ذات مرة كنا نسير في احدى طرقات مديتنا انا وعدد من اصدقائي في الكلية، دخلنا حينها في احد الطرق الفرعية الضيقة والتي تعرف محلياً بالـ(دروبنة) قطعنا ربعها تقريباً لكن احدهم طلب الخروج من هذا الطريق واستبداله بطريق اخر يوصلنا الى حيث نقصد، استعلمنا عن السبب امتنع هو عن الجواب الصريح وبرر طلبه بأنه نسي ان يشتري حاجة ما كان قد شاهدها قبل الدخول في هذا الطريق، سايرناها ومزحنا معه بعبارات (اعتقد انك تخاف الظلام، انت ليس صغير ليش تخاف)، ولم يخطر على بالي ان ثمة من يخشى الظلام وهو بهذا العمر سيما اذا كان رجلاً وليس امرأة، لكني بعد التحري اكتشفت الامر موجود ولدى الكثير من الناس، وهذه الحالة هي حالة مرضية تعرف بـ( رهاب الظلام).

يخاف الكثير من الناس الظلام ويتجنبوه، لكونهم ببساطة يتملكهم حالة من الخوف في الاماكن المظلمة، وتظهر عليهم اعراض لم نلاحظها في الحالات الطبيعية تصل مستوى الرهاب وهذا المرض يعوق المصاب به عن القيام ببعض الأنشطة المعتادة خوفاً من حلول الظلام فتراهم يوقفون كل اعمالهم قبل ان يحل الظلام ويأتي المرعب.

في داخل كل انسان منا غرائز عديدة تحاول ان تحميه وتكون بمثابة جهاز انذار ضد الاخطار التي تواجهه من هذه الغرائز هو الخوف الذي يعرفه علماء النفس بأنه "انفعال قوي وغير سار يتسبب فيه إحساس بوجود خطر ما وتوقع وقوعه، وفي الغالب ينشأ في مرحلة الطفولة ويحفظ في اللاشعور داخل العقل الباطن ومن خلال التجارب والخبرات يتم تعزيزه، وبقاء الخوف في المعدل والصورة الطبيعية يجعله سبباً في الحفاظ على الشخص، وحمايته من المخاطر التي تحيط به"، لكن حين يتحول الى خوف شديد في مواقف لا تحتاج مثل هذا الخوف وتحوله الى مرض يمكن أن يؤثر في حياة الفرد هنا لابد من الوقوف عنده ومعرفة مسبباته حتى يتنسى معالجته او تحاشيه اصلا قبل ان ينمو في شخصية الانسان.

ماهي الاعمار التي يصيبها رهاب الظلام؟

في الوضع الطبيعي ان هذه الرهاب يختفي مع بداية مرحلتي البلوغ والنضج لكن في حالات قليلة تستمر مع البالغين ولكن اخف وطئة من الاطفال على اعتبار ان الفارق العمري يعطي مناعة اكثر للانسان، وفي جميع الحالات سواء في الطفولة او بعدها فأن الامر يحتاج الى العلاج وعلاجه ليس مستحيلاً اطلاقاً.

الاسباب التي تقف وراء الخوف من الظلام هي:

بحسب الدراسات النفسية التي تناولت هذا الموضوع فأن الافراد الذين يخشون الظلام بسبب افتقادهم المساحة البصرية لرؤية الاشياء من حولهم بوضوح ومن الطبيعي الانسان يخشى ما لا يعرفه، ولعل ذلك هو احد اسباب حدوث هذا الخوف للانسان، اما السبب الاخر فهو تربية الفرد والخبرات التي تعرض لها في ايام طفولته، اذ يؤدي تخويف الاهل لابنائهم لكي يقوموا ببعض الافعال مثلا سيأتيك الجن من هذا الظلام (احدى زوايا المنزل) ان لم تخفض صوتك وما شاكل من هذه السلوكيات التي يعتقدون انها تأديبيه غير انها ذات اثار وخيمة على شخصية الطفل.

ومتابعة الاطفال لأفلام الرعب هي الاخرى سبباً كبيرا في استمرار خوفهم من الظلام وتحاشي البقاء فيه او حتى المرور منه، كما ان احد المسببات هو احتمالية وقوع امر سلبي اثناء الليل تسبب في بقاء مع من حدث مع ذلك لديه عقدة من الليل على سبيل المثال حصول حادث سرقة للمنزل في ليلة ما مما يترك انطباع ان الليل مخيف، واخيرا تمثل الحكايات التي يرويها الاهل لابنائهم حول حوادث حصلت في الليل يزيد من خوف الاطفال من الظلام وكره الليل.

العلاجات التي تحصر دائرة المشكلة هي:

اولا_ العلاج المعرفي السلوكي والذي يهدف الى تقوية ثقة الفرد المصاب بنفسه وطمأنته الظلام لا يخيف وهو ظاهرة طبيعية كباقي الظاهر مثل شروق الشمس وغيرها من الظاهر الكونية ولا داعي للخوف منه ابداً.

ثانياً_ يعالج الخوف من الظلام عبر التعريض، اذ يقوم المعالج بتعريض المصاب تدريجياً لكل المخاوف التي تواجهه، حتى يستطيع التغلب عليها خطوة بخطوة وفق مبدأ اذا خفت من شيء فقع فيه.

ثالثاً_ ينبغي على الاباء الابتعاد عن سرد القصص المخيفة والتي تتعلق بالليل والظلام، كما من المهم منع الاطفال من مشاهدة افلام الرعب لتفادي اثارها على انماء الخوف داخل الانسان، هذه ابرز المعالجات التي تحد من هذا الخوف وتحميه مع الوقت.

اضف تعليق