لا علاقة للزمن بالنضج، نحن نكبر من خلال التجارب لم تكن شخصيتي منفصلةً عن عملي الإعلامي، فلم أعرف المهادنةَ ومسحَ الكتوف والتملُّق للمسؤول، فقد كنت أبتعد، قدر الإمكان، عن المسؤول، والمجاملات والنقاشات والشللية، لأنني مؤمنٌ بمبدأ اصمت وأنصِت...

في بداية السبعينيات، بدأتُ الوظيفة في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون باحثًا في مركز بحوث المستمعين والمشاهدين، في أول نشأته بمعهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني بإشرافٍ علميٍّ من: الدكتور مصباح الخيرو، والدكتور كريم محمد حمزة، اللذين كانا يعملان في مركز البحوث الاجتماعية والجنائية. وكان المعهد العريق في مجال التدريب الإعلامي في أوج ازدهاره ونشاطه، ولقد انخرط فيه مذيعون ومقدمو برامج ومخرجون من العراق والدول العربية؛ حيث كان يقوده الإعلامي والخبير المصري سعد لبيب، الذي كان معلمي الأول في إدارة الإعلام والتدريب؛ بسبب رؤيته العميقة لمتطلبات العمل الإعلامي، وبالذات في فنون الإذاعة والتلفزيون. كان ناصحًا لي بضرورة دخولي جميع الدورات؛ فدخلتُ دورات مختلفة؛ كانت في: الإخراج التلفزيوني والإذاعي، الديكور التلفزيوني، الكتابة الإذاعية والتلفزيونية، إعداد البرامج الإذاعية والتلفزيونية، فنون الكتابة الدرامية، برامج الأطفال، المونتاج الإذاعي والتلفزيوني، كتابة السيناريو، وغيرها من الدورات الإعلامية. كما منحني أعمالاً إضافيةً؛ كالإشراف على الدورات التدريبية الإذاعية المُتخصصة، وكذلك الإشراف على مجلة (فنون إذاعية) الشهرية؛ فخرجت بحصيلة معرفية ومهاراتٍ متنوعة، تفوق الورقة التي طرزت عليها كلمة الدكتوراه!؛ فالشهادة ورقة تُثبت أنك متعلم، ولكنها لا تثبت أنك تَفهم!

لم أشعر بفائدة الدورات الإذاعية الكثيرة إلا عندما دخلتُ عالمَ الصحافة الفنية (مجلة الإذاعة والتلفزيون – مجلة فنون لاحقًا-)، وقيامي بإعداد برنامج ” عدسة الفن ” لمدة أكثر من عامين، إضافةً إلى الفائدة الكبيرة التي دعمت تجربتي في التدريس بأقسام الإعلام في العراق والدول العربية؛ حيث ساعدت على تعميق ثقافتي ونشاطي الميتامعرفي باتجاه التنوع. وأعرف من منطق العلم بأن كل تجربة تقود إلى تجربةٍ جديدة، ومعنىً مختلف في فهمِ الحياة؛ لذلك كنت مؤمنًا بمبدأ التنوع الذي يتطلب القبولَ بمبدأ التنوع والتميز. لقد كان برنارد شو مُحقًّا في قوله: “لا علاقة للزمن بالنضج، نحن نكبر من خلال التجارب” لم تكن شخصيتي منفصلةً عن عملي الإعلامي؛ فلم أعرف المهادنةَ ومسحَ الكتوف والتملُّق للمسؤول، فقد كنت أبتعد، قدر الإمكان، عن المسؤول، والمجاملات والنقاشات والشللية؛ لأنني مؤمنٌ بمبدأ (اصمت وأنصِت)؛ كما قال جلال الدين الرومي. حتى ولو كان في داخلك إلهام الحروف ومحبة الأصدقاء.

كما كنتُ مؤمنًا منذ بداية الشباب، بأن حياتي مشروعٌ يجب هندستُه وبناؤه على شكل طبقات؛ مثل البيت أو العمارة من دون يأس، فالحياة لا تُعطي سرَّها وسعادتَها بسهولة، وينبغي فهمُها بألوانها الطبيعية، بعيدًا عن الأحلام والأوهام.

واكتشفت من الحياة، بان الفشل أحيانًا فيه لذة، ربما تفوق لذة النجاح؛ لأنه يصنع عوالمَ من التفكير الدائم، ويجعل العقلَ دائمًا يستقبل المُثيرات، وكأنها أمواجٌ من الأمل!! فالأمل يخرج أحيانًا من فوَّهات اليأس. في أحد الأيام فوجئتُ بعرضٍ قدَّمه لي المخرج الراحل طارق الحمداني؛ مخرج برنامج (عدسة الفن) بأن أقوم بإعداد البرنامج، بعد قرار المؤسسة استبعاد الراحل خالد ناجي من البرنامج لأسباب تتعلق بعلاقته مع الشركات السينمائية؛ حيث وجد في قدراتي ما يُؤهِّلني لإعداد البرنامج؛ لطبيعة عملي في مجلة (فنون)، وخبرتي العملية في فنون الكتابة للإذاعة والتلفزيون.

كانت حقًّا مغامرة مثيرة في ذلك الوقت؛ أن أقبل إعداد برنامج جماهيري ناجح، صنعه خالد ناجي لسنواتٍ وباقتدار، ومنحته المذيعة خيرية حبيب مقدمة البرنامج التوهجَ والشعبية، بشخصيتها التلقائية المُحببة للناس، وصوتِها المُميز بالنبرات الهادئة كلَّ يوم خميس. لكن البرنامج تعرَّض لانتقادات قوية من داخل إدارة المؤسسة؛ لضعفِ مادته، وإسفافه فيها، دون منحه ثِقلًا ثقافيًّا مناسبًا، ولنمطيته التقليدية الثابتة دون تغيير.

الحلقة الأولى، كانت لي اختبارًا صعبًا باجتياز مرحلة الخوف والقلق، مثلما كانت مفاجأة للإدارة التي رأت فيه خطوة متقدمة للتطوير، فقد أعجب بها الشاعر حميد سعيد الذي كان رئيسًا للمؤسسة آنذاك، وانتابه السرور، وسمعت كلامًا كبيرًا من المخرج الراحل رشيد شاكر ياسين (زوج مقدمة البرنامج)، وهو مهنيٌّ مرموق في عمله الإخراجي، حيث قام بتقديم التهنئة بالحلقة الأولى في كافتيريا المؤسسة؛ قال لي: “لقد استمتعتُ بالحلقة الأولى فنيًّا وثقافيًّا بعد أن امتنعتُ عن مشاهدة البرنامج منذ سنوات!” وكان الحمداني مخرج البرنامج هو الآخر مندهشًا بطريقة الإعداد، وتفَهُّمي للمتطلبات الفنية للبرنامج، وقدرتي على المزاوجة بين المتعة والثقافة بإيقاع سريع؛ رغم علمه بأنني دخلتُ أكثر من عشرين دورة في الفنون الإذاعية بمعهد التدريب الإذاعي، وهو ما أهَّلني للاستمرار في إعداد البرنامج بنجاح.

بَقِيَ اسمي كمعد جديد للبرنامج، كأنه سرٌّ دفين، ومجهولٌ لدى الكثير من الزملاء والكتَّاب، ويُثير المفاجأةَ والدهشةَ لدى سماعهم الخبر، فلأنني لم أكن أحب التبجُّحَ والدعايةَ لنفسي، ولا الاهتمامَ بالشهرة، أو الإيحاءَ بذلك بطريقةٍ مُبتَذَلة، فكنت أشكر مَن يُهنئني، وهم قلة، وأصمتُ عند الحديث عن البرنامج. وكان من الصُدف أن الألقاب في ذلك الوقت كانت ممنوعةً في الإعلام؛ فكان اسمي يُكتب ثُلاثيًّا دون اللقب، وليس كما هو معروف في الصحافة؛ مما يجعل الأمرَ مفتوحًا للاجتهادات والتوقعات! رحل طارق الحمداني، مخرج البرنامج، الشاهد الحقيقي على تاريخ البرنامج، وحكايته مع المُعدّين، لكن السيدة خيرية حبيب مقدمة البرنامج مازالت حيَّةً تُرزَق في إحدى مدن إقليم كردستان؛ هي الشاهدة الوحيدة لمسيرة البرنامج. وما كنت ارغب كتابة هذا الموضوع لولا تعمد البعض من خلط أوراق التاريخ وتزوير الحقيقة!

.....................................................................................................
* الاراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق