بعد تبريرات استمرت لأكثر من سنة ونصف، بسوء التخزين والتماس الكهربائي وعدم مراعاة ضوابط السلامة، وراء انفجارات مستودعات الأسلحة التابعة للحشد الشعبي في كلا من بغداد وكربلاء والنجف ومواقع أخرى، كان آخرها مستودع معسكر الصقر في بغداد وقاعدة بلد وكركوك، خرجت النتيجة بشكل علني ومفاجئ بأن ذلك في أغلبه لم يكن صحيحا!، وأن هنالك أيادي خفية تعمل على استهدفت مقرات الحشد الشعبي في العراق.

فبعد الغارة بطائرة مسيرة يعتقد بأنها إسرائيلية على رتل للحشد الشعبي في مدينة القائم العراقية، تغير نمط التصريحات وتسارعت البيانات والاستنكارات للظهور على الأحداث الجارية في المنطقة، ليحتدم السجال عن أسباب استهداف مقرات الحشد الشعبي؟، ولماذا لم يكشف النقاب عن الجهة المتورطة؟ منذ أكثر من سنة، فهل جاءت هذه العمليات لتحجيم دور الحشد الشعبي أم لإنهائه؟، وما هو الدور الأمريكي والإسرائيلي والإيراني في هذه اللعبة؟، ومن المسؤول عن حماية الأجواء العراقية؟، ولماذا تشير أصابع الاتهام إلى إسرائيل فقط؟، وهل ستؤثر هذه العمليات على العلاقات بين بغداد وواشنطن، وما هو مصير اتفاقية الإطار الإستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة؟.

وسائل إعلام عربية وغربية سلطت الضوء على الأحداث المتكررة والغامضة التي طالت مقرات الحشد الشعبي في العراق، وما ترافق معها من تسريبات وتلميحات تشير إلى تورط تل أبيب في إدارة هذه الهجمات، بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تسيطر علی الأجواء العراقية من أجل استهداف أذرع إيران التي تحاول تمدد نفوذها للتقليل من حدة العقوبات المفروضة عليها.

واتهمت قوات الحشد الشعبي، إسرائيل، للمرة الأولى رسميا بالوقوف وراء الهجوم. وقالت القوات إنه "ضمن سلسلة الاستهدافات الصهيونية للعراق عاودت غربان الشر الإسرائيلية استهداف الحشد الشعبي"، مشيرة إلى أن "هذا الاعتداء السافر جاء مع وجود تغطية جوية من قبل الطيران الأمريكي للمنطقة، فضلا عن بالون كبير للمراقبة يخيم على أجواء بغداد".

وكان نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، المدرج على اللائحة السوداء للولايات المتحدة، اتهم القوات الأميركية، بأنها "المسؤول الأول والأخير" عن الهجمات التي جرت "عن طريق عملاء أو بعمليات نوعية بطائرات حديثة"، فيما خفف رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض مستشار الأمن الوطني لدى الحكومة العراقية، من حدة هذه الاتهامات مبينا "إن التحقيقات الأولية كشفت أن الحوادث كانت بعمل خارجي مدبر، وأن التحقيقات ستستمر للوقوف بشكل دقيق على الجهات المسؤولة من أجل اتخاذ المواقف المناسبة بحقها.

وفي المقابل نفت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) الاتهامات، وقال متحدث باسم الوزارة: "لسنا متورطين في الإنفجارات التي وقعت أخيرا"، مؤكدا أن الوجود الأميركي في العراق هو لدعم جهود البلاد ضد المتشددين. فيما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لمح، إلى إحتمال ضلوع إسرائيل في هجمات ضد أهداف مرتبطة بإيران في العراق.

وأصدر رئيس وزراء العراق عادل عبد المهدي قرارا "بإلغاء كافة الموافقات الخاصة بالطيران في الأجواء العراقية سواء من الاستطلاع، والاستطلاع المسلح، والطائرات المقاتلة.

حيث تسابقت التحليلات السياسية على المستوى المحلي والدولي بخصوص الأحداث الجارية وولدت عاصفة من الآراء لعدد من الباحثين والأكاديميين كان منها:

تصعيد مقصود بضوابط

الباحث في جامعة بغداد الدكتور أحمد الميالي، أوضح أن استهداف سيادة ثلاثة دول عربية قريبة من محور المقاومة يشكل خرقا سافرا وخطيرا لقواعد الاشتباك المعروفة ويبدو أن التصعيد له مبررات داخلية وخارجية ومنها:

1. إن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتانياهو غارق في عدة فضائح فساد مالي وهو بحاجة للتصرف بما يقنع الداخل الإسرائيلي أنه حامي إسرائيل خاصة وأنه لم يبقى إلا عدة أيام من الانتخابات التشريعية (الكنسيت).

2. محاولة دفع إيران وهي منهكة جراء العقوبات الأميركية للتعرض بشكل محدود للمصالح الأمريكية أو الإسرائيلية لتبرير قيام إسرائيل فتح جبهة جديدة موضعية مع إيران في الدول الثلاثة. مع الأخذ بنظر الإعتبار أن إندلاع الحرب حتى ولو كانت محدودة فلن يكون أحد قادر على التحكم بمسارها.

3. تقطيع أذرع إيران في المنطقة لأنهم يدركون تماما أنها لا تتحمل حرب عسكرية مباشرة، وهذا الضغط المتوازي على أدواتها، هو ما سيدفع إلى إيجاد حل سياسي مقبول، يدفع إلى إتفاق جديد.

4. مع ذلك، يبقى هذا التصعيد محدودا لا يتجاوز استخدام سلاح طائرات الدرونز المسيرة، لكنه يبقى تطور سياسي مهم لم يكن موجودا بهذا الاتساع والجرأة.

5. حصول إسرائيل وأمريكا على مصداق للتفرقة العربية والضدية لإيران عربيا سياسيا ونخبويا إزاء هذا التصعيد إذ أن هذا الاستهداف يعد خرقا لسيادة ثلاثة دول عربية لكن الصمت كان ولازال سيد الموقف.

اشتباك إقليمي

الباحث في جامعة الكوفة الدكتور أسعد كاظم شبيب، أوضح أن هذا الاستهداف من المرجح أن يكون غايته إرغام إيران على التفاوض حول تقليص نفوذها الإقليمي، وإذا لم تستجب إيران قد يتطور إلى اشتباك إقليمي مفتوح.

خيبة أمل

الباحث في جامعة بغداد الدكتور طارق عبد الحافظ الزبيدي، أشار إلى أن الهدف من التصعيد هو إضعاف أي قوة قد تشكل تهديد لإسرائيل في الحاضر والمستقبل، وتحاول إسرائيل استغلال الفرص ومنها (التصعيد الأمريكي الإيراني) إقليميا و(التوترات ما بين الحشد والحكومة) محليا، وقد يكون العراق المكان الأخطر حسب الرؤيا الإسرائيلية، فالأخيرة اليوم تنتظر ردة الفعل، وستكون الضربات القادمة بحسب ردة الفعل، بمعنى كلما استمر السكوت زادت الضربات، مما يمثل سكوت الحكومة العراقية وعدم اتخاذها أي قرار ولا حتى تصريح، خيبة أمل لجميع العراقيين.

صفقة كبرى

الشيخ مرتضى معاش المشرف العام لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، تساءل: هل يمكن القول أن استهداف الحشد الشعبي وحزب الله يأتي ضمن صفقة شاملة لتصفية القوات الحليفة لإيران؟، فإيران لا تستطيع أن تأمر حلفائها مباشرة وتفكك قواتهم لأنها سوف تخسرهم، وليس هناك أفضل من إسرائيل للدفع بها أن تمارس دور اللعب على حافة الهاوية والتهديد بالاستئصال والحرب؟، في مقابل حصول إيران على ثمن كبير برفع العقوبات أو تقليلها، وقد كشف الأمريكان سابقا عن مفاوضات مع إيران حول طالبان.

لذلك يرى البعض أن اتهام إسرائيل هو تضليل عن الهدف الحقيقي، فليس لإسرائيل تلك الجرأة، وسوف نرى تطورات كبرى تستهدف كل القوى العسكرية غير الرسمية في سوريا والعراق ولبنان بمشاركة أمريكا وروسيا وتركيا وإيران.

مفخخات السماء

مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية الأستاذ عدنان الصالحي، يرى أن القضية أكبر من استهداف مقرات قوات الحشد الشعبي، بل هي قضية قد تمهد لعمليات أكبر تستهدف شخصيات مهمة سياسية أو رجال دين في العراق والذي حصل هو جس نبض أو قل تمهيد لعمليات اغتيال قد تطال شخصيات ذات أثر كبير، وهذا ما نتوقعه في المستقبل، وهذا الاستهداف قد يحصل في مناطق مهمة قد تكون في داخل العاصمة العراقية، وبذلك يكون العراق قد يواجه إرهاب وتهديد من نوع جديد وهو الخرق الأمني الجوي، بدلا عن الاستهداف بالسيارات المفخخة، وكل الخوف أن تدخل المجاميع الإرهابية على خط الأزمة وتستغل الطائرات المسيرة المفخخة لضرب تجمعات مكتظة بالسكان أو محطات توليد الطاقة، وبذلك سنكون أمام كارثة حقيقية وبداية نفق مظلم لإرهاب جديد تحاول فيه المجاميع الإرهابية زج العراق بحرب مع عدو شبحي، وأكبر تهديد قد يحدث هو استهداف الزيارات المليونية، والذي قد يفجر صراع دموي في المنطقة والعالم وهنا تكمن المخاوف الحقيقية.

اغتيالات لشخصيات

الباحث في جامعة بابل الدكتور قحطان حسين، يرى أن الهجمات الإسرائيلية فتحت أبوابها على مقرات تابعة للحشد الشعبي في العراق للتصعيد الأمني والسياسي، فمن المتوقع أن لا تقتصر تداعياته على العلاقات الأمريكية العراقية فقط بل حتى على طبيعة العلاقة مابين الحكومة العراقية وفصائل معينة داخل الحشد متهمة بتبعيتها لإيران، فالوضع الأمني العراقي الهش قد أجبر العراق على توقيع اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة تتعهد فيها الولايات المتحدة بالتعاون مع الحكومة لحفظ استقرار العراق أمنيا، ويبدو أن تراجع الأمريكان عن تعهداتهم فيما يخص تأمين الأجواء العراقية من أي اعتداءات خارجية قد يثير ردود فعل رسمية وشعبية مطالبة بإعادة النظر بالاتفاقية الأمنية مابين العراق والولايات المتحدة، وأيضا قد تحفز من جديد الأصوات المطالبة بخروج القوات الأمريكية من العراق بدعوى عدم الجدوى من وجودها طالما لم تؤدي ما عليها من واجبات، كل هذا قد يخلق أجواءا متوترة مابين الحكومة العراقية غير المنسجمة ومابين الإدارة الأمريكية.

من جانب آخر، شكلت ردة فعل الحكومة العراقية على حادثة الهجمات الإسرائيلية على مقرات الحشد الشعبي صدمة لقيادات الحشد كونها لم ترتقي لجسامة الحدث وخطورته باعتباره خرقا فاضحا لسيادة دولة العراق، وبما أن ضعف الحكومة العراقية وافتقارها للقدرات اللازمة لرد حازم تجاه إسرائيل سيجعل من موقفها غير ملبي لطموحات قيادات الحشد، فمن غير المستبعد أن تلجأ بعض فصائل الحشد إلى قرارات منفردة بعيدا عن توجهات الحكومة مما قد يؤزم العلاقة مابين الطرفين.

أما على صعيد المواقف المحلية فتباين المواقف السياسية من هذه الهجمات مابين رافض ومندد وآخر صامت، قد يمهد لاحتقان سياسي بنكهة طائفية قد تستغل من قبل جهات داخلية وخارجية لإثارة نزاعات على أساس طائفي تحمل في جنباتها احتمالية تصفيات سياسية قد تتطور لحرب طائفية في ظل ضعف حكومي واضح وغياب دعم أمريكي لاستقرار العراق كنتيجة لعدم رضا الإدارة الأمريكية عن أداء الحكومة العراقية.

التوصيات

يرى خبراء بأن أغلب الآراء تتمحور في نقاط ضرورية يجب على الحكومة الأخذ بها منها:

1. التحقق من مصادر الطائرات المسيرة أو الجهات المخططة أو المنفذة والمناطق التي تم اختراق الأجواء منها، وهل هي داخلية أم خارجية وكذلك التركيز على كيفية تسريب المعلومات حول تحركات القطعات الأمنية والحشد.

2. الكشف عن هذه الجهة بعد التأكد منها وبالتفاصيل للرأي العام لتوحيد المواقف وعدم ترك الساحة الإعلامية للمهاترات والاتهامات غير المسنودة بدليل.

3. تقديم شكوى موثقة إلى مجلس الأمن حول الجهة الداعمة والمنفذة لهذه العلميات.

4. الشروع الفوري بالحصول على سلاح جو فعال ومتطور.

5. توحيد الخطاب والموقف السياسي والنخبوي لحفظ سيادة العراق، الذي يعد نصف مستلزمات الرد والمواجهة.

6. إعادة النظر بالاتفاقية الأمنية واتفاقية الإطار الإستراتيجي مع الولايات المتحدة.

7. مراجعة سريعة وحاسمة لقانون تواجد القوات الأجنبية في العراق.

8. استدعاء سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن جميعا وإبلاغهم وإحاطتهم بالإستهداف المذكور.

9. استدعاء ممثلي المنظمات الدولية والإقليمية لذات الأمر.

10. تغيير مواقع المستودعات وإبعادها عن المناطق السكنية وجعلها بالغة السرية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001–2019Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق