إسلاميات - الإمام الشيرازي

الإمام جعفر الصادق: سيرةٌ وضّاءة في العلم والفضائل

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(من المعروف أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) كان يحثّ أصحابه على التفقّه ونشر العلوم)

الإمام الشيرازي

تغمرنا نفحات من السعادة ونحن نعيش في هذه الأيام ولادة الإمام الصادق (عليه السلام)، هذه الولادة الكريمة التي أضفت على المسلمين نورا من العلم أسعف العقول بالكثير من حُزَم الأخلاق الفاضلة والقيم الصالحة، فساعدتها على المعرفة والتفقّه، ورفدتها بالعلوم المهمة، وفهم الأحكام التي تنتظم في مساراتها الحياة، لتغدو أكثر عدلا وإنصافا وإيمانا.

الاطلاع على سيرة الإمام الصادق (عليه السلام) تبيّن للمطَّلع ازدهار العلم في عهده، وتوضّح تلك الجهود العظيمة الاستثنائية التي بذلها الإمام الصادق في نشره للعلوم، من خلال الوسائل المتاحة آنذاك، فازدادت أماكن التعليم ودخل الآلاف من طلبة العلم في مجالس التعليم، ونهلوا من فكر الإمام الصادق (ع) الكثير الكثير.

وقد زادت هذه العلوم كمالا وجمالا، بما كان يتحلى به الإمام من صفات عبادية كريمة، أشاد بها كل من التقى الإمام الصادق (ع) عن قرب، كأن يكون أحد طلابه، وقد تأثر الطلبة بأخلاق الإمام وأخذوا الكثير من خصاله، وجلّها خصال إيمانية تمنح الإنسان دفقا من السعادة والهدوء والاطمئنان، كونها تنطلق من العمق الإيماني الكبير للإمام (عليه السلام).

قال مالك بن أنس: (جعفر بن محمد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال: إما مصل، وإما صائم، وإما يقرأ القرآن. وما رأيته يحدث إلا على طهارة).

هكذا كان الإمام الصادق (عليه السلام) يعيش أيامه، وقد نذرها جميعا للعلم، وللتعليم، وللفقه، ولأداء الفرائض التي تقوّي الإرادة وتدعمها، وتزيد من نموذجية الأهداف التي سعى إليها الإمام، ومن ثم زرعها في قلوب ونفوس المسلمين، فمنحه هذا السعي الحثيث مكانة كبيرة بين طلابه، وأسبغوا عليه ألقابا كبيرة وصفات عظيمة يستحقها، كونها أُخِذَت من صلب شخصيته، ومن أعماله الكبيرة وأقواله الكريمة، وسعيه لتنوير الجميع بعلْمهِ.

صفات الإنسان عنوانٌ لشخصيته

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يذكر لنا ألقاب الإمام الصادق في كتابه القيم الموسوم بـ (المعصوم الثامن الإمام جعفر بن محمد عليهما السلام) فيقول:

(من ألقاب الإمام الصادق (عليه السلام(، الصادق، والعاطر، والطاهر، والفاضل، والكافل، والمنجي، والقائم. وأشهرها هو الصادق حيث شاع هذا اللقب وصار بديلاً عن اسمه، وذكر بعض المؤرخين وجوهاً لهذا اللقب منها: أنه لُقّب بالصادق لصدقه في مقالته، أو لأنه لم يعرف عنه الكذب قط).

من الصفات أعلاه يستطيع الدارس والباحث فهم شخصية الإمام الصدق (عليه السلام)، ويسبر أغواره، فما كان الناس يمنحون صفة الصدق للإمام لو لم تكن حاضرة في أعماله وأفعاله ووعوده ومواقفه، ولابد أن الصدق كان يتخلل جميع تعاملاته مع مختلف الناس، ومع طلابه، وبعد أن أيقنوا وجود هذه الصفة في جميع تعاملاته أسبغوا على شخصيته هذه الصفحة العظيمة التي لا يستحقها إلا من يثبتها في سلوكياته الاجتماعية ونشاطاته.

صفة العاطر مشتقة من العطر، وتعني الرائحة الطيبة، وهي تنسجم مع الصفات الأخرى، فالصادق في أعماله وتعاملاته لابد أن يكون عطره طيبا جميلا، ومحبوبا من الناس طرّا، وهناك أيضا صفة الطاهر وهي متأتية من الطهر الذي كان لا يفارق شخصية الإمام في كل دقيقة من دقائق حياته، أما صفة الفاضل فكانت إحدى صفاته الكبيرة بسبب فضائله الكثيرة على كل من تعرّف عليه أو درس على يديه، أو تعامل معه في أي مجال حياتيّ كان.

وهناك صفة الكافل أيضا فهي من أهم صفات الإمام الصادق (عليه السلام) وهو الذي يكفل للجميع كرامتهم وتعليمهم، وتنوير عقولهم، وسلامهم الروحي، وتعميق الجانب الروحي في شخصياتهم، فيزدادون حبا له وتقرّبا منه (عليه السلام)، وهناك أيضا صفة المنجي، حيث ينجو كل من يستشيره ويطلب منه المعونة والاستشارة، فينجيه من محنة أو من مشكلة مستعصية، ويفتح له آفاق الحلول السديدة.

وهذه من فضائل الإمام الصادق (عليه السلام) وهي عصيّة على الإحصاء كونها غير محدودة ولا معدودة، فضائل ومناقب لا يتحصّل عليها إلا سليل الدوحة المحمدية، فهو حفيد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وهذا الفرع من تلك الشجرة المورقة بالعلم والنور والرحمة والصدق والتقوى والإنصاف وكل الصفات والملَكات العظيمة.

لهذا يقول الإمام الشيرازي عن هذه الصفات والفضائل التي تحلّى بها الإمام (عليه السلام):

(لا تكاد فضائل الإمام الصادق (عليه السلام) تحصى أو تعد، فهو من أهل بيت معدنهم الفضل والكرامة، وإلى ذلك يشير الشبلنجي في قوله: ومناقبه كثيرة تكاد تفوت الحاسب، ويحار في أنواعها فهم اليقظ الكاتب).

قدرة العلوم على الارتقاء بالأمة

لم تكن هذه الفضائل والصفات وحدها تشكل الشخصية الفريدة للإمام الصادق (عليه السلام)، بل رافقها ما هو أجلّ وأعظم، ونعني بذلك إتقانه العلوم كافة، وسبر أغوارها، وبلوغ أسرارها العميقة، ولم يكتفِ (عليه السلام) بهذا التحصيل ولا بهذا الحد من إتقان ومعرفة العلوم المختلفة، بل قدّمها لكل من يرغب بالتعلّم، فكان (عليه السلام) عالِما ومعلما في نفس الوقت، وكانت العلوم التي تجري على يديه، سرعان ما تجد مكانها في عقول الطلبة والراغبين بالتعلّم، والساعين إلى التفقّه وكسب العلوم المختلفة.

لقد استثمر الإمام الصادق جميع الظروف التي سهّلت له نشر العلوم، فأوصلها بكل السبل المتاحة إلى جميع المريدين، حتى ذاع صيته في الأرجاء البعيدة والقريبة، وعرف الجميع بعلميته، وسعى هؤلاء إلى مدارس الإمام الصادق (عليه السلام) ومجالسه، ونهلوا منه العلم، وحفظوه وتسلحوا به، وكان (عليه السلام) يطلب من طلابه بعد تخريجهم أن يعلموا الآخرين ما كسبوه من العلم والمعرفة على يديه، فشاع علمه بين الناس، وامتد إلى أماكن شاسعة، وتعلم على يديه آلاف الدارسين، وقد قيل أن عددهم فاق العشرين ألفا.

هؤلاء تعلموا في مدارس ومجالس الإمام الصادق (عليه السلام) وأتقنوا المعرفة، وحفظوا القيم والمبادئ البناءة، وقاموا بنشرها، وعلموا الآخرين بها، وطبقوها في حياتهم، فأسهموا في توعية الناس، وزادوا من فهمهم وأسعفوهم بالأخلاق الفاضلة والقيم الصالحة، فشاعت أجواء العلم والمعرفة التي شجع عليها الإمام الصادق (ع)، وأسهم في نشرها، مما جعل من الأمة أكثر وعيا وفهما وعلما، وهذا جل ما كان يسعى إليه الإمام (عليه السلام).

يقول الإمام الشيرازي:

(لقد عمد الإمام الصادق (عليه السلام) إلى نشر علوم محمد وآل محمد حتى قال الشيخ المفيد في الإرشاد: ونقل الناس عنه ـ أي عن الإمام (عليه السلام) ـ من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء ما نُقل عنه، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الأخبار ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله).

إننا ونحن نعيش أجواء الولادة المباركة في مثل هذه الأيام، للإمام الصادق (عليه السلام) لابد لنا أن نعي أهمية العلوم، وأن ننهل من المعرفة، فكل شيء في عصرنا اليوم قائم على العلم والمعرفة والابتكار، والأخير لا يمكن بلوغه ما لم نسعَ كأمة وكمجتمع وكأفراد، نحو تحصيل العلم وإدامة المعرفة، والذهاب الدائم نحو ابتكار الأفضل والأجود لتطوير حياتنا، لاسيما أن الإمام الصادق (عليه السلام) جعل من العلوم في مقدمة أهدافه وأولوياته، وذلك لأهميتها القصوى في بناء الحياة السليمة للإنسان.

اضف تعليق