كلنا نرغب في التحرر من الذكريات المؤلمة والاحداث المزعجة وبقايا الصور الذهنية العالقة في ذاكرتنا لأزمنة بعيدة او متوسطة وحتى قريبة، فبعد أي صدمة او حادثة تسبب الم نفسي نتمنى ان يكون ذلك حلم عابر ينتهي بعد ان نفيق منه دون أن يبقى له أي أثر في الذاكرة، ودائما ً ما نحاول التجاهل والانشغال ومقاومة الحدث كي لا نتذكر، كل ذلك ممكن ان يتم عبر بوابة النسيان الذي يقينا الارهاق النفسي والتفكير وانشغال كما يتيح لنا تخطي التجارب والعواطف المؤلمة التي لا نفضل تذكرها.

صاحب مدرسة التحليل النفسي واحد ابرز علماء النفس الطبيب النمساوي فرويد يرجع النسيان الى اللاشعور فهو يدعي ان الإنسان يكبت الأحداث و الصدمات النفسية التي تحرجه و تمس كبريائه ويروي عن نفسه أنه ذات يوم نسي إسم مريضته لأنه عجز عن تشخيص مرضها حيث يقول ” إننا ننسى إلا ما لا نهتم به، و ما لا نريد تذكره فنحن ننسى ما هو مصبوغ بصبغة وجدانية منفردة أو مؤلمة خاصة ما يجرح كبرياءنا”.

ويقول النفسيون ايضاً ان النسيان من اهم الفعاليات الايجابية التي تحقق للانسان قدر عال من التأقلم والتكيف مع العالم الخارجي ومع ذاته، وله من الانعكاسات المريحة على مختلف جوانب شخصيته الفكرية والنفسية والاجتماعية، فبه يعبر الفرد صوب مرحلة ما بعد الضرر تاركاً خلفه ماضياً محبط وربما سيصبح معرقلاً للنمو والتقدم، ومن منة الله على الانسان ان الذاكرة ليس بأستطاعتها حفظ كل ما يحدث وتخزينه بل انها تنتقي للانسان ما هو ضروري او مفيد من مواقف واهتمامات ومعلومات حياتية مختلفة.

ومن يقول ان النسيان في جميع حالته مرضي فهو مخطأ لان الانسان علمياً ظاهرة طبيعة الحصول في حياة البشر او انها في اصل تكوينه وصيرورته حتى ذهب البعض الا ان سبب تسمية الانسان انسان لكثرة نسيانه فهو احد دفاعات الذاكرة وسبب من اسباب سلامتها، فلو افترضنا اننا كبشر لن ننسى ما يحصل لنا وبأدق التفصيلات فهل سنتمكن من مجاراة الاحداث المأساوية التي تصادفنا بين الحين والاخر؟،وهل سنتمكن من مواجهة الحياة والاستمرار فيها بنفس الهمة قبل ان نصاب بخيبة او فقد او عدوان او ظلم او غير ذلك؟، اطلاقاً لن يحصل ذلك بعدم وجود النسيان في حياتنا و هذا ما يؤكده احد النفسين والذي يدعى (برغسون) بقوله” النسيان حالة طبيعية يعيشها الفرد لأن الإنسان لا يلتفت إلى الماضي إلا لحاجته في إحداث التوافق مع بيئته و يقول ” إن الذاكرة التي لا يسندها النسيان تضر الإنسان بدل أن تنفعه “.

ايجابيات النسيان لم تقف عند هذا الحد بل لها مردودات اخرى، فعلى الصعيد النفسي يساعد الانسان على اعطاء مرونة نفسية للفرد وهذه المرونة هي من تجعله مستمراً في العيش ومتقبلاً لما يلم به من محن وشدائد والتي لولاه لتحولت الحياة الى هماً وغماً والم ومعاناة مما ينعكس على حالة الانسان النفسية وربما يسبب خلل او مشكلة فيها، وبذا تغيب السعادة ويغيب معها الكثير من التفاصيل الجميلة التي يجب ان يعيشها الانسان كما يفقد اللذة في الكثير من النعم التي وهبها الله لخلقه.

فكرياً يجدد النسيان للانسان في افكاره ويطورها سيما الاعتقادات الخاطئة والميول التي تزرع فيه في مراحل عمرية مبكرة قد تكون غير ناضجة او انها تشكلت بدافع فعل معين فكانت عبارة عن ردات فعل غير منطقية، فالنسيان وسيلة مثالية لمحو الأحقاد و الصراعات و إعادة تجديد الروابط الاجتماعية، والواقع يثبت أن نسيان الماضي كان حلا لكثير من المشاكل الاجتماعية و التاريخ مليء بالشواهد التي تبرز فضل النسيان في تغيير الكثير من العلاقات من الصراع إلى الصلح والتعاون، في السياق هذا يقول جبران خليل جبران " النسيان شكل من أشكال الحرية ".

ومن ايجابيات النسان انه يحول الذكريات العصيبة الى نقاط قوة عبر الاتعاض بما سبق وجعلها حوافز ودوافع نافعة لعيش أفضل، فكم من اناس تعرضوا لماض حزين ومحبط لكنهم تحولوا فيما بعد الى مبدعين فغالباً ما يكون الابداع وليد الالم شريطة ان يكون للانسان ارادة للعبور وتجاوز الازمات وعدم التعكز عليها والبقاء في دائرة الفشل فكثير من البشر عند كل فشل يبررون بماضيهم اليس المستقبل من صنعكم فلماذا الرجوع الى الماضي عند الفشل فقط؟.

ختاماً النسيان احدى نعم الله علينا التي قال فيها الحكماء لله على الناس نعمتان لا تطيب من دونهما الحياة ولا يهنأ بغيرهما عيش النسيان والأمل، فله الحمد على ما انعم وله الشكر على ما الهم.

اضف تعليق