوعية أو المقالات الصحفية أو عبر التخطيط – يومياً لمدة خمس دقائق فقط! – لعقد مؤتمرات وندوات نهضوية أو التخطيط لتكثيف الضغط الدبلوماسي وإقامة التحالفات الدولية والإقليمية في سبيل ذلك، أو التخطيط – يومياً خمس دقائق، لكن طوال أيام السنة – للقيام بمظاهرات سلمية عارمة ووقفات احتجاج في المواسم والمناسبات المحددة؟، بل تصوروا ماذا يحدث لو ان كل مسلم خصص يومياً خمس دقائق من وقته لكتابة شيء ما في التويتر أو الفيس بوك أو التلغرام والواتساب أو غير ذلك؟ أقول: تصوروا لو ان ذلك كله حصل فأية روح نهضوية فاعلة كانت ستدبّ في الأمة حينئذٍ وأي زلزال حضاري كان سيحصل حينذاك؟

ب- تهذيب الأنفس وتزكيتها

ثانياً: تهذيب الأنفس وتزكيتها وإصلاحها والتحلي بتقوى الله تعالى واجتناب مواطن سخطه ومعصيته.. وقد يستغرب البعض من اعتبار ذلك طريقاً لمكافحة المحتلين والمستعمرين والحكام المستبدين أو طريقاً لإنقاذ المسجد الأقصى أو البقيع الغرقد وتقليم أظافر الإرهابيين!

لكن ذلك حقّ تماماً: أما أولاً فلأن الإصلاح يبدأ من الداخل و(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ)(14) و(من أصلح فاسده، أرغم حاسده) ومن انتصر على عدوه الداخلي (النفس والأهواء) فانه حريّ بان ينتصر على عدوه الخارجي.

المعاصي قسمان: شخصية ونوعية

وأما ثانياً فلأن المعاصي – لدى التدبر – على نوعين:

النوع الأول: المعاصي الشخصية، كالسرقة والزنا والرشوة والكذب والغيبة والنميمة والنظر للأجنبية وغيرها.

النوع الثاني: المعاصي النوعية، وذلك كإهمال أمر أهل البيت عليهم السلام وقد ورد ((أَحْيُوا أَمْرَنَا))(15) وكالسكوت عن ظلم الحكومات الجائرة وقد قيل: (الساكت عن الحق شيطان أخرس) كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: ((خَذَلُوا الْحَقَّ وَلَمْ يَنْصُرُوا الْبَاطِلَ))(16) بل وكاغتصاب الحكومة والاستبداد بها فانها سرقة وأية سرقة؟ وغصب وأي غصب؟ ذلك ان السارق قد يسرق دار زيد وأمواله ولكن الحاكم يسرق ثروات الأمة، والغاصب قد يغصب مزرعة زيد أو عمروٍ ولكن الحاكم المستبد يغصب حقوق الناس كافة!.

والفرق بين النوعين من المعاصي هو بلحاظ المتعلَّق: فالمعصية الشخصية ما تعلقت بشخص خاص أو بقضية خاصة، والمعصية النوعية ما تعلقت بالمجتمع كله أو بشرائح واسعة منه أو بقضية عامة..

لماذا أهملنا البحث عن المعاصي النوعية؟

والغريب ان القسم الثاني من المعاصي (النوعية) لم يحظ بالبحث الكافي من العلماء والخطباء والمؤلفين ولم يطرح في الكتب الفقهية والأخلاقية عادة، فيما حظي القسم الأول من المعاصي (الشخصية) ببحوث كثيرة في كتب الفقه وكتب الأخلاق وغيرها، ومن الجدير بها ان تحظى بكل ذلك الاهتمام بل وأكثر، ألا انه من اللازم أيضاً بل والواجب ان تحظى المعاصي النوعية أيضاً ببحوث ودراسات فقهية وتفسيرية وأخلاقية واجتماعية مفصلة..

ولعل من الأسباب في انتشار المعاصي النوعية وعدم التفات الناس عادة إليها وعدم حذرهم منها وعدم مكافحتهم لها، يعود فيما يعود، إلى ذلك، أي إلى عدم تثقيف العلماء والمفكرين والخطباء والكتاب، الناسَ على أنواع المعاصي النوعية وأصنافها وعلى مخاطرها وأضرارها بل وكونها من أعظم المعاصي وأكبرها وكون العقوبة عليها أشد من العقوبة على المعاصي الشخصية وقد قال الإمام السجاد عليه السلام: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلُومٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْهُ))(17)

من آثار الظلم وعقوباته

وقد ورد في الكافي: ((عن علي بن إبراهيم عن شيخ من النخع قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إِنِّي لَمْ أَزَلْ وَالِياً مُنْذُ زَمَنِ الْحَجَّاجِ إِلَى يَوْمِي هَذَا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ فَسَكَتَ ثُمَّ أَعَدْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَا حَتَّى تُؤَدِّيَ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ))(18) وكم مِن مظلمة يظلمها الولاة والحكام؟ وكيف يستطيع ان يؤدي الوالي الظالم إلى الذين سجنهم وعذبهم – مثلاً – حقوقهم؟ أو كيف يمكنه ان يعطي الأيتام والأرامل حقوقهم وقد قتل آباءهم أو تسبب، بنحوٍ أو آخر، في ذلك؟

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: ((مَا مِنْ مَظْلِمَةٍ أَشَدَّ مِنْ مَظْلِمَةٍ لَا يَجِدُ صَاحِبُهَا عَلَيْهَا عَوْناً إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ))(19) وجرائم الحكام بحق الناس هي عادة كذلك أي لا يجد الناس ناصراً عليها إلا الله تعالى فهي أشد المظالم.

ونظيرها ما ورد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال: ((لَمَّا حَضَرَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ع الْوَفَاةُ ضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ ثُمَّ قَالَ يَا بُنَيَّ أُوصِيكَ بِمَا أَوْصَانِي بِهِ أَبِي عليه السلام حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَبِمَا ذَكَرَ أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَاهُ بِهِ قَالَ يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَظُلْمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيْكَ نَاصِراً إِلَّا اللَّهَ))(20)

قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ((اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّهُ ظُلُمَاتُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ))(21) وكلما كان الظلم أشد وأوسع دائرةً ونطاقاً كانت الظلمات أشد.

وعَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى مَوْلَى آلِ سَامٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام ((مُبْتَدِئاً مَنْ ظَلَمَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَنْ يَظْلِمُهُ [أَوْ عَلَى عَقِبِهِ‏] أَوْ عَلَى عَقِبِ عَقِبِهِ قُلْتُ هُوَ يَظْلِمُ فَيُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَى عَقِبِهِ أَوْ عَلَى عَقِبِ عَقِبِهِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً))(22)

وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ فِي مَمْلَكَةِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَّارِينَ أَنِ ائْتِ هَذَا الْجَبَّارَ فَقُلْ لَهُ إِنَّنِي لَمْ أَسْتَعْمِلْكَ عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ وَ اتِّخَاذِ الْأَمْوَالِ وَ إِنَّمَا اسْتَعْمَلْتُكَ لِتَكُفَّ عَنِّي أَصْوَاتَ الْمَظْلُومِينَ فَإِنِّي لَمْ أَدَعْ ظُلَامَتَهُمْ وَ إِنْ كَانُوا كُفَّاراً))(23)

بل ورد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ قَالَ: ((مَنْ عَذَرَ ظَالِماً بِظُلْمِهِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَنْ يَظْلِمُهُ فَإِنْ دَعَا لَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ وَ لَمْ يَأْجُرْهُ اللَّهُ عَلَى ظُلَامَتِهِ))(24) تصوروا: مجرد ان يعذر الظالم بظلمه فان الله يعاقبه بان يسلط عليه من يظلمه، ومن اسوأ أنواع اختلاق الأعذار للظالم، تبرير أعماله باقتضاء الضرورات الأمنية!

وان من أعظم المعاصي النوعية خذلان أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، ومن أظهر مصاديقه خذلانهم في حفظ حرمة مشاهدهم وآثارهم وإهمال الالتزام بمناهجهم وأفكارهم وأذكارهم، والتهاون في رعاية شيعتهم وأتباعهم.

ومن الجدير في الخاتمة الإشارة إلى بعض أنواع عقوبات العصاة، والتي تشمل كلا القسمين من المعصية، عسى ان تكون تذكرة لنا لتجنب محالِّ سخط الله، ولتشمير الساعد لنصرة أولياء الله، وللاهتمام أكثر فأكثر لإحياء أمرهم عليهم السلام بإحياء ذكرهم وبث علومهم وإعمار مراقدهم الشريفة واستنقاذها من أيدي الظلمة والجبارين.

ان العبد ليحبس على ذنب مائة عام!

فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كما في الكافي الشريف ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْبَسُ عَلَى ذَنْبٍ مِنْ ذُنُوبِهِ مِائَةَ عَامٍ وَ إِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى أَزْوَاجِهِ فِي الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمْنَ))(25)! ويستفاد من الحديث ان هذا رجل من أهل الجنة أي انه كتبت له الجنة وبُشِّر بها – بل سمح له بالنظر إليها، ولكنه مع ذلك يحبس في احدى عرصات المحشر مائة عام لأجل ذنب واحد من ذنوبه؟ أقول: ولعل ذلك الذنب يكون تقاعسه عن نصرة أهل البيت عليهم السلام وعن إحياء أمرهم؟ بل وقد تكون عقوبة ذلك أشد من هذه العقوبة بكثير!

ولكي نفهم معنى ذلك لنقارن ذلك بحال الدنيا فأيّ منا يتحمل ان يسجن مائة عام؟ بل عشرة أعوام؟ بل حتى عاماً واحداً؟ بل ان البعض منّا لا يتحمل سجن يوم أو ساعة، بل وفوق ذلك فانه حتى إذا سجن الإنسان في غرفةٍ مريحة أو في منزله فانه يصاب بمرض الكآبة بل تجده يكاد يتميز من الغيظ ويتمزق من الألم كلما مرت عليه الأيام والأسابيع فكيف بالأشهر والسنين!!

ولا يُؤذَن له بدخول الجنة لذنب واحد، عاماً كاملاً!

بل ورد عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم عقاب آخر لا يقل إيلاماً عن الأول وإن كان اقل زمناً إذ ورد عنه قوله: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَجْلِسُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مِقْدَارَ عَامٍ بِذَنْبٍ وَاحِدٍ وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى أَكْوَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ))(26) ولاحظ الفرق إذا الرواية السابقة تتحدث عن الحبس وهذه تتحدث عن الجلوس عند باب الجنة، وهذا يعني انه خرج من الحبس أو لم يدخل فيه ووصل إلى باب الجنة لكنه يغلق بوجهه أو لا يؤذن له بالدخول فيه!

ولا يتوهم ان الجلوس عند باب الجنة لطيف!

إذ يجاب: بانه لطيف في حد ذاته لكنه لمن يريد دخولها من غير ان يؤذن له، مؤلم جداً؛ ألا ترى ان المسافر إذا قدم من السفر وطرق باب داره أو حتى قصره فلم يفتحوا الباب فانه يتألم جداً وإن كانت المنطقة خارج القصر بستاناً رائعاً!

وفي ذينك الحديثين وغيرهما عبرة لنا وأية عبرة؛ فان أية معصية تصدر من الإنسان – لا سمح الله – شخصيةً كانت أو نوعيةً – فلعل عقوبتها أو بعض عقوبتها يكون ذلك.. افلا يجدر بنا الاعتبار والصبر عند المعاصي والاصطبار لنكون ممن ((صَبَرُوا أَيَّاماً قَلِيلَةً فَصَارُوا بِعُقْبَى رَاحَةٍ طَوِيلَةٍ))(27)؟

ويكفي ان نختم بهذا الحديث الشريف قال عليه السلام: ((مَا لَكُمْ تَسُوؤنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه واله وسلم؟ فَقَالَ رَجُلٌ: كَيْفَ نَسُوؤُهُ؟! فَقَالَ: أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَى فِيهَا مَعْصِيَةً سَاءَهُ ذَلِكَ، فَلَا تَسُوؤا رَسُولَ اللَّهِ وَسُرُّوهُ))(28).

وسنكمل الحديث في الأسبوع القادم بإذن الله تعالى.

اللهم أغفر ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وأعف عنا وارحمنا، وأجعلنا ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بنا غيرنا وعجل لوليك الأعظم الفرج في عافية منا آمين رب العالمين.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

.............................................
(1) سورة البقرة: آية 114.
(2) نعمان بن محمد التيميمي المغربي، دعائم الإسلام، دار المعارف – مصر، 1385هـ، ج1 ص120. وتفسير الصافي، منشورات مكتبة الصدر – طهران، ج1 ص181-182.
(3) سورة الجن: آية 18.
(4) تفسير الإمام العسكري عليه السلام، ص560. وتفسير الصافي، منشورات مكتبة الصدر – طهران، ج1 ص182.
(5) اللهم إلا ان يقف البناء، دون الأرض المستأجرة إذا كانت مدة الإجارة طويلة جداً بحيث لا يبقى البناء عادة بعدها. فتأمل
(6) فتأمل.
(7) سورة النور: آية 36-38.
(8) كقراءة القرآن بصوت عال، أو بدون ذلك لمدة طويلة.
(9) مثلاً قضت محكمة إسرائيلية بإغلاق مبنى باب الرحمة داخل المسجد الأقصى عام 2019 كما أغلقت الحكومة الإسرائيلية المسجد الأقصى مراراً ومنعت إقامة الصلاة فيه.
(10) سورة الإسراء: آية 1.
(11) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، 1413هـ، ج1 ص229.
(12) 8 شوال 1440هـ.
(13) سورة محمد: آية 7.
(14) سورة الرعد: آية 11.
(15) الشيخ الطوسي، الأمالي، دار الثقافة للنشر – قم، 1414هـ، ص58.
(16) نهج البلاغة: حكم أمير المؤمنين عليه السلام/ 18.
(17) الصحيفة السجادية: ص166.
(18) ثقة الإسلامي الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج2 ص331.
(19) المصدر نفسه.
(20) المصدر نفسه.
(21) المصدر نفسه، ج2 ص332.
(22) المصدر نفسه.
(23) المصدر نفسه، ج2 ص333.
(24) المصدر نفسه، ج2 ص334.
(25) المصدر نفسه: ج2 ص272.
(26) نوادر الرواندي: ص4.
(27) ثقة الإسلامي الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج2 ص131.
(28) المصدر نفسه: ج1 ص219.

انقر لاضافة تعليق