انقلبت الاحلام، ودارت عقارب الساعة الى الوراء، واحتل الفقر مكان النمو والازدهار، هذا ما تشير اليه التقارير العامة حول معدلات الفقر التي ارتفعت بنسبة مخيفة، اذ تؤكد ان العراق ليس في أحسن احواله، وإنه يسير بخطوات حثيثة نحو اتون الفقر، وقد اثبتت تلك المؤشرات ان بما يقرب من الربع من سكان البلد وصلهم لهيب الفقر الحارق.

العام الماضي وثلث الحالي تعتبر من الأوقات الحافلة التي واجهها العراقيين على مختلف الأصعدة، لكن الأكثر تميزا ولفتا للأنظار هو الصعيد الاقتصادي، الذي خلف مآت الفقراء والمشردين في الطرقات العامة، وقست على المواطنين في المناطق الفقيرة، لا سيما وان الموازنات التي تقرها الحكومات السابقة تركز على التقشف في كل شيء الا النفقات الحكومية الآخذة بالتزايد الملموس.

فالتقشف في النفقات العامة او الانفاق على المجالات الحيوية والتنموية في البلد يؤدي الى الضغط المباشر على المواطن دون شعور الجهات المعنية، والامثلة على ذلك كثيرة، نكتفي بذكر الآتي، فلو قلصت الحكومة المركزية نفقاتها بشكل مضاعف على قطاع الصحة، ولم تتعاقد مع الشركات الدولية لاستيراد الادوية المهمة للمواطنين، وبناء مستشفيات اخريات، يكون البديل هو مراجعة المستشفيات الاهلية والعيادات الخاصة التي لا ترحم أحد وتذبح بالمواطنين من الوريد الى الوريد.

ويحصل نفس الامر في التوقف عن بناء المدارس الجديدة والاكتفاء بالمشيد القديم، الذي ضاق بالطلبة واكتظت الصفوف بالتلاميذ، حتى فضلت الكثير من الاسر نقل ابناءها الى المدارس الخاصة، التي توفر أجواء دراسية لا بأس بها، وتشعر الطلبة بأهمية الاهتمام بالجوانب العلمية والتربوية، وبذلك يكون الطالب ابتعد عن الضوضاء والانفلات الموجود في اغلب المدارس الحكومية.

هذه الأمثلة وغيرها من الجوانب حمّلت المواطنين مزيدا من النفقات حتى قربت كثير منهم الى خط الفقر، وسط موجات متتالية من الوعود التي قطعتها الأنظمة الحاكمة على نفسها لتخدير شعوبها، ولعل أكثرها ضجيجا وترقبا تلك التي شهدتها العاميين الماضيين، حين قالت ان العراق سيكون في منطقة مغايرة تماما عما في الأعوام السابقة، لكن حصل العكس من ذلك وتراجعت البلد الى مستويات خطيرة وغير مطمئنة، وهنا اوفت بوعودها وجعلت البلاد يتراجع كثيرا بدلا من التقدم للأمام.

يعيش العراق حالة من الازدواجية، تتمثل في الأرقام المعلنة من الجانب الحكومي عن معدلات الفقر في البلاد، فهي لا تنطبق مع الواقع الموجود، ولا تزال محل شك ولا يوجد تطابق مع الحالات الإنسانية التي نصادفها في الطرقات والأماكن العامة الأخرى، ما يجعلك تشعر بان تسونامي الفقر يحاصر الافراد وان الازمة في تفاقم مستمر.

ما يمتلكه العراق من مصادر دخل وثروات طبيعية لا تتناسب مع مركزه الاقتصادي المتدني، فعلى الرغم من وجود النفط والمعادن والانهر، لا نجد مظاهر الثراء والرخاء واضحة على ساكنيه، وقد يكون الخلل فيما يحدث هو سوء إدارة هذه الموارد وعدم توظيفها التوظيف السليم الذي يحقق نمو في دخل الافراد وينعش الاقتصاد.

وما طور الأمور سلبا هو تخفيض سعر الدينار مقابل الدولار، وما تبعها من خطوات كان لها أثرها الكارثي على متوسطي ومحدودي الدخل، في ظل ثبات المرتبات واستمرار ارتفاع السلع والخدمات مقارنة بما كانت عليه قبل هذه الإجراءات الحكومية غير المدروسة.

ملاحظة مظاهر الفقر في العراق لا يحتاج الى عناء البحث ومشقة التحليل والدراسة، فالأمور تبلغ من الوضوح ما يغنيها عن التوضيح، فلا توجد مدينة من المدن لا تنتشر فيها العشوائيات التي اخذت بالتزايد يوما بعد الآخر، ويعود ذلك الى التضخم السكاني وعدم القدرة على شراء وحدة سكنية واطئة الكلفة، ولا يوجد خيار او مهرب من ازمة السكن سوى التجاوز على الممتلكات العامة.

وللقضاء على هذه الظاهرة تبذل الحكومات المحلية والمركزية جهودا كبيرة لكنها لم تتوصل الى حلول مرضية وناجعة في نفس الوقت، وبقت جميع الحلول لا تأتي ضمن استراتيجية نافعة تخلص الأراضي المسيطر عليها من قبل تلك الاسر، واستثمارها بمشروعات تخدم المواطن وتزيد من فرص حصوله على فرصة عمل تساعده على بناء منزل في حي نظامي.

شائع في الأوساط المجتمعية، ان اقتناء الأشياء يعود الى الحالة الاقتصادية، فكلما زاد المستوى المعيشي للمواطن، كلما زادت ممتلكاته والعكس صحيح، وينسحب ذلك على تراجع نصيب الفرد من السلع الضرورية والاحتياجات اليومية، فقد اكدت بعض الدراسات على ان اهم مؤشرات الفقر واوضحها هو ذلك التراجع بامتلاك الأشياء الأساسية في ظل ارتفاع أسعار السلع الرئيسية.

لا يمكن حصر مظاهر الفقر الذي يعاني منه المجتمع في سطور معدودات، لكن ما تجدر الإشارة اليه في نهاية الحديث عن هذه الظاهرة، هو ضرورة تصحيح الخلل في السياسات الحكومية التي تتبنها طيلة السنوات الماضية، وأدت الى تنامي هذه الظاهرة، فلا بد من إيجاد سياسات بديلة همها الأول كيفية تفعيل الاستثمار الناجح وعدم اللجوء الى سياسة الاستدانة من الخارج والاغراق في الدين العام والعزوف عن المشروعات التنموية.

اضف تعليق