بقلم: تيموثي سي بيرز

يعكف الباحثون، منذ أوائل الخمسينيات من القرن المنصرم، على دراسة الصورة العامة للكيفية التي تجمَّعت بها النجوم في مجرتنا، وأوقات حدوث هذه التجمُّعات. وصحيحٌ أنه يُمكن معرفة الكثير عن هذه العملية باستكشاف التركيب الكيميائي للنجوم، الذي يتحدَّد، بدوره، عن طريق «تاريخ ميلاد» كل نجم من النجوم (أي الوقت الدقيق الذي تكوَّن فيه من العناصر الكيميائية الموجودة بالجوار)، إلا أنَّ هذه الدقة تستلزم ساعةً استثنائية. وقد لاحظ العلماء أنَّ الطور شبه العملاق، الذي يمرُّ به النجم في أثناء تطوره، يُتيح أدق ساعة نجمية ممكنة. ومن ثَمَّ، يستعين الباحثان ماوشينج شيانج وهانز-والتر ريكس، في دراسة نُشرت مؤخرًا على صفحات دورية Nature2، بهذه الطريقة لتحديد أعمار حوالي ربع مليون نجم من النجوم شبه العملاقة، في الهالة والقرص الداخليين في مجرة درب التبانة، كاشفَين بذلك عن تسلسل الأحداث الفلكية المُكوِّنة لمجرّتنا.

كانت الخيوط الإرشادية الأولى، المتعلقة بتكوُّن مجرة درب التبانة، قد انبثقت من دراساتٍ عن تركيب الأغلفة الجوية النجمية، ما كشف عن وجود عناصر ثقيلة بدرجات وفرة مختلفة عنها في الشمس. وغالبًا ما يُعبَّر عن درجات الوفرة هذه تعبيرًا ذا مُعاملات مُحدّدة كَمِّيًا، تُعرَف بالتركيب المعدني للنجم؛ وهي نسبة لوغاريتمية، تُقارن بين رقم كثافة الحديد في نجم مُعيِّن، مقسومةً على رقم كثافة الهيدروجين، وبين النسبة المناظِرة في الشمس. وقد تبيَّن أنَّ البنية الأبرز في المنطقة الواقعة في الجوار الشمسي، أي قرص مجرة درب التبانة، مأهولة في الأساس بنجومٍ ذات تركيبات معدنية مقارِبة للتركيبات المعدنية الشمسية، بينما ظَهَرت في نجم واحد تقريبًا، من بين ألف نجم، تركيباتٌ معدنية أقل بكثير، تقلُّ عن 1% من مستويات التركيبات المعدنية الشمسية. وقد حدَّد الباحثون أن هذه النجوم جزء من هالة المجرة.

ثم شهدت ثمانينيات القرن الماضي بداية تشكُّل تصوُّرٍ أكثر تفصيلًا عن بنية مجرة درب التبانة، مع إدراك أنَّ القرص يتكون على الأقل من عنصرين أساسيين: قرص رفيع (يتضمن الشمس)، وقرص سميك أطول امتدادًا في الاتجاه الأفقي4،5. ويبدو أنَّ القرصين كليهما يدوران بسرعة حول مركز المجرة، لكنهما يختلفان في تركيبيهما المعدنيين المتوسطين. فالنجوم الواقعة في القرص الرفيع لها تركيب معدني مُقارب للتركيبات المعدنية الشمسية، في حين أنَّ قيم التركيبات المعدنية للنجوم الواقعة في القرص السميك أقلُّ بأربع مرات تقريبًا من تركيبات الشمس المعدنية7. بل وأظهرت بعض الدراسات التفصيلية، التي أجريت على نجوم الأقراص السميكة بعد ذلك، أنَّ عددًا قليلًا منها له تركيب معدني أقل من ذلك بكثير: يقلُّ عن التركيب المعدني الشمسي بنح 150 مرة على الأقل9،8. كما تبيَّن أنَّ الهالة نفسها تضمُّ مكوِّنين على الأقل: الهالة الداخلية والهالة الخارجية، اللتين تتسمان بخصائص حركية وكيميائية مختلفة10،11. وهكذا، كان الشيء الوحيد الواضح أنَّ التعقيد يسود كل أنحاء مجرة درب التبانة.

تحديد تاريخ ميلاد النجوم شبه العملاقة في مجرة درب التبانةحدد الباحثان ماوشينج شيانج وهانز-والتر ريكس2 أعمار النجوم في الطور شبه العملاق من التطور (وهو الطور الذي يحدث عند نضوب الهيدروجين في لُب النجم) لفهم الكيفية التي تكوَّنت بها مجرة درب التبانة. رسم الباحثان مخططًا بيانيًّا بين شدة السطوع (التي تُقاس بوحدة القيمة المُطلقة) ودرجة الحرارة السطحية، باستخدام البيانات المُستمدة من بعثة «جايا»، التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، وتلسكوب «لاموست»، واشتقَّا في البداية قياساتٍ تقريبية للتركيب المعدني (الذي يشير إلى نسبة لوغاريتمية بين رقم كثافة الحديد ورقم كثافة الهيدروجين)، قياسًا إلى تركيب الشمس المعدني. ثم استطاعا تحديد أعمار 247,104 نجوم شبه عملاقة بدقةٍ عن طريق المقارنة بين المخطط وخطوط نظرية مُعبِّرة عن أحداث متزامنة (وهي خطوط تمثل نجومًا ذات أعمار وتركيبات معدنية متقاربة) عند تلك الوفرة المعدنية المقابلة لأعمار تتراوح بين مليار سنة و20 مليار سنة.

ثم جاءت بعثة «جايا» Gaia، التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، ومعها مجموعة بالغة الدقة من بيانات أكثر من مليار نجم في كل أنحاء المجرة، ما أضفى تحسينًا كبيرًا على تحليلات مكوِّنات القرص والهالة. تُتيح هذه البيانات قياساتٍ فلكية هامَّة، من بينها المسافة البينية بين النجوم، ومقدار الحركة الزاوية للنجوم في السماء. وعند دمج بيانات بعثة «جايا» مع بيانات بعض عمليات المسح القائم على التحليل الطيفي، مثل مشروع «مسح سلون الرقمي للسماء» Sloan Digital Sky Survey13، ومسح «التلسكوب الطيفي الليفي المتعدد» (المعروف اختصارًا بتلسكوب «لاموست» LAMOST)14، فإنها تُمكِّن علماء الفلك من الوقوف على أصل العناصر البنيوية المختلفة في القرص والمجرة، وتوصيفها بدقة.

واستنادًا إلى قوة هذه البيانات، أُنشئت ارتباطات وثيقة بين نجوم الهالة والنجوم الواقعة في بقايا المجرات الأصغر، مثل مجرة الكوكبة القزمة المعروفة بكوكبة «القوس» Sagittarius15. ويُمكن للتفاعلات بين بعض هذه المجرات التابعة ومكوِّنات الأقراص، بالإضافة إلى تفاصيل هجرة النجوم داخلها، أن تُفسِّر التعقيد المرصود في المجرّات.

ولكن بالرغم من وجود هذا الطوفان من المعلومات، تتبقى فجوة بالغة الأهمية؛ كان علماء الفلك بحاجة إلى أداة لتحديد أعمار أعدادٍ كبيرة من النجوم المفردة في أنظمة الهالة والقرص، ليُنتجوا تسلسلًا زمنيًّا بالأحداث المتعددة التي أسفرت في نهاية المطاف عن تشكُّل مجرة درب التبانة بشكلها المرصود حاليًّا. وحيث إنَّ النجم يتكوَّن من الغاز الموجود في الجوار، فإن تكوُّن نجمٍ يدلُّ على وفرة العناصر المكوِّنة لهذا الغاز في مكان وزمان ميلاده. ونظرًا إلى أنَّ درجات وفرة العناصر الموجودة على سطح النجوم منخفضة الكتلة لا تتغير على مرِّ أعمارها الطويلة، فعن طريق تحديد عمر كل نجم (أو، بالأحرى، لحظة ميلاده)، يُمكن وضع نموذج يُعيد تمثيل تاريخ تجمُّع نجوم المجرة.

وعلى مدى عقود عدّة، وضع الباحثون حساباتٍ تقريبية لأعمار النجوم، مستخدمين مناهج مختلفة، ذات قدرٍ متنامٍ من الدقة والموثوقية. وتعتمد هذه الطرائق جميعها على فهمنا لعملية تطور النجوم؛ أي كيفية تغيُّر تركيب النجم على مدار حياته، مع نضوب وقود الهيدروجين في لُبِّه تدريجيًّا خلال عملية الاندماج النووي. فعندما لا يتبقى للنجوم منخفضة الكتلة، ومنها الشمس، هيدروجين في لُبها لتحرقه، تلجأ إلى التماس طُرُق بديلة لتجنب الانهيار.

وتتضمن إحدى هذه الطُرُق إطلاق طاقة الوضع، القائمة على قوى الجاذبية، من خلال تقلص اللب النجمي، في عملية تُمثِّل بداية مرحلة تُعرف باسم الطور شبه العملاق. ويمتاز هذا الطور بقِصَر عمره إلى حدٍ بعيد (في يزيد في العادة على بضعة ملايين من السنين)، وينتهي عندما يدخل النجم الطور العملاق من أطوار تطوره، حين يؤدي اشتعال الهيدروجين في الغلاف المحيط باللب إلى حدوث تمدُّد سريع في طبقاته الخارجية. ويُتيح الطور شبه العملاق وضع تقدير أدق لعمر النجم، بالنظر إلى وجود ارتباط مباشر بين عُمره وشدة سطوعه. ولما كان الطور شبه العملاق قصير العمر، فإن العثور على مثل هذه النجوم ليس من السهولة بمكان.

غير أنَّ الباحثَين شيانج وريكس استغلا كثرة البيانات التي أمكن جمعها من بعثة «جايا» وتلسكوب «لاموست»، لتحديد بعض النجوم التي ما زالت تجتاز هذا الطور القصير جدًّا. اعتمد الباحثان على هذه البيانات في رسم مخطط بياني يوضِّح العلاقة بين شدة سطوع النجم، ودرجة حرارة سطحه، ويُمكن مقارنة هذا المخطط مباشرةً بخطوطٍ نظرية مُعبِّرة عن الأحداث المتزامنة (أي خطوط تُمثِّل نجومًا متقاربة الأعمار عند تركيبٍ معدني معين)، ومن ثم استخدام هذه الخطوط لتحديد أعمار النجوم، خصوصًا عندما تكون المسافات الفاصلة بين هذه الخطوط. وحالما يُعرَف التركيب المعدني للنجم، يُشير موضع الخط المُعبِّر عنه إلى عمره. وعبر هذا النهج، تمكَّن الباحثان من تحديد تواريخ ميلاد 247,104 نجوم من النجوم شبه العملاقة، والحصول على ساعة تُتيح معرفة عمر النجوم بدقةٍ تفُوق دقة الوسائل التي كانت مُستخدَمة سابقًا.

وبالجمع بين هذا النهج، وبين قياسات وفرة العناصر الكيميائية على أسطح النجوم، وحركاتها في المجرة، استطاع الباحثان التمييز بين المكوِّنات النجمية المتعددة، والبيئات التي تكونت فيها النجوم المفردة. ووجدا دليلًا على أنَّ القرص السميك بدأ في التكون منذ حوالي 13 مليار سنة، أي بعد 800 مليون سنة فقط من الانفجار العظيم. وتشير بياناتهما أيضًا إلى أنَّ تجمُّع الهالة المجرِّية الداخلية قد انتهى بعد ذلك بملياري سنة.

وهكذا، قدَّم الباحثان شيانج وريكس نهجًا مبتكرًا لتقدير تواريخ ميلاد النجوم، ونجحا من خلاله في وضع تصوُّر أفضل للكيفية التي تكوَّنت بها مجرَّتنا. وهذا النهج قابل للتطبيق على نطاق أكبر، ما يعني أنَّه عند توافر بياناتٍ لعيّنات أكبر من النجوم في مجرة درب التبانة، ستُصبح هذه الصورة أكثر وضوحًا.

اضف تعليق