يتقافز في الذهن سؤال كبير لماذا تقوم صحف غربية بالكشف عن فضائح الفساد في العراق بأسلوب استقصائي ولا تستطيع وسائل الاعلام العراقية فعل ذلك؟؟ هل تساقطت اسنان الصحافة العراقية "الحزبية" بحثا عن رضا الممول؟؟ ام ان هذه الاسنان تبحث عن تمويل الإعلانات من هذه الوزارة او تلك؟

ولابد من التأكيد على ان هذه الدعوة للصحافة الاستقصائية عن مظاهر الفساد في العراق وهي كثيرة ليست بدعوة للتسقيط السياسي كما سينبري البعض لوصفها، بل هي انموذج دولي للصحافة الإصلاحية، كون الصحافة الاستقصائية تتضمن اطراف القضية منهم مع وضد واراء خبراء محايدين في الموضوع المطروح ورأي قانوني حول تجريمه وفي كثير من الأحيان اقرأ عن مسابقات منظمة اريج، الفرع العراقي او العربي من منظمة نيرج النرويجية وهي تعلن عن مسابقات لتحقيقات استقصائية، لكني لم اقرأ لمرة واحدة أي تحقيق استقصائي فاز في هذه المسابقات عن الفساد او الإرهاب وكل منها وجه للأخر!.

تبدو مشكلة الصحافة العراقية انها تسعى للتعلم من الصحافة الدولية ومنها الصحافة الاستقصائية، واليات عملها بالشكل المطلوب ولكنها تصطدم بمعوقات وعقبات كثيرة لان التحقيق الاستقصائي له شروطه الفنية والموضوعية والمهنية، انه ليس سبقا صحفيا، بل نوعا من العمل الصحفي المحفوف بالمخاطر الذي يبدوان الكثير من وسائل الاعلام العراقية وهي توجه شحة المال وقلة الخبرة في تمويل مثل هذه التحقيقات، نعم هناك الكثير من الدورات التي نظمتها جمعيات إعلامية وكليات اعلام في مختلف الجامعات كنوع من التعليم المستمر على فنون الصحافة الاستقصائية، ولدينا خبرات مهنية راقية لمثل هذه الاعمال وأيضا يطرح السؤال لماذا هذا التغافل عن موضوعي الفساد والإرهاب في منهج عمل من يمكن لي تسميتهم بالصحفيين الاستقصائيين؟؟

مشكلة المجتمع العراقي اليوم انه يتعايش مع الفساد والإرهاب، وليس باستطاعة اي صحفي مهما كانت خبرته مواجهة حيتان الفساد والكشف عن اسرار صفقاتهم، فقمة جبل الثلج ما زالت غير ظاهرة للصحافة الاستقصائية والغور في بحورها ومحيطاتها لسرقة المال العام، تحتاج الى كفاءة ومهارة، تتمثل في الكشف عن هذا الفساد من خلال مواقع متخصصة ترتبط بالجامعات ومنظمات المجتمع المدني المعنية بمواجهة الفساد، فمثلا هناك منظمة نعنى بالشفافية الاستخراجية، لم نسمع منها أي تصريح يؤكد او ينفي ما ذكر في التحقيقات الاستقصائية عن الفساد في جولات التراخيص، فاذا كانت المعلومات وأليات البحث عنها وتوثيقها ونشرها غير متوفرة حتى لمنظمة مجتمع مدني متخصصة بهذا الموضوع فاين يذهب الصحفي الاستقصائي للسؤال والاستقصاء عن مظاهر الفساد ؟؟

الشيء الأبرز، ما ذكره احد الزملاء من مسؤولي الصحف بان اية محاولة لمجرد نقد مظاهر الفساد الإداري وليس المالي في أي مؤسسة حكومية تعني حجب الإعلانات عن تلك الصحيفة، وهو سلاح فتاك، على حد قوله، يجعل مسؤولي الصحف العراقية خارج الاطار الموضوعي المطلوب لنشر ثقافة النزاهة ومكافحة الفساد.

الامر الاخر، ان اغلبية وسائل الاعلام وهي تعاني من شحة المال والتمويل الإعلاني، تقوم بتقليص كوادرها الى الحد الأدنى المطلوب لديمومة الإصدار وتغطية تكاليف الطباعة، فكيف يمكن لهم تمويل صحافة استقصائية تتطلب تفرغا شاملا وتنقلات وبحث واستقصاء عن حقائق الفساد ؟؟

من اجل خلق صحافة استقصائية حقيقية في عراق اليوم مطلوب الحد الأدنى مما يلي:

أولا : ان تنهض الجمعيات المعنية بالصحافة ومنها نقابة الصحفيين العراقيين والنقابة الوطنية لصحفيين العراقيين والجمعيات والروابط المعنية بالدفاع عن الصحافة ووسائل الاعلام وكليات الاعلام في الجامعات العراقية، بتنظيم مسابقات دورية عن الصحافة الاستقصائية في منع الفساد ومكافحته، لان ذلك من صميم واجباتها النقابية والتعليمية الاكاديمية، لان طرح الأفكار دون تطبيق مثل رمي حجر في بحر الفساد وهذه الجهات قادرة على تنفيذ مثل هذه المسابقات ودعم الصحفيين الاستقصائيين، افضل من ادراج نشاطاتهم ضمن مسابقة اريج فقط .

وهذه الجهات لا يمكن لاي جهة حكومية ربط مسابقاتها بالإعلانات التي تخشى الكثير من الصحف محاربتهم من الفاسدين والمفسدين في حالة تعرضهم عبر التحقيقات الاستقصائية.

ثانيا : لا تمثل النزاهة فقط جرائم الفساد التي يعاقب عليها القانون بل هي سلوك مجتمعي مطلوب، ولابد لهيأة النزاهة ان تبادر من جانبها الى طرح تصوراتها وافكارها عن اليات نشر ثقافة النزاهة كون قانونها يمنع الكشف عن ملفات التحقيق الا بعد صدور الاحكام القضائية فيها، وشتان ما بين الحالتين، ما بين إشاعة ثقافة النزاهة والسلوك الوظيفي القويم وحوكمة العمل الإداري في مؤسسات الدولة ومعالجة الروتين والحد من هدر المال العام في مراقبة المشاريع وتنفيذ العقود الحكومية، وبين ملفات التحقيق مع متهمين بالفساد لم تصدر الاحكام القضائية بحقهم .

ومن ذاكرتي الصحفية تحقيق كتبه احد الزملاء عن تعطل تنفيذ نفق الباب الشرقي بعد تجاوز المدة الزمنية المقررة، في تحقيق ليس استقصائيا، لكنه نبه الدولة الى هدر المال العام وضياع الزمن في تنفيذ هذا المشروع العمراني المهم لوسط بغداد، مما جعل الرئيس البكر يزور مكان العمل في اليوم الذي نشر فيه التحقيق، وملاحقة الصحف فقط لمشاريع الدولة وفقا لما ينشر في الموازنات العامة وتقارير ديوان الرقابة المالية كفيل بإنجاز الكثير من التحقيقات الاستقصائية التي تنبه هيأة النزاهة الى مزاعم الفساد وتتحول مباشرة الى بلاغات عنه لاتخاذ ما يلزم حولها وليس العكس ان يطلب من هيأة النزاهة الكشف عن ملفات الفساد قبل احالتها الى القضاء .

ثالثا : هناك الكثير من الأفكار عن مواقع تواصل اجتماعي تربط الصحافة الاستقصائية من خلال تبادل المعلومات لبرنامج عمل يوزع على فرق عمل للصحافة الاستقصائية، واهمية ان تكون لديهم القدرة على متابعة تقارير الشفافية الحكومية التي لزم القانون على كل وزارة نشرها سنويا ومقارنتها مع الواقع، عندها ستكون هذه الفرق امام مهمات استقصائية لمقارنة صحة هذه التقارير مع رضا الشعب عن تنفيذ الموازنة العامة وفقا لتلك لتقارير الشفافية في اعمال تلك الوزارات عندها ستظهر حقائق الرضا الشعب عن الحكومة في صرف أموال الشعب بالشكل الصحيح والمناسب ام انها هدرت من أبواب الفساد، وهنا تظهر مسؤولية مكاتب المفتشين العمومين لتوفر الإجابات عن تساؤلات الصحافة الاستقصائية كل حسب مهمات وزارته، وتحديد سقف زمني للإجابة بخلافه تنشر المعلومات مع إشارة الى ان هذا المكتب او ذلك المفتش العلام لم يتعاون مع فريق العمل للصحافة الاستقصائية ؟

ولعل اول فكرة يمكن العمل عليها الكشف عن الفارق الكبير في رواتب المسؤولين في الرئاسات الثلاث والحلول المطلوبة للحد منها كونها تمثل بوابة الفساد الأولى، والكشف عن موضوعي اللجان الاقتصادية ولجان الموظفين في الأحزاب والكتل البرلمانية التي توزع أموال الشعب وفقا لقاعدة المحاصصة، اليس هناك منظمات مجتمع مدني ضد الفساد، كيف لا تباشر اعمالها في مثل هذه الموضوعات الأساسية والاسهل، والا لماذا أسست أصلا؟؟

رابعا :يمكن التدرج في التحقيقات الاستقصائية لموضوعات تتماهى مع نشر ثقافة النزاهة في السلوك المجتمعي كبداية موفقة باتجاه ملاحقة الفساد في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ولعل ابسط مثال على ذلك اجراء استقصاء عن حقيقة انتشار الرشوة في بعض المؤسسات الخدمية، او تلك البضائع التي تصل الى العراق ق من دون شهادة كفاءة دولية معترف بها حسب مواصفات الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية، او الفوارق بين خدمات شركات الاتصال في العراق وفروعها الأخرى في دول الخليج العربي على سبيل المثال، او مقولة ” الجاهل لا يحميه القانون .. هل يعرف المواطن العراقي حقوقه الدستورية والقانونية وفقا لاتفاقات حقوق الانسان ؟؟، والأفكار كثيرة في هذا المضمار لكن تحتاج الى اسنان قوية (إرادة وكفاءة مهنية عالية وجهات نقابية وأكاديمية راعية) لا اعتقد انها غائبة عن صحافة واعلام اليوم.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق