إسلاميات - المرجع الشيرازي

كيف تحمي نفسكَ من فِخاخ الحرام؟

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

(لا تُلجئ نفسك إلى الارتباط بالدنيا طرفة عين)

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله)

الحرام أو المحرّم أو المحظور في الفقه الإسلامي هو العمل الذي يُعَاقَبُ فَاعِلُهُ، وَيُثَابُ تَارِكُهُ. وانطلاقا من هذا التعريف الواضح، فإن كل فعل أو قول يُغضب الله سيدخل في باب الحرام، وفي الغالب أو القطع أن ما يغضب الله هو قول أو فعل فيه ضرر يُلحق بالنفس أو بالآخرين، وقد يكون الضرر معنويا أو ماديا.

كيف يحمي الإنسان نفسه من الوقوع فيما يُغضِب الله؟، لاسيما أن هذه الدنيا مليئة بما يشجّع غرائز الإنسان على السقوط في فخ الحرام، أحيانا يحتجّ الإنسان على نفسه وعلى الآخرين وعلى قدره أيضا، لأنه لم يحصل على المنصب الفلاني، أو أنه لم يحصل على ثروة كبيرة، أو أنه لم يُصبح من مشاهير العالم.

لكن كل هذه الامتيازات ما هي إلا فخاخ تعجّ بالخطيئة، ومن باب أولى أن يحمد الإنسان ربّه، ويمتدح قدره، ويرضى بما قُسِم له، إذا لم يكن من أصحاب المناصب الحساسة والثروات الكبيرة والشهرة الضاربة، فأصحاب هذه الامتيازات يتعرضون أكثر من غيرهم لاختبارات عسيرة قد يفشلون فيها، فيسقطون في وحل المحرّمات.

ثم يخفقون في اختبار الدنيا، فيطالهم البؤس والمآل التعيس في الدار الأخرى، لذا ما يُطلب الاحتراز منه، هو فخاخ الحرام حيث تغص الدنيا به، لاسيما أن طريق الدنيا قصير، وعلى الإنسان أن يقطعه بما يضمن وصوله بسلام إلى مآلٍ جيد، كذلك على الإنسان أن لا ينشغل في موجودات الطريق (الدنيا)، بل ينشغل فيما يؤمّن وصوله إلى هدفه الأخير دونما إخفاق.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (يا أبا ذر):

(إذا أراد شخص ما التوجّه من مدينة إلى أخرى، فإنّه لا يهتمّ للطريق الرابط بينهما إلا بما يضمن عبوره بسلام، دون الالتفات إلى خصوصيّات المناطق الكائنة فيه، إذ إنّ ما يتعلّق به هو سرعة وسلامة الوصول، وهكذا أراد النبيّ المصطفى صلى الله عليه وآله للإنسان أن ينظر إلى الدنيا كما ينظر المسافر إلى الطريق، فلا تشغله الجادّة عن الوصول إلى المقصود).

مغريات يسيل لها لعاب الإنسان

هذا المثال الذي ضربه سماحة المرجع الشيرازي، يختصر الهدف أمام الناس، ويجعله واضحا تمام الوضوح لهم، فليس عليك سوى الانشغال بأمر أو هدف واحد، هو كيف تصل إلى هدفك دون أن تُسقطك رغبات (الدنيا) في حبائلها، ويمكن أن يتحقق هذا فيما لو أنك استطعت قطع الطريق الواصل بين محطتيّ الدنيا والآخرة، دون أن تشغلك موجودات ومغريات الطريق الأخرى.

هذه المغريات تتوزع على جانبي طريق (الدنيا)، بل هي موجودة في كل زاوية منها، وغالبا ما تظهر لك بالمظهر المغري الذي يسيل له اللعاب، فتأتيك على شكل (أموال مباحة)، أو وظيفة حساسة يمكن من خلالها الاختلاس والسرقة واستخدام النفوذ بما يؤذي الآخرين ويُغضب الله، أو قد تظهر لك مغريات (طريق الدنيا)، على هيئة سلطة لا تحدّها حدود، فيكون اختبارك في هذه الحالة غاية في التعقيد والصعوبة، لأن الغرور قد يطيح بك حين تمتلك السلطة على الناس.

هكذا يجب أن يحترز الإنسان من مغريات الطريق، ويركّز جلّ تفكيره، ويستخدم كل إمكاناته ومؤهلاته وحكمته، لإنهاء (طريق الدنيا)، بعيدا عن فخاخها المنصوبة على شكل (سلطة) أو (أموال) أو (جنس مباح) أو كل ميزة يمكنك من خلالها التجاوز على حقوق الناس المختلفة، ليس المقصود هنا مجافاة (الثروة، أو السلطة، أو الجنس)، على العكس من ذلك، فكل هذه المكاسب مسموح بها، ولكن بما لا يُغضب الله، أي بتجنب الحرام والانزلاق في الانحراف.

هل يمكن للإنسان أن يتجنب الانزلاق في منحدَر المحرمات والرغبات غير المسموح بها؟، بالطبع كل إنسان تم تزويده بإمكانات معنوية وفكرية ومبدئية وحتى مادية، لكي يحتاط بقوة ضد الوقوع في فخاخ (طريق الدنيا)، نعم ليس الأمر بتلك السهولة، إنها أشبه بحرب تُخاض بين طرفين، أحدهما المغريات والآخر هو الإنسان وقدرته على قيادته لنفسه وردعها.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله)، يستشهد بما قاله الرسول صلّى الله عليه وآله: «وعدّ نفسك من أصحاب القبور».

ويكمل سماحته القول: (أي لا تلجئ نفسك إلى الارتباط بالدنيا طرفة عين، وتخيّل أنّك تعيش آخر أيّامك بل تصوّر أنّك قد وُضعت في القبر، وأُهيل عليك التراب، وبقيتَ وحيداً مع أعمالك، وأنّ أهلك وأصحابك قد تركوك).

كيف تقطع طريق الدنيا بسلام؟

وتوجد عقبة أخرى تقرّب بعض الناس من السقوط والإخفاق في قَطْعِ طريق الدنيا، فهناك من يجزم مع نفسه بأن أعماله صالحة ولا شائبة فيها، وحين تحاججه في ذلك، يصر على أنها صالحة، ولكن حين يجري تمحيصها وتبويبها، وتطبيق معايير الصالح والطالح عليها، فإنها لا تكتسب صفة الصلاح، هذا النوع من البشر، يخسر القبول الإلهي ولا يحصل على تأييد الأئمة المعصومين (ع).

وهكذا يجد نفسه في آخر المطاف موهومًا، سادرا في غيّه، متمسكا بأعماله الخاطئة، فيوبّخ نفسه على تزمتها، وتمسكها بموقف صلاح الأعمال وهي ليست كذلك، ولكن يحدث هذا بعد فوات الأوان ويمرّ الزمن، وهذه خسارة ما كان لها أن تلحق بهذا النوع من الناس، لو أنهم تأنوا قليلا، وراجعوا أنفسهم، وهبطوا من برج التزمت والإصرار على الخطيئة والتمسك بها.

أما لماذا وُسِمت أعمالهم بالخطيئة، فلأنها لم تنل مرضاة الله تعالى، وليست مؤيَّدة من أئمة أهل البيت، كونها منافية للقيم والمبادئ التي غرسها الدين والأئمة في قلوب وعقول المسلمين، وهي قيم الحق والتقوى والإنصاف وجميع القيم التي تصبّ في بناء المجتمع الصالح.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(إنّ الخاسر هو من يقضي عمره في ممارسة أعمال يظنّها صالحة وما هي كذلك، لأنّها لا تحظى برضا الربّ المتعال في الدار الآخرة، ولم تكن موضع تأييد المعصومين عليهم الصلاة والسلام).

كثير من الناس لا يرون أخطاءَهم، والسبب أن الجشع يعمي أبصارهم وبصائرهم، ولذلك يوغلون أكثر في أعمالهم التي ينظرون إليها وكأنها منزّهة، لكنها ليست كذلك، لأنها أعما لا تأخذ من قيم الدين طريقا لها، ولا من سيرة أئمة أهل البيت مثالا، فلا تجدي نفعا، ولا تفيد أصحابها بأي شيء إذا لم تضرّهم.

المعيار الأهم الذي يجب أن يتمسك به الإنسان الصالح، هو درجة تشابه وتقارب أعماله، مع ما يُنصف الآخرين وحقوقهم، وهذا الشرط كفيل بكسب الرضا الإلهي ورضا أهل البيت عليه السلام، فينال التأييد والثواب الذي يستحق، فليحرص الجميع على عدم النظر لأعماله بأنها صالحة إلا إذا طابقها مع مبادئ الدين وسيرة أهل البيت، وعليه أن يراجع مواقفه المتزمتة، ولا يمنح أعماله الصلاح ذاتياً.

لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(واقع الأمر يؤكّد ضرورة أن تكون جميع أعمال المؤمنين محطّ تأييد ورضا أهل البيت سلام الله عليهم).

إذاً فِخاخ حماية النفس من السقوط في فِخاخ الحرام، معروفة وليست غامضة، ومن يبتغي الصلاح الفعلي، لابد أن يبتعد عن المحرّمات، ولا يبحث عن مبررات لأعماله إذا كانت مشكوك بنزاهتها، ولا يصح أن يكون هو الخصم والحكم في آن واحد، بهذه الشروط وهذا الاحتراز الذي يجب أن يرافق الإنسان مدى حياته، يمكن أن ينجو من فخاخ المحرمات بأنواعها.

اضف تعليق