بين فترة وأخرى نسمع خبر عام مفاده ان دول ما تصدرت احدى التصنيفات المتعلقة بالجوانب التعليمية او الصحية وكذلك الاقتصادية، نفرح في بعض الأحيان ونحزن في أحيان كثيرة، متمنين ان يكون العراق ضمن هذه التصنيفات لانه يستحق ان يكون هكذا.

بلاد الرافدين تتصدر دول المنطقة بعدد الحروب التي خاضتها والأزمات التي واجهتها، فعلى مر العقود الأخيرة لم تشعر هذه البقعة بالراحة ولو لفترة وجيزة، اذ انهالت عليها المصائب واحدة تلو الأخرى، وجميعها اثرت وبشكل كبير على الحياة الاجتماعية.

ونتيجة لهذه الظروف فقد لاحقت الصعوبات جميع الافراد دون استثناء، لكن الفئة المتضررة بشكل اكبر هي شريحة الأطفال، فنتجت اعداد مهولة من الاميين والمعنفين والايتام والمشردين، ولا تزال هذه الآثار تلاحق هذه الشريحة ولم تعطيهم الفرصة للخلاص من سطوتها.

لا توجد شكوك حول معاناة الأطفال العراقيين هي الأشد بين أطفال المنطقة العربية، ذلك نتيجة الحروب والأوضاع غير المستقرة، اذ بقيت متواصلة منذ ثلاث عقود وتحديدا منذ بداية حرب الخليج عام 1991 إلى أيامنا هذه، فقد عانت هذه الفئة من الحرمان والنقص الكبير في الخدمات الصحية والتعليمية وسوء التغذية، ولم يكن هذا الامر بسيطا على هذه الشريحة بل انعكست تأثيراته السلبية عليهم وحولتهم إلى الضحية الأكثر والاهم في البلاد.

المعاناة في العراق ليس من اليسير التحدث عنها وفهما بشكل مبسط وتحديدا معاناة الأطفال فهي قضية مركبة تتفاعل فيها العديد من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، اذ مرت هذه القضية بازمان وظروف مختلفة ويمكن من خلال تحديد هذه الفترات معرفة ملامح الأزمة وتداعياتها الجسدية والنفسية على الفئة الهشة التي تتأثر مباشرة ببيئتها والأحداث التي تعيشها.

تعددت المحطات التي مرت بها مشاكل الطفولة في العراق حيث كانت أولى تلك المحطات هي مرحلة الحصار الذي فرض على العراق في تسعينيات القرن المنصرم من قبل الغرب، بينما كانت المحطة الثانية هي حرب الخليج الثانية في الحقبة الزمنية ذاتها، عقب ذلك الغزو الأمريكي عام 2003، للعراق الذي تسبب بقتل وتعذيب عدد ليس بقليل، فضلا عن الانتهاكات الأخرى.

ما لحق بالعراق من دمار وتحديدا في الفترات الماضية، استطاع ان يشكل صورا مثيرة للخوف والفزع لدى اغلب الأطفال، واصبح الخوف يلازمهم كالامراض المزمنة التي عصفت بالكثير منهم، الى جانب ذلك كثرت حالات الانهيارات النفسية، وذلك نتيجة الأوضاع الأمنية المتدهورة واستمرار العمليات الإرهابية من تفجيرات وخطف وقتل وسلب، ما خلف رهبة دائمة في نفوسهم وفضل البعض ترك المقاعد الدراسية وحرمانه من ابسط وسائل العيش الكريم.

العمليات العسكرية التي شهدها العراق في الآونة الاخيرة نتج عنها ما بين أربعة الى خمسة ملايين يتيم تتولى شؤون رعايتهم مليون ونصف ارملة، بحسب إحصاءات منظمة اليونيسيف، فيما أوقع الغزو الأمريكي للعراق في 2003، أكثر من مليون قتيل أي أن البلد فقد نحو 3% من نسبة سكانه، وذلك وفق إحصاء لمؤسسات متخصصة.

فالقساوة المفرطة التي مرت بها شرائح المجتمع العراقي ولدت أرضية خصبة للكثير من الممارسات الغريبة التي نسمع عنها فيما مضى ولم نراها، ووفقا لما نشرته الصحافة العراقية المحلية والعربية، فان مؤشر حالات الانتحار اخذ بالازدياد، حيث وصلت الى ارقام مهولة لا يمكن تصديقها، ففي الأشهر الستة الأولى من العام الجاري وصل العدد الى 293 حالة، نهايك عن الحالات التي لم يتم التبليغ عنها، كل هذه ناتجة من فقدان الامل والحرمان بمختلف اشكاله.

ولم يكن الانتحار وحده يمثل التجسيد الحقيقي لما تحمله العراقيين، فهم يعانون أيضا من ارتفاع معدلات الطلاق والعنف والتفكك الأسري التي تعود كلها إلى انهيار الوضع الاقتصادي والصدمات المتلاحقة التي يتعرض لها المواطنون منذ عقود، اذ يمكن لهذه العوامل ان تؤثر وبشكل مباشر على الأطفال وتلحق بهم الأذى النفسي والجسدي وتُساعد على اتساع دائرة الفقر والجهل والتخلف وعدم الانضباط.

الصراعات والحروب التي شهدها العراق في السنوات المتعاقبة أدت الى ارتفاع نسب الجرائم المنظمة الموجهة للأطفال من بينها الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، الى جانب العمل القسري والإجبار على التسول وعبودية النساء.

ووفقا لتقرير سابق لـ"نون بوست"، وثق المرصد العراقي لضحايا الاتجار بالبشر منذ تأسسيه في أكتوبر/تشرين الأول 2018، نحو 64 جريمة اتجار، تنوعت بين توظيف النساء في تجارة الأعضاء البشرية واستغلال الأطفال في التسول وانتهاكات تتعلق بالعمالة الأجنبية.

وأشارت المنظمة الأممية إلى أن 42% من السكان في العراق يصنفون على أنهم من الفئات الهشة، وفيما يتعلق بالاطفال، هناك طفل واحد من بين كل طفلين أي 48.8% من المجموع معرض للمعاناة.

الطفولة في العراق تعاني من مشاكل وازمات شديدة التعقيد، نابعة من اتحاد عوامل متعددة، فاليوم ومع هذه النتائج غير الايجابية فإن هذه الفئة بحاجة مُلحة الى الشروع بمرحلة جديدة نطوي فيها الماضي المؤلم، ونتطلع الى حاضر مزدهر قائم على مشروع وطني صادق وهادف الى معالجة الندوب التي اصابت الأطفال والعمل على إعادة التنشئة الاجتماعية للطفل وتعويضه الخسارات التي مُني بها.

اضف تعليق