مِـن المؤسف أن يتحدث بعض السياسيين وغيرهم، عندما يتعلق الأمر بتجديد القيادة، أن يربطوها بمرحلة زمنية من عُمر الإنسان، بخاصة إدخال عناصر شابة فيها، والمؤلم، هو تحديد نسبة مئوية لهم. فمثلاً عندما تتحدث إحدى الجهات السياسية عن الشباب تقول: "... وتمكينهم من تبوء مواقع قيادية في الدولة والمجتمع"، ويقول أحد السياسيين: "فتبديل القيادات أمر ضروري لإفساح المجال للأجيال الشابة لتأخذ دورها بالتغيير"، أو كما يبرر ذلك "المثقف"، خروجه من مركز القيادة وفشله، وارتكابه أخطاء وانحرافات فيها، كل ذلك بسبب العمل على إدخال الشباب في القيادة. فضلاً عن ذلك تحديده نسبة معينة للشباب، هي 70%.

نعم، ان تبديل القيادة وتحسينها أمر ضروري وواجب دائماً، لكن ليس أن يكون المعيار الأساسي هو إدخال عناصر، كونها شابة فحسب، إنما يتم بوضع معايير دقيقة لكل أفراد التنظيم أو المؤسسة أو غيرهما، من الأكبر سناً إلى الأصغر سناً. أضف إلى ذلك يمكن تحديد الفترة الزمنية لكل عنصر في القيادة، مثلاً، أربع سنوات، ثمان سنوات؛ أو إلى دورة واحدة أو دورتين فقط.

ونعم، أيضاً، للإهتمام بالشباب ورعايتهم وضمان تمتعهم الكامل بالحقوق والحريات المكفولة بالدستور، وذلك بالتنظيم والتعبير. أضف إلى ذلك تهيئة متطلبات مشاركتهم في الحياة السياسية، مشاركة فاعلة.

ومن المفيد، أن نذكر أن القيادة هي مهمة ليست يسيرة، بسبب ما يترتب عليها من نجاحات مفيدة للجميع، أو اخفاقات لها في كثير من الأحيان ثمن باهظ سلبي، ضار، للجهة السياسية المعينة، وللمجتمع بأكمله. لذلك لا يستطيع أي فرد من الأفراد، القيام بهذه المهمة، إلا لعدد قليل منهم، الذين تتوفر فيهم الامكانات والاستعدادات اللازمة (التي سنذكرها فيما بعد). أضف إلى ذلك لا يمكن الحُكم على كل من استطاع أن يكون في مركز القيادة، بأي طريقة كانت، أنه قائد ناجح، إلا بعد تقييم أفعاله وأعماله ونشاطاته.

والقيادة، كما هو معروف، هي وسيلة لتحقيق غاية، تحقيقاً دقيقاً. كما أن وضوح فكرة، عن ما الذي يجب تحقيقه، وكيفية تحقيقه، تنحصر عادة في عدد محدود من الأفراد. كذلك ينحصر التفريق بين الصواب والخطأ، أو بين العمل الجيد وغير الجيد، بفئة محدودة أيضاً. هذه الفئة المحدودة، هي التي نُطلق عليها "القادة".

أما المعايير التي ينبغي تطبيقها على أي فرد، حتى يكون قيادياً، فإنها عديدة، لكننا سنذكر قسم منها، وهي صنفان: الأول، صفات مطلوبة. وتعتمد على النضج الشخصي للأفراد، وعلى توفر قدر كبير من الكفاءة والنزاهة والإخلاص والحكمة والاتزان العقلي والصبر والتواضع، وامكانات التعلم بسرعة من الأحداث، والسرعة في حزم الأمور، والمرونة في العمل، والمقدرة على التحليل والتشخيص، والتخطيط والتنظيم، وتوليد الأفكار المفيدة، وكشف الأخطاء، والاستعداد للاعتراف بها.

والمقدرة على التوقع بما يكون، بما كان، وعلى إيجاد الحلول للمشكلات التي تواجه التنظيم أو المجتمع. والمقدرة على فهم الأفكار والمعلومات بسهولة وعمق، أكثر من غيره، وعلى فهم العلاقات بين هذه الأفكار أو الربط بين الأحداث. والمقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، بخاصة في المنعطفات، والمقدرة على العمل الجماعي المفيد. وفوق ذلك ينبغي أن يتمتع الشخص القيادي بصحة جيدة وطاقة على المثابرة والعمل الدؤوب.

أما الصنف الآخر، فهي صفات مرفوضة، بأن يكون عمل القيادي بعيداً عن التفرد باتخاذ القرارات، متجرداً من الأنانية، وأن لا ينتابه شعور بالعظمة، أي يعتقد أنه أفضل من الآخرين وأنه أحسن فهماً منهم. مقابل ذلك أن لا يكون سلبياً في عمله، وأن لا يكون تابعاً لغيره في تصرفاته.

ومن المحتمل أن لا تتوفر الصفات التي ذكرناها، بمجملها عند الفرد، لكن لابد من توفر أغلبها، ولو بالحد الأدنى سواء عند الأكبر سناً أو الأصغر سناً.

وأخيراً، الذي يهمنا في هذا المقال هو طبيعة العمر العقلي للإنسان البالغ، وليس عمره الزمني فقط، من ناحية تشخيص سلوكه وتصرفاته وأفعاله التي تعتمد على مهاراته وقدراته العقلية، من جانب، وعلى اكتساب الخبرة والتدريب والمران، من جانب آخر. لكن تكدس الخبرة، برغم ضرورتها، فإنها ليست المعيار الوحيد في اختيار القادة، لأن الخبرة والممارسة تؤدي في بعض الأحيان إلى الرتابة والمكتبية. كما أنها قد تؤدي إلى الجمود الفكري، والمقدرة على تبرير الأخطاء، والدفاع عن الفشل.

* باحث وأكاديمي عراقي

اضف تعليق