إسلاميات - الإمام الشيرازي

رسالة عاشوراء

بقلم: الامام الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي

الإصلاح كلمةً تعدّد مدّعوها، وكثر الدعاة إليها. فمن منهم أثبت صدق دعواه؟ ومن ثبت للتاريخ نجاح دعوته؟ ومن الذي خلدت آثاره؟ لا ريب أن التاريخ سيكشف الأوراق وسيبين الصادق من غيره والخالد من الفاني. وإن اجتهد المجتهدون في تحريف التاريخ.

ومن المسلّم به أنه لم تخلد ثورة إصلاحية ولا خلّد قائدٌ من قادتها كما ظلت ملحمة كربلاء (ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)) وخلود قائدها سيد الشهداء (عليه السلام)، حينما حمل راية الإصلاح الصادقة الصادعة بالحق حيث يقول (عليه السلام): (إني ما خرجت أشراً ولا بطراً ولكني خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) حيث مضى على ذكراها أكثر من 1300 سنة وما زال لها الأثر الكبير بل الأول على شعور وفكر المؤمنين الموالين لأهل البيت خاصة. وغيرهم من المسلمين عموماً. وإلى الآن تهتز عروش الظالمين حينما تعود أو تحل تلك الذكرى، بحيث أصبحت المدرسة الحقيقة في تربية الثائرين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم.

لذا ومن دافع المسؤولية والوفاء لهذه المدرسة العظيمة لزم إيضاح معالم هذه الثورة العظيمة التي انتصر فيها الدم على السيف والمظلوم على الظالم، فـ(رسالة عاشوراء) نزر يسير مما أفاض به سماحة الإمام الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه) حول هذه الثورة الخالدة موضحاً فيه مواضيع عدة منها الإسلام وقضية عاشوراء، كربلاء البلدة المقدسة والقصة الخالدة، وكرامات الشهداء وقصصهم، وتبعات ترك الإسلام، ثم التعرض لقضية الحكام والحكم في الإسلام ومبدأ الشورى وإلى آخر ما احتواه هذا الكراس من مواضيع مختلفة.

المقدمة، الإسلام وعاشوراء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

إن رسالة عاشوراء: إحياء الإسلام، وإرجاع القرآن إلى الحياة، وهذا هو ما كان يهدفه الإمام الحسين (عليه السلام) من نهضته وشهادته، وذلك لأن الإسلام الذي أنزله الله تعالى في كتابه، ونطق به قرآنه، وبلّغ رسوله (صلى الله عليه وآله)، وضحّى من أجله أهل البيت (عليهم السلام) وخاصة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء يوم عاشوراء، هو الدين الكامل، والقانون الشامل، الذي باستطاعته وفي كل عصر وزمان أن يسعد الإنسان، والمجتمع البشري، ويضمن له التقدم والرقي، والتطلع والازدهار، وذلك في ظل حكام استشاريين، غير مستبدين ولا ظالمين، نص الله على إمامتهم وولايتهم، وفي جوار حكومة عادلة، وإدارة حكيمة، ورعاية واعية، ونظام استشاري.

وكذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووصيه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد صوّرا أيام ولايتهما الظاهرية القليلة، عن الإسلام أفضل صورة من الحرية والاستشارية، وتطبيق العدالة وأداء الحقوق الفردية والاجتماعية.

ولكن لما نزى على كرسي الحكم بنو أمية، تشدّقوا بالإسلام، وهتفوا به ظاهراً، بينما قد اتخذوه مهجوراً في الواقع، وطبقوا أحكام الجاهلية، وحكموا بما يحلو لهم من نزعاتهم الرومية، إذ هم كانوا يرجعون إلى أصل رومي سبباً ونسباً، وفكراً ومعتقداً، وأحيوا كل ما أمكنهم مما أماته الإسلام، وأماتوا كل ما استطاعوا مما أحياه الإسلام، فارجعوا عاصمة الإسلام إلى الشام عاصمة الروم، وأعادوا الحكم إلى السلطنة والوراثة كما كان عليه الرومان، وغيّروا وبدّلوا، وعكسوا عن أعمالهم العدوانية التي كانوا يضفون عليها اسم الإسلام، صورة مشوّهة عن الإسلام، ووجهة مموهة منه، وذلك بغية طمسه وهجره، بحيث انه لو لم يتدارك الإمام الحسين (عليه السلام) الإسلام، لمحوه من الوجود، ولاجتثّوه من الجذور، ولأكلوا عليه وشربوا.

الإمام الحسين (عليه السلام) يتدارك الإسلام

نعم تدارك الإمام الحسين (عليه السلام) الإسلام، وكان ثمن تداركه هذا، تقديم دمه الطاهر، والتضحية بثمانية عشر فتىً من أهل بيته الطاهرين الذين لم يكن لهم على وجه الأرض من شبيه، كما في الحديث الشريف(1).

وحيث أن الثمن كان غالياً جداً، والتدارك كان لله خالصاً محضاً، ولم يكن يشوبه هوى نفس، ولم تمتزج به مصلحة شخصية أبداً، وإنما كان لله تعالى وحده، حتّى ينقذ عباد الله من الجهالة ومن حيرة الضلالة، صار كلما يذكر الإمام الحسين (عليه السلام)، أو عاشوراء، أو كربلاء، يذكر إلى جانبه، ويتجسم بحياله: الإسلام، القرآن، الحرية، الاستشارية، المؤسسات الدستورية، التعددية الحزبية، الأخوّة الإسلامية، الحقوق الإنسانية الفردية والاجتماعية، العدالة العامة والضمان الاجتماعي، التقدم والازدهار، الرقي والحياة الرغيدة، السعادة والهناء، كما ويذكر إلى جانبه: الحرب ضد التجبّر والطغيان، وضد الدكتاتورية والاستبداد، وضد التوحش والبربرية، وضد التقهقر والرجعية، وضد الفقر والجهل، وضد الاستثمار والاستعمار، وضد الكبت والحرمان.

الشعائر الحسينية وأهميّتها

ثمّ أن الذي يجسّد هذه القيم، ويحيي هذه المثل، ويبقيها طرية جديدة، وينشرها في ربوع الكرة الأرضية، وخاصة في مثل هذا الزمان الذي اتخذ المسلمون الإسلام مهجوراً، واكتفوا منه بالاسم دون العمل، هو: إقامة الشعائر الحسينية، ونشر ثقافة المنبر الحسيني، ويجب أن يكون ذلك عبر الفضائيات والانترنيت، ووسائل الإعلام القديمة والجديدة، وفي كل البلاد الإسلامية، بل في جميع بلاد العالم.

وهذا يتطلب من المسلمين جميعاً، وخاصة أصحاب الهيئات والمواكب، وأهل القلم والمنبر، وذوو الخطابة والبيان، أن ينظروا إلى قصة الإمام الحسين (عليه السلام) بنظرة أوسع، وان يتعاملوا معها برحابة صدر اكبرن وان يعلموا بان الإمام الحسين (عليه السلام) ليس هو حكراً على المسلمين فحسب، وفي البلاد الإسلامية فقط، وإنما الإمام الحسين (عليه السلام) هو خلف جده الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي بعثه الله تعالى إلى الناس كافة، وأرسله إلى العالم كله، وكذلك يكون الإمام الحسين (عليه السلام) إماماً للناس كافة وعلى العالم جميعاً، علماً بأن الناس جميعاً والعالم كله متعطش إلى أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) وتعاليمه، ومتلهف إلى أخلاق الإمام الحسين (عليه السلام) وسيرته، فلو استطعنا أن نوصل إلى الناس كافة، وإلى جميع العالم صوت الإمام الحسين (عليه السلام) ونداءه، وأهدافه وتعاليمه، لاتبعه كل الناس وفي جميع العالم.

وعليه: فكل تقصير منا في إيصال هذا الصوت، وإبلاغ هذا النداء، وكل اشتغال منا بالتنازع فيما بيننا، والتشاجر على مصالحنا الشخصية، أو الأهواء النفسية، مما يبعدنا عن هذا الهدف الإنساني والشرعي، فهو ذنب لا يغفر، وعيب لا يستر، وربما ـ ولا سمح الله ـ يجعلنا بالنسبة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) وجدّه وأبيه، وأمّه وأخيه، والأئمة من بنيه (عليه السلام)، من أولئك الذين ينقلب شفعاؤهم، خصماؤهم يوم القيامة.

إذن، فعلينا أن نسعى جادين، متشاورين ومتعاونين، وبكل طلاقة وجه، ورحابة صدر، وسعة فكر، من اجل تعميم بركة الإمام الحسين (عليه السلام) على كل المعمورة، وإلى كل الناس، فإنه كما قال فيه جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة) أي: لجميع الناس وفي كل العالم، وما ذلك على الله بعزيز.

كربلاء: البلدة المقدسة

نقل العالم الشهير، والمحدّث الكبير ابن قولويه رحمه الله في كتابه المعروف: (كامل الزيارات): إنه قد دفن في أرض كربلاء المقدسة مائتا نبي، ومائتا وصي، ومائتا سبط(2).

كما أن في النجف الأشرف قبر كثير من الأنبياء والصديقين، مثل: آدم ونوح، وهود وصالح على نبينا وآله وعليهم السلام.

إن تاريخ الأرض وما جرى عليها مجهول لدينا، ولا نعلم من ذلك إلا شيئاً قليلاً، اللهم إلا إذا ظهر الإمام المهدي (عليه السلام) وعجل الله تعالى في ظهوره، فيبيّنها لنا، ويطلعنا على انه كم مر على الأرض من أدوار؟ وكم بقي للأرض من أزمان؟ فإن هذا وأمثاله مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، ومن اطلعه الله تعالى على علمه، وهم نبينا (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، لكن مع كل ذلك يقول الله تعالى في هذه الدنيا وما فيها من ارض وسماء، وشمس وقمر، وماء وهواء، وبرّ وبحر (فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)(3) ويعبر عنها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بتعبير اللّماظة(4) كما ويعبر عنها (عليه السلام) أيضاً: بأنها كعراق خنزير في يد مجذوم.(5)

ثم إن هذه الدنيا الصغيرة أمام الآخرة، والحقيرة عند الله تبارك وتعالى وعند أوليائه، بقي ولا يزال أغلبها خافياً على كثير من الناس، فكيف بالآخرة الكبيرة بالنسبة إلى الدنيا، والعظيمة عند الله تعالى وعند أوليائه؟

إذن، فما خفي عنّا من الآخرة هو أكثر بكثير ممّا خفي عنّا من أنفسنا ومن الدنيا، وأما ما خفي علينا من الآخرة فمنها: ما قد نقله لنا الأستاذ الفقيد آية الله السيد الميلاني(7) رحمه الله حيث انه كان حاضراً عند موت استاذه الشيخ مرتضى الطالقاني، وكان الشيخ الطالقاني رحمه الله من أخيار علماء النجف الأشرف، قال: إنه كان في ساعة الاحتضار مغمى عليه، وفي لحظات عروج روحه إلى السماء، فتح عينيه ونظر إلى من كان حوله من الناس وقال لهم: لو أن المؤمن يعلم ما اعد الله تعالى له في الآخرة، لم يرض لنفسه أن يعطي الدنيا كلها في قبال دقيقة من الآخرة، قال هذا الكلام ثمّ غمض عينيه قائلاً: لا اله إلا الله، وفارقت روحه الدنيا رحمة الله عليه.

نعم، هكذا نحن قاصرون في علمنا بالنسبة إلى أنفسنا، وبالنسبة إلى دنيانا، وهكذا بالنسبة إلى الآخرة التي أعدها الله تعالى للصالحين من عباده، والمتقين من بريّته وخلقه.

الاهتمام بالمنبر الحسيني

المنبر الحسيني قد أثبت نفسه على طول التاريخ وممرّ العصور، بأنه من أفضل الوسائل، وأهم العوامل، لحفظ قضيّة الإمام الحسين (عليه السلام) وإبقائها حية طرية، تتفاعل مع القلوب والضمائر، والنفوس والأرواح، والعقول والعواطف.

ومن المعلوم: إن قصة الإمام الحسين (عليه السلام) هي أهم قصة يتمكن المسلمون بسببها من تبليغ القرآن والإسلام، ونشر التقوى والفضيلة في ربوع الأرض عامة، وبين المسلمين خاصة، وذلك لأن قصة الإمام الحسين (عليه السلام) هي قصة حقيقية وواقعية، عقلانية بحتة، وفي نفس الوقت، عاطفية صرفة أيضاً، وليست هناك عند البشرية قصة مثلها، ولا قضية تضاهيها في الاستهواء والتأثير، والجذب والتسخير، واستقطاب الجماهير، فقد نقل لي أحد خطباء المنبر الحسيني ما يلي:

قال: كنت وجماعة من خطباء المنبر الحسيني في سيارة قد استأجرناها لتنقلنا من مكان إلى آخر، وفي الطريق تلاطف أحدنا مع سائق السيارة بملاطفات انجرّ الكلام بينهما إلى ما لا يليق، قال ذلك الخطيب: فتداركت الموقف وأخذت اعتذر من السائق، لأصرف ذهنه عما جرى، واغسل ذاكرته عن الكلام غير اللائق، الذي كلّمه به صديقنا الخطيب، والذي ربما جرح خاطره، وكدّر عواطفه، فلما قدّمت له اعتذاري وانتهيت من كلامي، التفت اليّ السائق وقال بكل احترام واجلال وتواضع وخشوع: يا سماحة الشيخ إنه لم يبدر اليّ منكم ما يستدعي الاعتذار والتنصّل، كيف وإن لكم حق الحياة عليّ؟ إذ بسببكم هداني الله تعالى إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وعليّ أن أؤدّي حقكم، وأقدم جزيل الشكر الذي يجب علي بالنسبة إليكم.

من بركات المنبر

قال الخطيب وهو يواصل قصته: فسألت السائق حينئذ عن قضيّته، وكيف هداه الله تعالى بسببنا؟

فأجاب قائلاً: لقد كنت في أول شبابي، وعلى أثر المحيط الفاسد الذي كنت أعيش فيه، والأصدقاء السوء الذين كانوا يصحبونني، منحرفاً أشد الانحراف، وبعيداً غاية البعد عن التقوى والفضيلة.

وذات مرّة وقد انّبتني نفسي اللوّامة، ووخزني ضميري ووجداني على ما أمارسه من انحراف، واقترفه من ذنوب، إذ وقع طريقي على مجلس من مجالس الإمام الحسين (عليه السلام)، فحملت نفسي وأنا ألومها على انحرافها، واعتب عليها لانزلاقها واعوجاجها، على أن اشترك في هذا المجلس الحسيني، فدخلت فإذا أنا بالخطيب على المنبر وهو يعظ الناس ويرشدهم، ويفسّر لهم بعض الآيات الكريمة، ويقرأ عليهم نزراً من الأحاديث الشريفة، فأخذتني مواعظه، وأثّرت في قلبي نصائحه، وصقلت نفسي الآيات والروايات التي كان يرتلها على مسامعنا، ثم عرّج من نصائحه ومواعظه إلى قراءة المصيبة على قمر بني هاشم أبي الفضل العباس (عليه السلام) وحكى لنا عن كيفية جهاده في سبيل الله، ومواساته لأخيه الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أن وصل إلى حكاية ما قاله أبو الفضل العباس (عليه السلام) يوم عاشوراء، عندما قطع الأعداء يمينه من رجزه في وجه الأعداء وهتافه بهم:

والله إن قطعتموا يميني***إني أحامي أبداً عن ديني(8)

فبكيت بكاءً شديداً، وقلت في نفسي متمتماً: كيف تسمح لنفسك وأنت تدّعي حب أبي الفضل العباس (عليه السلام) أن تهتك حرمة الدين بمواصلة انحرافك، واستمرار جرائمك وجناياتك، وأبو الفضل العباس (عليه السلام) قد ضحّى بنفسه، وقدّم يديه لحماية الدين وحفظ حرمة الإسلام؟ فهزّني ذلك من الأعماق، وأيقظني من رقدتي وغفلتي، وجعلني اندم على ما سلف مني، واعزم على إصلاح نفسي.

وبالفعل فقد توفقت للتوبة، واهتديت إلى طريق الأوبة، وأخذت جادة الصواب، وسرت في طريق التقوى والفضيلة، كل ذلك ببركة ذلك الخطيب الحسيني، ثمّ تحسنت حالتي، وتخلّصت من شقوتي وكآبتي، والحمد لله رب العالمين، لذا بقيت وأنا أرى نفسي مديناً لرجال الدين، وأرى لخطباء المنبر الحسيني حق الحياة عليّ، كما أرى على نفسي أن أجلّهم واحترمهم، وأن أكون لهم من الشاكرين دوماً وأبداً.

القصة الخالدة

نعم قصة الإمام الحسين (عليه السلام) قصة خالدة، ترتبط بواقع الكون الرحيب، وتتصل بعمق الحياة المليئة بالمعنويات، مما يمكن الاستفادة منها لاصلاح الدنيا في كل مجالتها، واسعاد الإنسان في جميع أبعاده، ونشر الدين بكل فضائله، واحراز الآخرة بجميع خيراتها، فإن وراء ما ظهر من قصة الإمام الحسين (عليه السلام) الخالدة، حقائق وواقعيات عميقة الغور، بعيدة المدى، لا ينالها الإنسان بفكره، ولا يدركها بعقله، إلا بعد تدبّرها وتحقيقها، مطالعتها ومدارستها، وذلك لأنها قصة مستوحاة من الوحي، ومستقاة من السماء.

فكما أن وراء كل الظواهر الكونية، حقائق كامنة، وواقعيات باطنة، وأعماق نافذة، ومعنويات ضافية، لا يتمكن الإنسان الوصول إليها، ولا يستطيع دركها ولا فهمها إلا عن طريق اسبابها، فكذلك تكون قصة الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ((وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها))(9) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة والحكمة فليأتها من بابها)(10) وعن ابن عباس: (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها إلا وله ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب (عليه السلام) علم الظاهر والباطن)(11). وعن جابر قال: فقال لي أبو جعفر (عليه السلام): (يا جابر أن للقرآن بطناً، وللبطن بطن، وله ظهر وللظهر ظهر، يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن)(12).

وفي القرآن أيضاً آيات تشير إلى هذه الحقيقة، وذلك حيث يقول سبحانه: ((وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ))(13).

وفي آية أخرى: ((فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ))(14).

وقال الشاعر:

أُذُن الحقيقة والعيونُ وألسنُ الـ***أشياء تحت ستائر الأضمار

ولعل الشيء الظاهر لنا هو: جزء يسير من الواقع المخفي علينا، قال سبحانه: ((فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ))(15) إشارة إلى عالم ما بعد الموت، حيث يكشف الله تعالى عن بصر الإنسان ما كان عليه من ستائر وحجاب يمنعه من رؤية حقائق الأمور، وبواطن الأشياء، فيحتدّ بصره، وينفذ في الأشياء، فيرى كوامنها وبواطنها، مما كانت خافية عليه من قبل في عالم الدنيا. ومن ذلك أمور كونية ترتبط بشهادة الإمام الحسين فقد لا يستوعبها البعض ولكنها حقيقة أرادها الباري عز وجل.

السماء والأرض يبكيان الإمام الحسين (عليه السلام)

إن في قصة الإمام الحسين (عليه السلام) كوامن جليلة، وخفايا كثيرة، قد كشف لنا عن بعضها أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، منها: بكاء السماوات والأرض، والشمس والفلك، والوحش والطير، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (زوروا الحسين (عليه السلام) ولا تجفوه، فإنه سيد شباب أهل الجنّة.. وشبيه يحيى بن زكريا، وعليهما بكت السماء والأرض)(16).

وفي خبر ابن شبيب عن الإمام الرضا (عليه السلام): (إنه بكت السماوات السبع والأرضون لقتله)(17).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل جاء فيه: (إن أبا عبد الله لما قتل، بكت عليه السماوات السبع، والأرضون السبع، وما فيهن وما بينهن، ومن يتقلّب في الجنة والنار، وما يرى وما لا يرى...)(18).

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: بكت الانس والجن والطير والوحش على الحسين بن علي (عليهما السلام) حتى ذرفت دموعها)(19).

وعن زرارة قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) يا زرارة إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدم، وإن الأرض بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة... وما اختضبت منا امرأة ولا ادّهنت، ولا اكتحلت، ولا رجّلت، حتّى أتانا رأس عبيد الله بن زياد لعنه الله، وما زلنا في عبرة بعده...)(20).

فبكاء السماء والأرض وما فيهما وما بينهما على الإمام الحسين (عليه السلام) حقائق كامنة لقصة الإمام الحسين (عليه السلام) نحن لا نعلمها، وإنما كشف لنا عنها، أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين اطلعهم الله تعالى على غيبه وعلى حقائق الأمور وواقعياتها.

ضجيج الملائكة وبكاؤهم

ومنها: بكاء الملائكة وضجيجها، فعن الفضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما لكم لا تأتونه يعني: قبر الحسين (عليه السلام)؟ فإن أربعة آلاف ملك يبكون عند قبره إلى يوم القيامة)(21).

وعن أبي عبد الله قال: وكّل الله بالحسين بن علي سبعين ألف ملك يصلّون عليه كل يوم شعثاً غبراً، منذ يوم قتل إلى ما شاء الله يعني بذلك: قيام القائم (عجل الله تعالى فرجه)(22).

وعن محمد بن حمران قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (لما كان من أمر الحسين بن علي ما كان، ضجّت الملائكة إلى الله تعالى وقالت: يا رب أيفعل هذا بالحسين صفيّك وابن نبيك؟ قال: فأقام الله ظلّ القائم (عجل الله تعالى فرجه) وقال: بهذا انتقم له من ظالميه)(23).

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكون الحسين إلى يوم القيامة، فلا يأتيه أحد إلا استقبلوه، ولا يمرض أحد إلا عادوه، ولا يموت أحد إلا شهدوه)(24).

نعم إن ضجيج الملائكة، وكذلك بكاؤهم على الإمام الحسين (عليه السلام)، وهكذا مكثهم حول قبره الشريف، واستقبالهم لزواره، وإكرامهم لهم، هو من كوامن قصة الإمام الحسين (عليه السلام) ومن حقائقه الباطنة، التي اخبرنا عنها من اطلعهم الله تعالى عليها، وذلك ما يؤكد على عظمة قصة الإمام الحسين (عليه السلام) وكبير وقعها وأهميتهأ.

الجن تنوح على الإمام الحسين (عليه السلام)

ومنها: نوح الجن وبكاؤها، فعن ابن نما في مثير الأحزان قال: ناحت عليه الجن، وإنه كان نفر من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) منهم: المسور بن مخزمة، يستمعون النوح ويبكون.

وذكر صاحب الذخيرة عن عكرمة: إنه سمع ليلة قتله (عليه السلام) بالمدينة مناد يسمعونه ولا يرون شخصه:

أيها القاتلون جهلاً حسيناً***ابشروا بالعذاب والتنكيل

كل أهل السماء تبكي عليهم***من نبي وملك وقبيل

قد لعنتم على لسان ابن داود***وموسى وصاحب الإنجيل(25)

وفي كامل الزيارات مسنداً قال: بكت الجن على الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقالت:

ماذا تقولون إذ قال النبي لكم***ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بأهل بيتي وإخواني ومكرمتي***من بين أسرى وقتلى ضرّجوا بدم(26)

وقد نقل أحد الزهّاد قائلاً: إنه سمع بكاء امرأة من الجن ليلة عاشوراء وهي تنوح وتبكي على الإمام الحسين (عليه السلام).

ونقل لي الوالد (رحمه الله) أنه كان يسمع نياح الجن في ليالي عاشوراء من الدار المجاورة لنا في كربلاء المقدسة، وغير ذلك من القصص الكثيرة.

وعليه: فهذه وأمثالها حقائق كامنة، وواقعيات باطنة، لا يمكن انكارها، ولا يصح تكذيبها، رغم خفائها علينا، واستتارها عن انظارنا، وذلك لانها موجودة أخبر بها الصادقون، وشهدها المتقون، وهي كلّها ترتبط بقصة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتدل على ارتباطها الوثيق بالغيب والماورائيات، وبالوحي والسماء.

كرامات الشهداء

ومنها: ما نقل لي أحد الثقاة، من أن إحدى زائرات الإمام الحسين (عليه السلام) في ليلة الأربعين وعند منتصف الليل، أخذت تصرخ صراخاً عالياً، وترفع صوتها بالهلاهل المعروفة، التي تطلقها النساء في الأعراس والأفراح، وعند نيل المنى وبلوغ الآمال، وذلك في فندق من فنادق كربلاء المقدسة، ففزع أهل الفندق من صراخها وهلاهلها، وظنوا أنها أصابها مسّ من الجنون، وبعد أن استفسروها عن السبب قالت: كنت نائمة، وإذا بي أرى الإمام الحسين (عليه السلام) في الرؤيا وأرى ولدي فلان عنده معزّزاً ومكرّماً، وما اظن إلا أن ولدي هذا قد استشهد على أيدي جلاوزة النظام الذين يرشقون كل معترض على النظام بوابل من الرصاص، ولا يرحمون أحداً.

فاتصل زوجها عند ذلك عبر الهاتف ببلده، وسأل عن مستجدّات الساحة، وعن حال ولده؟ فأخبروه بأن ابنه مع جماعة من أقرانه اخرجوا مظاهرة سلمية، يطالبون الحكومة ببعض الحقوق المشروعة لهم، فرمتهم جلاوزة النظام بالرصاص دون أيّما رحمة، فقتل على أثرها جماعة من الشباب، وكان من بينهم ولدك، وهكذا ظهر صحة ما رأته الأم من شهادة ولدها، ونزوله ضيفاً مكرّماً عند سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

من ذكريات شهداء الأربعين

ومنها: ما تعارف عند أهل العراق في كل عام وعند اقتراب أيام الأربعين، من أن الناس كانوا يتهيّأون لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، وينحدرون إلى كربلاء المقدسة من كل حدب وصوب، وفي سنة انتفاضة الأربعين، اتجهت الجماهير الغفيرة من الشعب العراقي المسلم نحو كربلاء المقدسة للزيارة، وفي الطريق هتفوا بالحياة للقرآن والدين، وبالموت لأعداء الإسلام والمسلمين، وطالبوا النظام البعثي بحقوقهم المهضومة، وبحرياتهم المكبوتة.

فأجابهم النظام الكافر بالرصاص والنار جواً وبراً، وقتل منهم جماعات كثيرة، وكان من بينهم شاب وحيد لأمّه العجوز، فكانت تبكي عليه ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، وكلما أرادوا تسليتها وتهدئتها، لم يتوفقوا لذلك، وفي يوم من الأيام أصبحت وهي هادئة لا تنوح ولا تبكي، فتعجبوا من ذلك، فسألوها قائلين: كيف كنت لا تهدئين كلما حاولنا تسليتك وتهدئتك، وأصبحت اليوم ساكتة ساكنة قبل أن نطلب منك الدعة والراحة عن النياح والبكاء؟

فأجابتهم وهي تكفكف دموعها بيديها وتقول: لقد طلب مني ابني الشهيد ذلك فنزلت على طلبه.

قالوا لها: وكيف طلب منك ذلك؟

قالت: لقد رأيته البارحة في منامي، فعانقته وأخذت ابكيه كثيراً، فالتفت اليّ وقال لي: يا أماه إن للإمام الحسين (عليه السلام) شهداء قد التحقوا به من يوم شهادته وحتّى يومنا هذا، وأنا من جملتهم، ثمّ قال: يا أماه ألا تحبّين أن اشفع لك يوم القيامة لتكونين مع أمه الزهراء (عليها السلام) في الجنة؟

قلت: وذلك هو أملي وأمنيتي.

فقال: إذن شرطه أن تسكني وتسكتي.

فقلت له: نعم، اسكت واسكن.

الشهداء أحياء عند ربهم

نعم، إن حياة الشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله تعالى، هي أيضاً من الحقائق الكونية الخافية علينا، وقد أخبرنا الله تعالى عنها في كتابه الكريم حيث يقول: ((وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ))(27). وحيث يقول سبحانه: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ))(28).

وقد جعل الله تعالى طراوة بعض اجساد الشهداء الذين عثر على جسدهم بعد شهادتهم، علامة ملموسة لذلك، وآية واضحة عليها، حتّى لا يستطيع أحد انكارها، ولا يتمكن من تكذيبها، إذ بقاء الجسد طرياً بعد مفارقة الروح منه، خلاف ما تقتضيه طبيعة الكون، وعدم تأثير الأرض ولا التراب في تبديد الجسد، وإبلاء الملابس المصبوغة بدماء الشهيد، مناف لطبيعة التراب والأرض التي يدفن فيها الشهيد، ولكن جعل الله تعالى سلامة الجسد علامة على بقاء الحياة، دفعاً للاستبعاد، ورفعاً للغموض والابهام، فإنه تعالى إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، وقد شاء تعالى حياة الشهيد وبقائه، فكان كما شاء وأراد.

مع النبي حَيَقوق

ثم أن حياة الشهيد هذه سنة الله تعالى في هذا الكون، وليست خاصة بهذه الأمة وإن كان لشهداء هذه الأمة وخاصة المعصومين منهم (عليهم السلام) منزلة أرفع، ومقام أسمى، وامتياز على بقية الشهداء، إلا أنه قد عثر على أجساد بعض الشهداء من الأمم السابقة الذين استشهدوا في سبيل الله، فكانوا كأنهم نيام، وكأنهم ماتوا الساعة، لشدة طراوة أجسادهم، وسلامة أكفانهم وملابسهم، ومن أولئك الذين عثر على أجسادهم من الأمم السابقة، وصوّروا جسده بواسطة أجهزة التصوير، ثم دفنوه، هو النبي (حيقوق) وقد رأيت شريط صورته الملوّنة، فكان من حيث لون البشرة، حنطي اللون ومشرب بحمرة، يشبه اهالي منطقة الهلال الخصيب: سوريا ولبنان، وفلسطين والأردن.

ومن حيث شكل الجسم، طويل القامة متوازن الأطراف والأعضاء.

ومن حيث الشكل، جميل الوجه، بديع المحيّا، يشبه اهالي منطقة آسيا الوسطى، وكان وراء رأسه جرح عميق، يكشف عن سبب شهادته، ويشير إلى انه قتل على يد كفّار بني إسرائيل بضربة قاسية أوردوها على مؤخر رأسه من الخلف.

وكان قصة عثورهم على جسده هو: أن بعض اليهود الصهاينة، كانوا قد حاولوا سرقته، وذلك بحفر مرقده، ونبش قبره الموجود في بلدة تويسركان من منطقة مازندران في ايران، ناوين أخذه إلى إسرائيل، أو إلى لندن وغيرها، لكن فاجأهم الصباح، وفضحتهم الشمس، مما اضطروا إلى أن يتركوا الجسد ويفروا بأنفسهم خوفاً من وقوعهم في أيدي الناس.

وهكذا أعثر الله تعالى على أجساد أوليائه بيد أعدائه، حتّى يعلم الناس كل الناس، بأن الشهداء أحياء عند ربهم، وعلامته بقاء أجسادهم طرية طازجة، سالمة وجديدة.

وكان النبي حيقوق معاصراً للنبي دانيال، وهما معاً من أنبياء بني إسرائيل، وقد قتلا على أيدي الكفار منهم، وكان من قصتهما أنّهما جاءا معاً إلى ايران من منطقة بابل في العراق بعد أسرهما هناك، فاتخذ أحدهما منطقة مازندران لتبليغ دين الله وإرشاد الناس حتى استشهد ودفن في بلدة تويسركان وهو حيقوق النبي، وثانيهما منطقة خوزستان للتبليغ وهداية الناس حتى قتل ودفن في بلدة شوش، وهو النبي دانيال، وذلك قبل الفين وستمائة سنة تقريباً.

دانيال النبي

وأما قصة العثور على جسد النبي دانيال في بلدة شوش من منطقة خوزستان، فهو كما جاء في التاريخ: بان الجيش الإسلامي الذي أقبل لتحرير الشعب الايراني من كابوس حكومة الأكاسرة بقيادة أبي موسى الاشعري، فتح تلك المنطقة ودخلها فاتحاً محرّراً، وحيث كان يتجوّل في البلد وصل إلى غرفة مقفلة، فجلبت انتباهه، فأمر بكسر قفلها ليرى ما فيها، فلما فتحوا باب الغرفة وإذا به يرى داخلها ميتاً في صندوق زجاجي، ويبدو انه كالنائم، أو كالذي مات من توّه، وذلك للشدّة طراوة جسده وسلامة بدنه، فتعجّب من ذلك كثيراً، وسأل عنه أهل البلد فأجابوا بأنهم لا يعرفون عنه شيئاً، سوى انه إذا حصل لهم الجفاف والجدب، واحتباس المطر والغيث، أخرجوا الصندوق الزجاجي هذا تحت السماء، وبمجرد إخراجه من تحت سقف الغرفة إلى الفضاء، تمتلئ السماء بالسحاب ويأخذ المطر في الهطول.

فكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب في المدينة يخبره بخبر الصندوق الزجاجي، والجسد الذي فيه، والآثار الظاهرة منه، فلم يعرف عمر عنه شيئاً، مما اضطرّ إلى أن يسأل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن ذلك، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إنه النبي دانيال، وإن من بركة الأنبياء بعد موتهم هو انه لو كشف شيء من جسدهم في الفضاء امطرت السماء ونزل الغيث، ثمّ أمره أن يكتب إلى أبي موسى يأمره، بغسله وتحنيطه، وكفنه ودفنه، وكذلك فعلوا حيث أخرجوه من ذلك الصندوق الزجاجي وجهّزوه، ثم دفنوه حيث مرقده الآن.

نعم، إن الأنبياء والأئمة، وكذلك الشهداء والصدّيقين، هم أحياء عند ربهم يرزقون، ومراقدهم من آيات الله تعالى في الأرض، حيث تظهر منها الكرامات، ويستجاب فيها الدعوات، وتقضى عندها الحوائج والآمال، وقد ورد في خصوص الإمام الحسين (عليه السلام): (إن الشفاء في تربته، واستجابة الدعاء تحت قبته، والأئمة من ذريته)(29).

ولذا فالواجب علينا أن نهتم بالشعائر الحسينية، وان نقيمها بكل قدراتنا، وان نزوره بجميع رغباتنا، حتّى إن استلزم ذلك صرف الأموال الطائلة، وتحمل المشاق الصعبة، فقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن ركوب السفينة في البحر والسفر إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وإنه ربما تكفأ السفينة في البحر؟ فقال (عليه السلام) لا بأس، أنها تكفأ في الجنة.

كما يلزم علينا أن نهتم بإحياء شرائع الإسلام، ومناهجه القويمة، التي من اجل إحيائها استشهد الإمام الحسين (عليه السلام) وذلك كما نظمها الشاعر الحسيني عن لسان حاله (عليه السلام) قائلا:

إن كان دين محمد لم يستقم***إلا بقتلي يا سيوف خذيني

احترام التربة الحسينية

لقد أكرم الله تربة كربلاء، وعظّم قدرها، وأكبر شأنها، وجعلها قطعة من ارض الجنة، ومهداً للخير والبركة، وموئلاً لأهل التقى والفضيلة، ومرقداً لسيد شباب أهل الجنة، ومدرسة للإباء والعزّة، والفضائل والمكارم، وشرّفها حتّى على الكعبة، وجعل فيها الشفاء، والسلامة من العاهات والآفات، كل ذلك احتراماً للإمام الحسين (عليه السلام) سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة، وكان علماؤنا الأقدمون يحترمون تربة كربلاء المقدسة غاية الاحترام، ولا يرضون بتلويثها وتنجيسها، واقتدى بهم الناس في كل ذلك.

وقد ذكر عن أحد علمائنا الأعلام، والذي قبره قريب من الروضة الحسينية المباركة، أي: في شارع قبلة الإمام الحسين (عليه السلام) ألا وهو: الشيخ أحمد، المعروف بابن فهد الحلّي رحمه الله، بأنه كان لا يتخلى في ارض كربلاء المقدسة، احتراماً لتربتها، وإكباراً لأرضها، وإنما كان يجمع ذلك في حب كبير أعدّه لذلك، ثم ينقله إلى خارج كربلاء بواسطة الدوابّ ويدفنها هناك، وهذا أمر صعب جداً والالتزام به عسير غاية العسر والشدّة، لكنه رحمه الله كان ملتزماً به، لاحترامه الكبير لكربلاء وتربتها المباركة.

وقد كان من المتعارف عندنا أيام كنا في كربلاء المقدسة، سقي الزوجين وخاصة الزوجة في ليلة الزفاف ماءً مخلوطاً بتربة الإمام الحسين (عليه السلام) وممزوجاً بها، ليكون منشأ بركة في حياتهما الزوجية الجديدة، وسبب توافق وتآلف، وتعاطف وتلاؤم، وعامل هناء وسعادة، ورغد وكرامة، وضامن صحة وسلامة، وحياة زوجية كريمة، ونسل طيب ومبارك.

كما كان المتعارف أيضاً في ليلة الزفاف، ذكر المراثي وقراءة مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) للزوجين الجديدين، وذلك قبل دخولهما غرفة الزفاف، بغية التذكير بشهادة الإمام الحسين (عليه السلام) وشهادة أهل بيته (عليهم السلام)، والتخلّق بأخلاقهم، والتطبيق لأهدافهم السامية.

وكذلك كان من المتعارف عندنا ـ وبحسب الروايات وسيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مع بعض موتاهم وموتى شيعتهم ـ وضع تربة الإمام الحسين (عليه السلام) مع الميت في القبر، ليكون أماناً له من ضغطة القبر وشدّته، وعذابه ووحشته وقد أوصى والدي بأن نضع معه في القبر قرآنه الذي كان يحمله معه أبداً، وكان قد استظهر القرآن وحفظ آيات الكتاب عن ظهر الغيب فيه، وقطعة من تربة الإمام الحسين (عليه السلام) التي كانت معه دائماً، وكانت تنقلب كل يوم عاشوراء إلى قطعة دم، ثم كانت تعود إلى حالتها الطبيعية بعد يوم عاشوراء من كل عام، وقد عملنا بوصيته (رحمه الله) ونفّذناها كما أوصانا بها.

وهكذا كان المتعارف عندنا رفع حنك الطفل بالماء المخلوط بتربة الإمام الحسين (عليه السلام)، ليكون أوّل ما يدخل في جوفه أفضل شيء على وجه الأرض، فيجلبه على حبّ الإمام الحسين (عليه السلام) وعلى متابعته له، وعلى الانتهاج بنهجه، والسير على هداه، والتخلّق بأخلاقه.

تلاوة القرآن فوق القناة

لقد جاء في التاريخ أن ما يقرب من عشرين مورداً تلا رأس الإمام الحسين (عليه السلام) آيات القرآن الحكيم، وتكلّم وهو مفصول عن بدنه الشريف، مرفوع فوق القناة، أو موضوع في الطست، أو غير ذلك، وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على ما يلي:

1ـ إنه يدل على أن الإمام الحسين (عليه السلام) من حيث انه هو سيد الشهداء من الأولين والآخرين بعد جده وابيه، وأمه وأخيه، صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين، فهو (عليه السلام) حي كما قال تعالى عن الشهداء: ((أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ))(30).

2ـ إنه يدل على أن الإمام الحسين (عليه السلام) من حيث انه من أهل البيت، الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فهو (عليه السلام) حي، لان النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) لم يكن موتهم كموتنا، بل موتهم كحياتهم (عليهم السلام). ففي الحديث أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما قال له عمه العباس بن عبد المطلب: إن الناس قد اجتمعوا ليدفنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بقيع المصلى، ويؤمهم رجل منهم للصلاة عليه، قال: (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إمام حياً وميتاً، وقال: إني أدفن في البقعة التي اقبض فيها) ثم قام على الباب فصلى عليه، ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه ويخرجون.(31)

وعن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (سمعته يقول: ما لكم تسؤون رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رجل: كيف نسؤوه؟ فقال أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلا تسؤوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسرّوه)(32).

وعن الوشاء قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: (إن الأعمال تعرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبرارها وفجارها)(33).

وغيرها من الأحاديث الدالة على حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام)، وفي بعضها الاستدلال بقوله تعالى: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ))(34).

3ـ إنه يدل على أن الإمام الحسين (عليه السلام) هو القرآن الناطق، وأنه كما عيّنه جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله المعروف عند الفريقين: (إني مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي...)(35) هو عدل القرآن، والحافظ له، والذابّ عنه.

4ـ إنه يدل على أن الإمام الحسين (عليه السلام) هو الإمام المنصوب من عند الله تعالى على الناس، وحيث أن كتاب الله هو الدستور الإلهي الذي يجب على الإمام الذي نصبه الله تعالى تطبيقه، فهو (عليه السلام) يقرأه حتى بعد شهادته تطبيقاً له في كل نصوصه وجميع موارده.

فمثلاً: عندما يحاذي (عليه السلام) غرفة زيد بن ارقم في الكوفة يقرأ قوله تعالى: ((أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً)) يقول زيد: فقفّ والله شعري عليّ وناديت: (رأسك يا ابن رسول الله أعجب وأعجب)(36).

وعندما يضع يزيد الرأس الشريف في الطست ويبسط عليه تجاسراً وعناداً، وظلماً وكفراً ـ بساط خمرة والشطرنج، فيشرب ويلعب ثم ينكت بقضيبه ثنايا أبي عبد الله (عليه السلام)، يقرأ (عليه السلام) قوله تعالى: ((وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ))(37) فيهزّ المجلس على من فيه، ويزلزل عرش يزيد، ويبطل سلطنة بني أمية الغاشمة على المسلمين.

5ـ إنه يدل على أن الإمام الحسين (عليه السلام) كم كان يهتم بالقرآن الحكيم؟ وإنه كم للقرآن الكريم من عظمة وأهمية، بحيث انه (عليه السلام) يؤكد عليه وعلى تلاوته، وعلى تطبيقه دستوراً الهياً في الحياة، حتى بعد شهادته (عليه السلام) ورفع رأسه فوق الرمح الطويل؟

هجران الكتاب والسنة

الإمام الحسين (عليه السلام) يهتف بالقرآن

لقد قرأ رأس الإمام الحسين (عليه السلام) القرآن الكريم على الرمح، وفي مجلس عبيد الله بن زياد، وفي مجلس يزيد بن معاوية شارب الخمر، ولاعب القمار والشطرنج، كما قرأ أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام ولادته الأولى، القرآن الحكيم وهو ابن ثلاثة أيام أي: عندما خرجت به أمه فاطمة بنت اسد من الكعبة بعد أن ولدته فيها، وكما قرأ عيسى بن مريم من قبله في المهد صبياً قوله تعالى ((آتانِيَ الْكِتابَ))(38)، وذلك ليذكّر الناس كل الناس وإلى يوم القيامة، بأهمية الكتاب العزيز، الذي إذا عمل به الناس سعدوا في الدنيا، وليس العمل بآية الصلاة والصوم فقط، بل بكل الآيات الكريمة، بآية الشورى حيث يقول سبحانه: ((وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ))(39) فإنه يصونهم عن الوقوع في الدكتاتورية وتسلّط الدكتاتوريين.

وبآية الحرية حيث يقول سبحانه: ((يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ))(40) فإنه يحفظهم من الكبت والاختناق، ومن الاستغلال والعبودية، ومن التأخر والتقهقر.

وبآية الأخوة حيث يقول سبحانه: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ))(41) فإنه يمنعهم من الاختلاف والتفرقة، ومن التنازع والمشاجرة.

وبآية الأمة الواحدة، ذات البلد الواحد، والتاريخ الواحد، والعملة الواحدة، بلا حدود جغرافية، ولا حواجز نفسية، وذلك حيث يقول سبحانه: ((وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ))(42) فيقوى امرهم، ويعظم خطرهم، ويهابهم أعداءهم، ولا يكونون لقمة سائغة تتلاقفها الأقوياء، ويزدردها من مناوئيهم أخبثهم وارجسهم.

وبآية اتّباع الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث يقول سبحانه: ((لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ))(43) فيتقدموا يسعدوا في الدنيا والآخرة، إذ في اتباع الرسول (صلى الله عليه وآله) سواء اتباعه في سيرته وأخلاقه الكريمة، أم في أفعاله وأقواله الحكيمة، خير الدنيا والآخرة، ومما قاله (صلى الله عليه وآله): (الأرض لله ولمن عمرها)(44) فإن اتباع قوله (صلى الله عليه وآله) هذا، يحلّ مشكلة الأرض، ويفسح عن أزمة السكن، ويفرج عن الناس ـ وخاصة الشباب منهم ـ ضيق المعاش، وعسر الزواج، وصعوبة المسكن.

ويمنع من أن تكون الأرض متجراً للرؤساء والحكومات، ومغنماً في أيديها تبيعها امتاراً في قبال المال وحسبما تهوى، وبذلك تقف إمام سكنى الناس، وأمام حركة اقتصادهم، وأمام زواج عزابهم، فتتأزم المساكن، وتتوقف الحركة الاقتصادية، ويكثر العزّاب ـ وهو فساد كبير في الأرض ـ وقد ذكرت بعض الاذاعات إحصاءات رسمية عن العزوبة في بعض الدول الإسلامية وقالت: إن الدولة الفلانية فيها خمسة عشر مليوناً من العزّاب، شباباً وشابات، وكلهم في سن الزواج، أليس هذا بلاءً كبيراً وفساداً عظيماً، حلّ بالمسلمين نتيجة اتخاذهم الإسلام مهجوراً، والقرآن ظهرياً؟

إلى غير ذلك من أحكام الكتاب الحكيم، ومن سنة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) ومن سيرة أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) المنسية عند المسلمين، والمتروكة في أوساطهم، وقد بحثناها باسهاب، وذكرناها في كتبنا مفصّلاً.

ولا بأس أن نشير إليها هنا على نحو الاختصار، وبقدر ما يسعه هذا الكرّاس، فنقول ما يلي:

الحريات الأساسية في الإسلام

إن المسلمين اليوم، نسوا الحريات الأساسية التي أمر بها الإسلام العظيم، وسنّها الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، وسار عليها الأئمة المعصومون (عليهم السلام)، ولذلك تأخروا تأخراً فاحشاً، بينما أخذ غير المسلمين بها، فتقدّموا تقدماً باهراً وإن لم يأخذوا بالعقائد الصحيحة.

مثلاً: جاء في التاريخ بان في زمان الإمام السجاد زين العابدين (عليه السلام) وقف من المسلمين بعرفات أربعة ملايين ونصف مليون حاج، وذلك رغم بدائية وسائل النقل في ذلك الزمان وصعوبة التنقلات، حيث انه لم يكن لهم أي شيء من الوسائل الحديثة، ولكن كان لهم ما أمر به الإسلام من التعاون والتعاطف، والتعارف والتكاتف، وما يسمّى بالأخلاق الاجتماعية، فتقدموا مع انه لم يكن يمر من عمر الإسلام حتى حدود قرن واحد من الزمان، بينما اليوم وبعد مرور أربعة عشر قرناً على الإسلام، ومع كثرة المسلمين، وتوفّر وسائل النقل الحديثة، نرى أنّه لا يحج من المسلمين حتى مليونين، فهذا التقهقر الكبير هنا لماذا؟

هذا مع أن الإسلام يصر على الحج، ويذكّر الناس به باستمرار، وذلك حتى في دعاء كل يوم من أيام الصيام الذي يقرؤه كل المسلمين فإنه يقول: (وارزقني حج بيتك الحرام في عامي هذا وفي كل عام).

والجواب: هو أن حكام المسلمين ـ وعلى خلاف الإسلام ـ حرموا شعوبهم عن الحريات الأساسية التي أمر بها الإسلام، وصرّح بها القرآن، فقد جعلوا للحج مشاكل وشروطاً يعجز الكثير من المسلمين على أثرها من السفر إلى الحج، وذلك رغم أن كل حكومة من حكوماتهم تدّعي الإسلامية بادعاءات عريضة وبألسنة طويلة، كما قال الشاعر:

وكل يدّعى وصلاً بليلى***وليلى لا تقرّ لهم بذاكا

فإذا كان هذا هو حال المسلمين مع حكّامهم بالنسبة إلى الحج، الذي هو أمر عبادي وهو مصرّح به في الكتاب والسنة، ومستمر من زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى هذا اليوم، فكيف يكون حال غير الحج من الأمور السياسية وغيرها؟ وعلاج هذا الواقع السيّئ وارجاع الحريات الأساسية إلى المسلمين يتطلّب قبل كل شيء الوعي الجماهيري العام للحريّات الأساسية في الإسلام، كما يتطلّب وعي ثقافة التعددية الحزبية، فإن أول شيء يحتاجه المسلمون اليوم هو: ثقافة الأحزاب الحرة، والصحافة الحرة، والمؤسسات الدستورية، التي تحاسب النظام الحاكم، والهيئة الحاكمة على كل صغيرة وكبيرة، وتسدّ عليهم طريق الاستبداد في الرأي، والدكتاتورية في الحكم، وتظهر الصدق من الكذب، والواقع من غير الواقع، وإلا فالمشركون أيضاً يدّعون الصدق ويحلفون بالله في يوم القيامة قائلين: ((وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ))(45) فاللسان يقول أي شيء شاء، لكن الواقع هو الذي يصدّق أو يكذّب ما يقوله اللسان، إن الحكومات الإسلامية تدّعي أموراً فارغة تبريراً لتأخر الشعوب الإسلامية، لكن المشكلة كامنة في أمرين:

الأول: مشكلة الحكومات بنفسها.

الثاني: مشكلة الشعوب بأنفهسم.

مشكلة الشعوب والحكومات

أما مشكلة الشعوب: فهي كما سبق عدم الوعي للحريات الأساسية في الإسلام، وعدم وعي ثقافة التعددية والاستشارية ونظام شورى المرجعية، وما دام الأمر باق على هذه الحالة تبقى بالنتيجة المشكلات قائمة، والويلات مستمرة، بل تزداد وتتضاعف يوماً بعد يوم، فغد الشعوب الإسلامية شرّ من أمسها، كما هو واقعهم الملموس في هذا الزمان، لو لم يتداركوا ما فاتهم بنشر الوعي والثقافة، والمطالبة السلمية بحرياتهم الأساسية.

وأما مشكلة الحكومات، فهي ابتعادها عن الإسلام، وعن أحكام القرآن، وركونها إلى الذين ظلموا من قبيل أصحاب القوى الكبرى، وحكام الشرق والغرب، مع أن الله تعالى يقول: ((وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ))(46) وانفصالها عن شعوبهم، وعن التفكير في مصالحهم، بل والتفكير في فرض السيطرة عليهم، والتخطيط من اجل تحميقهم وتجهيلهم، وسلب خيراتهم ونهب ثرواتهم.

هذه عادة أغلب الحكومات التي تحكم بلاد المسلمين، والطابع العام لنظام حكمهم، من يوم تبدّدت الامبراطورية العثمانية حتى هذا اليوم، ولكن حيث إن الظروف تبدّلت، والزمان قد تغيّر، واصبح الناس في عصر الفضائيات والانترنيت، فعلى الحكومات أن ترجع إلى الإسلام، وإلى أحكام القرآن، وإلى التعددية والاستشارية، وإلى نظام شورى المراجع، حتى تستطيع البقاء، وتحرز لنفسها احترام الشعوب، والنصر الإلهي الموعود، لها ولشعوبها، فقد قال الله سبحانه: ((وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ))(47) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)(48)، أما والحال هذه، فالفناء والدمار مصير الحكومات الظالمة، على أيدي شعوبها الناقمة، والله تعالى للظالمين بالمرصاد.

الإسلام ونظام الشورى

نقل لي أحد الأصدقاء وهو من خطباء المنبر الحسيني، وكان قد ذهب إلى ألمانيا للمنبر قائلاً: بعد انتهاء المنبر في نهاية شهر رمضان، سافرت من المانيا إلى بقية البلاد الأوروبية حتى انتهى بي المطاف إلى بلدة روما، حيث كان البابا يلقي فيها كلمة بمناسبة عيد ميلاد المسيح (عليه السلام) وقد حف به من القساوسة والرهبان جمع غفير، كما وقد احتشد بالعيد، واستماع خطاب البابا، من الشبان الذين قدموا إلى روما من كل أوربا، جمع كبير جداً، يبلغون الملايين وذلك بحسب الاحصائيات المنتشرة وكان أهم العوامل لهذا التجمع الكبير هو: الاستماع إلى الأب الروحي حسب تعبيرهم، كما كان أهم العوامل الذي مكنهم من هذا الاجتماع العظيم، وبهذا القدر الضخم، هو: عدم احتياجهم إلى تأشيرات دخول وخروج، وعدم دفع رسوم وضرائب للسفر، وذلك لعدم وجود حدود جغرافية بين بلادهم، ولا حواجز نفسية في صدورهم.

إنهم قد أخذوا ذلك من الإسلام مع اختلافهم في اللغة، وفي الاقتصاد، وفي الشؤون الاجتماعية وغير ذلك.

كما أن التجمع البابوي الذي استطاع أن يستقطب قلوب الملايين من الشباب والشابات ويجمعهم حوله هو أيضاً مقتبس من الشورى في الإسلام، وعلى الخصوص من شورى الفقهاء المراجع الذي قرّره التوقيع الشريف: (فإنم حجّتي عليكم)(49) حيث لم يقل (عليه السلام): فأحدهم حجّتي عليكم، بل قال: (إنهم) ففي كلمة الجمع: (فإنهم) عناية خاصة أراد بها (عليه السلام) اجتماع الفقهاء المراجع في زمان الغيبة، لتقوى شوكتهم، ويعلو أمرهم، ولا ينفردوا فيفشلوا وتذهب ريحهم، كما هم اليوم عليه، حيث لا يقيم أحد للمسلمين ولا لمراجعهم قيمة ولا ثمناً.

فأين المسلمون من شورى الفقهاء المراجع؟ وأين هم من إلغاء الحدود الجغرافية المصطنعة بين بلادهم، والتي أحدثها الغرب بينهم، ليستطيع سلبهم ونهبهم؟ وأين هم من الأخوّة الإسلامية التي أكد عليها الإسلام، وفرضها عليهم القرآن؟ وأين هم من الأمة الواحدة التي أمر بها ربهم، وحرّض عليها رسولهم؟

لقد وعى الغرب هذه الأمور التقدّمية فعمل بها وطبقها في أوساطه، فألغى الحدود الجغرافية، وتمسك بالأمة الواحدة، والعملة الواحدة، والتاريخ الواحد، وغير ذلك مما أمر به الإسلام، بينما نحن المسلمين أخذنا سيئات الغرب، وتمسكنا بها بقوة، ناسين ما حذرنا منه أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث يقول في وصيته: (الله الله في القرآن لا يسبقنكم بالعمل به غيركم)(50).

من تبعات ترك الإسلام

نعم، إنهم أخذوا من الإسلام ما أعزّوا به انفسهم، وصاروا سادة الدنيا، ونحن تركنا من الإسلام ما سبب تأخرنا وذلّنا وصرنا ألعوبة بيد الشرق والغرب، وتحقّق فينا ما قالته فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها المعروفة عند مطالبتها بفدك: (مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطرق، وتقاتون القدّ والورق، اذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم)(51) وذلك جزاءً لإعراضنا عن الإسلام، وعن أحكام القرآن، وقد قال الله تعالى: ((وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً))(52) وقد أصبحت اليوم معيشتنا ضنكا، ونعوذ بالله من انطباق تتمة الآية علينا حيث يقول سبحانه: ((وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى))(53) يوم القيامة الذي يكون مقداره كما في القرآن الكريم: ((يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ))(54). وإحياء عاشوراء إنما هو لإحياء الإسلام واحكام القرآن، وقد قال الشاعر عن لسان الإمام الحسين (عليه السلام):

إن كان دين محمد لم يستقم***إلا بقتلي يا سيوف خذيني

فعاشوراء أفضل مناسبة لنا لتعهّد واقعنا وواجبنا، والعودة والرجوع إلى ما تركناه من أسباب عزنا وسؤددنا، وهو العمل بآيات الكتاب الحكيم والسنّة الشريفة المطهرة؟ وذلك لعل الله يشملنا بلطفه، ويعمنا بكرمه، وقد قال سبحانه في عكسه: ((وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا))(55) وهو المستعان.

الإسلام دين العلم والعمل

إن هجر المسلمين الإسلام ـ الذي قتل الإمام الحسين (عليه السلام) من اجل إحياءه ـ هو سبب تأخر المسلمين بهذا الشكل الغريب، فلقد عاد الإسلام مهجوراً حتّى عند الحكومات التي تدّعي الإسلام لفظاً وتتركه عملاً، إذ الواقع هو العمل بأحكام الإسلام وقوانينه، لا ادعاء لفظ الإسلام والتشدّق به فقط، وإلا فيزيد بن معاوية هو أيضاً كان يدّعي الإسلام ويسمّي نفسه خليفة المسلمين.

وإن من أبرز مظاهر تأخر المسلمين اليوم، رغم كثرة نفوسهم البالغ ملياري نسمة هو: إن الكثير منهم ـ كما ذكروا ـ أمّيّون لا يعرفون القراءة والكتابة، وليس ذلك أمراً طبيعياً بل يتعمّده كثير من الحكام، وقد رأيت أنا في العراق نماذج حية على ذلك.

ومن تلك النماذج إنا كنّا نريد فتح مدرسة إلهية باسم مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) لتقوم بتثقيف ما يمكنها من الناشئة، فحالت الحكومة العراقية ـ وكانت آنذاك حكومة ملكية وكان فيها شيء من الحرية ـ من فتحها واشتغالها بالتثقيف، وقالت: بأنه لابد من اجازة رسمية لذلك، فلما قدّمنا طلب إجازة، كانت الحكومة تماطلنا في منح الاجازة، ولم توافق على صدورها إلا بعد مدة طويلة.

ثم انه لما تبدّلت الحكومة العراقية من ملكية إلى جمهورية، وذلك بواسطة انقلاب عسكري مخطّط ومدبّر من الغرب والشرق، ونزى عملاؤهم على الحكم في العراق، امروا بإغلاق مدارس حفّاظ القرآن الحكيم، ومدارس حافظات القرآن الحكيم، وكانت تحتوي على ستة مدارس، وتستوعب ما يقرب من ثلاثة آلاف طالب وطالبة، وأغلقوا سبعين مكتبة للنشر وبيع الكتب، وثمانين مكتبة عامة للمطالعة واستعارة الكتب، وخمس عشرة مجلة علمية وثقافية، ودينية واجتماعية، وقد جاء تفاصيلها في بعض الكتب المطبوعة في هذا المجال، وأخيراً أغلقوا ثلاثين مدرسة لطلاب العلوم الدينية، تابعة للحوزة العلمية في كربلاء المقدسة والنجف الاشرف.

نعم إنّ أغلب حكّام بلاد الإسلام نراهم قد فرضوا على أنفسهم أن يحولوا بين شعوبهم وبين أيّ تقدم في أيّ مجال من مجالات الحياة، والتي أولها العلم، مع أنه ورد في الحديث الشريف: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)(56) وقال الفقهاء: (الصناعات واجب على الناس تعلّمها كفاية).

ونرى في الهند أيام كانت ترزح تحت سلطة المستعمرين البريطانيين أن تعليم القرآن الحكيم كان ممنوعاً قانوناً، بينما نرى في اليابان ولمدّة لا تتجاوز النصف قرن فقط، كيف تقفز من دولة في غاية التأخر، إلى دولة في منتهى التقدم من حيث العلم والصناعة مما هو معروف، وإلى غير ذلك مما ليس هذا الكتاب مجال ذكره.

إذن، فاللازم علنيا أن نجعل من عاشوراء منبراً لإحياء موازين الإسلام في العلم والعمل، إذ في الحديث الشريف: (إن ولي محمدٍ من أطاع الله و إن بعدت لحمته و إن عدو محمدٍ من عصى الله و إن قربت قرابته)(57).

الإسلام يقارع الاستعباد

لقد استعبد بنو أمية الناس، وعاملوهم معاملة الأسياد عبيدهم، وحرموهم حقوقهم الإنسانية، وسلبوهم حرياتهم الفردية والاجتماعية، وصاروا يأخذون البعية من الناس على أنهم رقيق لهم، وأن أموالهم وأنفسهم، ودينهم وأعراضهم، كلها بذلة لهم وعرضة لتصرفاتهم العشوائية، لقد عمل بنو أمية كلّ ذلك باسم الإسلام، وباسم أنهم خلفاء الرسول الشرعيون، ولم يجرأ أحد على أن ينكر عليهم منكرهم هذا، ولا أن يأمرهم بالمعروف الذي أمر الله به، لأنه كان يعلم بأن في ذلك حتفه، غير الإمام الحسين (عليه السلام) فإنه وطّن نفسه على الشهادة، ونهض يأمر بني أمية بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فلم يتحمّلوه، لأنهم رأوا مصالحهم الشخصية في خطر، وعمدوا إلى قتله وقتل من معه من أهل بيته (عليهم السلام).

فالإمام الحسين (عليه السلام) استشهد في سبيل الله من اجل إحياء الإسلام وإحياء حرياته الفردية والاجتماعية، التي قضى عليها بنو أمية، وقد أكّد الإمام الحسين (عليه السلام) على الحرية الإسلامية، وحبّذ الشهادة من أجلها حين قال (عليه السلام): (ألا وأن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت)(58) والذلة التي يأباها الله تعالى للإنسان هي ذلة العبودية، وحقارة الرضوخ للاستعباد والاسترقاق، ومهانة الخضوع للطغاة والظالمين.

وقد علّم الإمام الحسين (عليه السلام) أصحابه ذلك، كما وانه (عليه السلام) خاطب به أصحابه بعد قتلهم وشهادتهم، فقد قال للحر بن يزيد الرياحي عند ما جاء (عليه السلام) إليه وأخذ رأسه في حجره وهو على أعتاب الشهادة مخاطباً إياه: (ما اخطأت امك إذ سمّتك حراً، فأنت حر في الدنيا، وسعيد في الآخرة)(59).

كما أن الحر نفسه عندما ذهب إلى الميدان لمقاتلة القوم كان يرتجز ويقول:

إني أنا الحرّ ومأوى الضيف***أضربكم ولا أرى من حيف(60)

وقد ارتجز من قبله مسلم بن عقيل عندما شدّ على أهل الكوفة وهو يقول:

أقسمت لا أقتل إلا حراً***وإن رأيت الموت شيئاً نكراً(61)

لا تنافي بين الحرية والدين

هذا ولا يتوهم أحد بأن الحرية تنافي الدين وتناقضه، بل الحرية من صميم الدين ومن واقعه، وإنما ينافي الدين ارتكاب المحرمات، وفعل المنكرات، من قبيل شرب الخمر، وتعاطى المخدرات، ولعب القمار، والاشتغال بالبغاء، وإشاعة الفحشاء، وبث الغناء، وكذلك الدكتاتورية في الحكم، واستثمار الشعوب، ونهب الخيرات، وسلب الثروات، والظلم والاستبداد، ومصادرة حقوق الناس، وكبت الحريات، وما إلى ذلك من جور وعدوان، وبغي وحرمان، وإلا فحرية التجارة والزراعة، والصناعة والعمران والصحافة والثقافة، والسفر والحضر، وألف شيء وشيء مما يرتبط بالحريات الإسلامية الفردية والاجتماعية، والتي قد أوجزنا بعضها في كتاب (الفقه الحرية) فهي من أهم ما اعتمده الإسلام في تقدمه السريع أوائل ظهوره، وكذلك من أهم عوامل توسع الإسلام ذلك التوسع الغريب وفي سنوات معدودات فقط.

أما الغرب فحيث انه لا يرى حرمة تلك المحرمات ـ كما يدل على ذلك كتاب (العهدين) ـ خلطوا الحرية بها، لا أنها من ملازمات الحرية، والذي نجده في كثير من بلاد المسلمين من إجازة حرية المحرّمات، دون الحريات المشروعة، وإباحة مثل المخامر والمقامر، والمباغي والملاهي، مما أفسد البيئة، وبث مرض (الايدز) فيما يقرب من عشر الناس أي، بين ستين مليون إنسان، فإنه ليس من الإسلام في شيء بل الإسلام منها بريء.

نعم إنهم أشاعوا حرية الفساد وارتكاب المحرمات في الشعوب بما قد تحيروا في علاجه، وكبتوا الحريات الصحيحة والمشروعة للناس بما سبب الفقر والحرمان لألف مليون إنسان ـ حسب احصاءاتهم ـ فهل هذا يتوافق مع الإسلام الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره جائع)(62).

إذن، فاللازم أن نأخذ من عاشوراء درساً لإحياء الحريات الصحيحة والمشروعة، وإماتة المفاسد الضارة والمقيتة، وإلا فالاقتناع بمظاهر عاشوراء فقط من دون تطبيق لأهداف عاشوراء، في واقع حياتنا، لا يكون مثاله إلا مثال المريض، الذي أخذ يقرأ وصفة الطبيب من دون أن يعمل بمضمونها، فإنه لا شفاء له من المرض، فكذلك الخلاص لنا من مشاكلنا ومصائبنا، إذ في الحديث الشريف: (إن الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان)(63).

حياة الإسلام بحياة أحكامه

ثم أن معنى أن الإمام الحسين (عليه السلام) قتل من أجل إحياء الإسلام هو انه (عليه السلام) نهض لإحياء أحكام الإسلام التي هي خير للبشرية في الدنيا قبل الآخرة، موطّناً نفسه على الشهادة، لأن بني أمية كانوا يتّهمون كل من يطالبهم العمل بالإسلام، والكف عن ظلم الناس واستعبادهم، بأنه قد خرج على الإسلام، وبغى على خليفة الزمان.

وكانت هاتان التهمتان كافيتين في تكفير الذي نهض يطالبهم بالإسلام، كما أن التكفير كان خير ذريعة يتذرّع بها بنو أمية لقتل من يريدون قتله، وكذلك فعل يزيد لما نهض الإمام الحسين (عليه السلام) يطالبه بالإسلام، حيث اتهم الإمام بالخروج عن دين جدّه، وتذرّع بذلك إلى قتله، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) يعلم بذلك، ومع علمه نهض يطالبه بالإسلام، فيكون (عليه السلام) قد وطّن نفسه على الشهادة، بمعنى انه استشهد من اجل إحياء أحكام الإسلام.

هذا ولو كان الإمام الحسين (عليه السلام) اليوم معاصراً للحكام الذين يحكمون بلاد المسلمين باسم الإسلام، لنهض يطالبهم بالإسلام كما نهض يطالب يزيد وبني أمية بالإسلام.

ألم يكن يزيد يشرب الخمر، ويلعب بالشطرنج، ويخرج للصيد، ويلهو بالقرود والفهود، وكذلك حكام اليوم؟

وألم يكن يزيد يستبدّ في الحكم، ويقتل المعارضين، ويظلم الناس، ويصادر حرياتهم المشروعة، وكذلك حكام اليوم؟ بل وقد زاد حكام المسلمين اليوم على بني أمية: إنهم يتظاهرون علناً بتطبيق قوانين الشرق والغرب، وبترك أحكام الإسلام صراحة، أليس الله تعالى يقول: ((خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً))(64) وأليس الرسول (صلى الله عليه وآله) يقول: (من أحيى أرضاً ميتة فهي له) ويقول: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به)(65)؟ بينما نرى الحكام قد أماتوا (خلق لكم) وقتلوا (من سبق).

ومن المعلوم: إنه إذا كان لا يحق لشخص أن يزرع إلا بإجازة، ولا يصيد إلا بترخيص، ولا يكتسب إلا بجواز، ولا ينتفع بشيء من المعادن المتوفرة في الأرض إلا بإعطاء ضريبة، وغير ذلك مما أباحه الله تعالى للناس، يبقى الملايين من المسلمين عاطلين عن العمل، لأنهم لا يملكون عملاً، ويبقى الملايين من الفتيات والفتيان عزّاباً، لأنهم لا يملكون دوراً يسكنونها، إذ قد صادر الحكام الأرض من الناس وصيّروها ملكاً لهم، وذلك على خلاف حكم الله ورسوله المصرّح به في الكتاب والسنّة، ومن غير فرق بين الجمهوريين منهم والملكيين، فكل منهما جاء لتحقيق أهداف مخططة ومعيّنة، وهي: حرمان الناس، وتأخر المسلمين، ومصادرة حريّاتهم الأوليّة المشروعة.

ومن الواضح، أن الشاب الأعزب إذا كان يملك الأرض لكان يعمّرها داراً لسكناه وسكنى عائلته، كما رأيت أنا ذلك في كربلاء المقدسة، حيث سمحت الحكومة العراقية آنذاك بتملّك الناس الأرض بثمن زهيد، فتوسعت كربلاء المقدسة في كل أطرافها، فشرقاً نحو مرقد العلامة ابن حمزة وإلى ما يقرب من طويريج، وغرباً نحو مرقد الشهيد الحر الرياحي، وشمالاً نحو مرقد عون المعروف، وجنوباً نحو حي الحسين (عليه السلام) المشهور، كل ذلك في مدة ثلاث سنوات فقط.

وعليه، فاللازم على المسلمين كافة، وعددهم اليوم يبلغ ملياري نسمة ـ إن أرادوا التقدم من هذا التأخر القاتل ـ أن يرجعوا إلى الإسلام وإلى تطبيق أحكامه، وان يتركوا قوانين الشرق والغرب، ويخلعوا الحكام المستبدّين، الذين كل همهم الصد عن سبيل الله، والحدّ من تقدّم المسلمين.

أول ما يجب تطبيقه من الإسلام

إن أهم ما يلزم على المسلمين في أول ما يطبقونه من أحكام الإسلام هو: حكم الأخوة الإسلامية والأمة الواحدة، وذلك بغسل الحواجز النفسية من الصدور، ورفع الحدود الجغرافية عن البلاد، فإن ذلك بالإضافة إلى انه يوجب قوتهم وشوكتهم، يوجب غنى اقتصادهم ووفرة فيئهم، لتوفّر الأيادي العاملة، واستثمار الطاقات الخاملة، وكثرة الإنتاج، وسهولة المبادلات التجارية، وإمكانية تبادل الخبرات والتقنيّات، وهذا واضح.

كما أن ذلك يوجب انتشار الثقافة بينهم، ويسبّب توسعة الاطلاعات العلمية لديهم، ويحقق تلاقح الأفكار عندهم، كما كان عليه حال المسلمين عند وحدة بلادهم، وإلفة قلوبهم، وانشراح صدورهم في صدر الإسلام.

فسيبوبه النحوي المشهور يأتي من اقصى ايران إلى العراق وينشر علمه، ويعمّم اختصاصه بين الطالبين.

ويأتي ناصر خسرو الحكيم من افغان إلى طهران وينشر حكمته، ويوصل مواعظه في الراغبين.

ويأتي علماء لبنان وفقهاء جبل عامل إلى إيران، كالمحقق الثاني، والشيخ البهائي، وينشرون العلم والثقافة الإسلامية الشيعية من هناك إلى كل العالم الإسلامي، وهكذا.

ولذا نجد أن الغرب عندما التفت إلى الأحكام الأساسية التي جاء بها الإسلام، والتي تزيد في شوكة الشعوب، وقوة البلاد والحكام، من الأخوة الإنسانية، والأمة الواحدة، والبلد الواحد، أسرع إلى تطبيقها، وألغى التأشيرات للدخول والخروج، وألغى الجوازات والجنسيات، ووحّد بلاده، مما سبب بالإضافة إلى قوته ارتفاع مستوى الاقتصاد، وارتقاء سطح العلم، وتقدم مسائل الطب، وذلك في مختلف ربوعه.

ثم أن وحدة بلاد الإسلام ليس أمراً جديداً، بل قد حوّل المسلمون تحت راية الإسلام كل البلاد الإسلامية إلى بلد واحد، من ليبيا إلى داغستان روسيا، وهكذا من جاكرتا إلى طنجة، فانتشر العلم والثقافة، وازدادت القوة والشوكة، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (يد الله مع الجماعة)(66). وكذلك نمى الاقتصاد وازدهر، وازدهرت التجارة وتقدّمت كما قال الله سبحانه وتعالى في باب الحج وزيارة بيت الله الحرام ((لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ))(67).

نعم، كان المسلمون أمّة واحدة، يعيشون أخوة متحابين في بلد واحد، وكان الأجنبي يرهب جانبهم، ويحسدهم على وحدتهم وإخائهم، ويتمنّى تفرقتهم وعداوتهم، ويضمر فتكهم ونهشهم، ولكنه لم يتمكن من تحقيق ما يضمره ويتمنّاه في حق المسلمين، كما تمكّن من حقيقته منذ عهد قريب في مؤتمر (سايكس بيكو) إلاّ بعد أن خطّط للتفرقة، وزرع العداوة، وخلق الحواجز النفسية، والحدود الجغرافية، باسم الإنقاذ والتحرير، وتحت شعار جئناكم محررين لا فاتحين.

مثلاً: كانت سوريا الكبرى وتسمّى بلاد الشامات، تشمل فلسطين، والأردن، ولبنان، والشام، واسكندرونة، فصارت بكيد الأجنبي وتخطيطه خمس دويلات يفصل حدود بينها كاذبة منذ عام كذا، وفقدت بلاد الشامات بذلك وحدتها، حيث كانت بمجموعها وحدة واحدة، تسمى باسم (السنجق) التابعة للإمبراطورية الإسلامية التي كانت عاصمتها في تركيا، وقد سبّب تآمر تقسيمها وتمزيقها ويلات وويلات، مما يحتاج تفصيله إليّ مجلدات ومجلّدات، وما ذلك إلا لتغافل المسلمين وتجاهلهم قول الله سبحانه: ((وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً))(68) وقوله تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ))(69).

فاللازم أن نجعل عاشوراء سبباً لنشر الوعي الإسلامي في المسلمين، حتى يسعوا سعياً حثيثً لإرجاع حكم القرآن، وسنّة الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى الحياة.

هجر الإسلام خسارة كبرى

لقد خسر المسلمون عندما تركوا العمل بأحكام الإسلام كل شيء، ولم يخسروا آخرتهم فحسب، وإنّما خسروا الدنيا قبل خسارتهم الآخرة، إنهم بعد هجرهم الإسلام وتركهم العمل به لم يزيدوا شبراً واحداً من الأرض إلى أرضهم، مع العلم إنهم حين كانوا يعملون بالإسلام ويتبعون أحكامه كانوا يضيفون ـ على طول الخط ـ أراضٍ شاسعة إلى أراضيهم، حتى قال سبحانه عنهم ((وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها))(70) أي، أرض خيبر، أو فارس والروم.

كما أنهم كانوا يكثرون ـ باستمرار ـ ويلتحق أفراد إلى أفرادهم، حتى تحدّث القرآن الحكيم عن ذلك يقول: ((وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً))(71) أي، جماعات وقبائل بعد ما كان يدخل فيه واحد بعد واحد.

نعم، إنهم لمّا تركوا الإسلام لم يتوقفوا عن التقدم في الأرض والأفراد فحسب، بل اخذوا يرجعون فيهما القهقرى، أما بالنسبة إلى الأرض فقد خسروا (الأندلس) و(فلسطين) و(الهند) وقلب أعداؤهم أندلس الإسلام إلى أسبانيا المسيحية، وفلسطين المسلمة إلى إسرائيل اليهودية والصهيونيّة، وهند المسلمين إلى هند المشركين والوثنيين، فقد كان شعار الهند الإسلام والقرآن، فصار شعارها الأصنام والأوثان، كما نراه اليوم على نقودها، وغير ذلك من سائر شؤونها.

وأما بالنسبة إلى الأفراد، فقد خسروا أيضاً أفراداً كثيرين، حيث قلب الأعداء بعضهم إلى مسيحيين، أو إلى شيوعيين، أو إلى إباحيين، أو إلى غير ذلك من الأديان الباطلة، أو الأحزاب المنحرفة، وهذا بغضّ النظر عن الجماعات والزرافات من المسلمين الذين طحنهم الأعداء ولا يزالون يطحنونهم في رحى الحروب المصطنعة والمدبّرة من قبلهم، والتي يجرّبون فيها أسلحتهم المدمّرة، وصناعاتهم الحربية الغادرة، والتي يؤجّجون نارها بذرائع مختلفة، وحجج واهية، كالاختلاف على الحدود الجغرافية الكاذبة، أو النزاع على أمور وهمية وخادعة، وما أشبه ذلك.

وعليه، فكان نتيجة ترك المسلمين العمل بالإسلام هو: نقص أرضهم، وبخس أفرادهم وعددهم، وتأخر حياتهم وعيشتهم في كل الميادين العلمية والعملية، والثقافية والاقتصادية.

ولعل من أهم أسباب هذا التأخر بعد أن هجروا الإسلام والقرآن هو فرار أصحاب المهارات والخبرات، وانتقال العلم والخبرة بانتقال الأدمغة من البلاد الإسلامية إلى البلاد الغربية، فصار الغرب هو السبّاق في كل الاختراعات الجديدة، وجميع الاكتشافات الحديثة، بعد أن كان المسلمون هم السبّاقين في ذلك، حيث كانوا هم أصحاب الاختراع والابتكار، وذووا المؤهلات والكفاءات، وأهل العلم والخبرات، والفن والصناعات، بينما قد تعرّى المسلمون عن كل هذه المفاخر، وتلبّس الغرب بها جميعاً، حتى راح بعض الكتّاب المعاصرين يسمّي المسلمين: بضيوف الحضارة، وذلك لأنهم يعيشون وسط حضارة ليس شيء منها لهم، وإنّما هي نتيجة جهود غيرهم، حتى أن التاريخ المتداول بينهم صار ليس بتاريخهم، لأنهم اصبحوا يقولون: دخلنا في الألفية الثالثة، وهو تاريخ المسيحيين وليس مرتبطاً بهم.

الإسلام وعصر الانترنيت

ثم انه لا يخفى أن المسلمين بتركهم الإسلام وراء ظهورهم، والقرآن مهجوراً بينهم، لم يخسروا الدنيا والآخرة وحدهم، بل قد خسر العالم بخسارتهم، وتضرّر بضررهم، وذلك لأن في الإسلام من الأحكام ما يضمن تقدّم الإنسان في كل مجالات الحياة، ويتكفّل سعادته وسيادته، كما أن في القرآن أغنى ثقافة إنسانية، وأعظم رصيد فكري سليم، وأضخم تراث علمي متطور، وأكبر ذخيرة منطقيّة عقلية سبّاقة على كل ما يستطيعه الإنسان من التبلور والتقدم في هذا المجال، وعلى مدى العصور والأزمان.

ومن المعلوم، أن المسلمين لمّا تركوا الإسلام وهجروا القرآن خسروا كل هذه المنافع والمصالح، وخسر العالم أيضاً كل هذه المنافع والمصالح، التي كان بإمكانه أن يحظى بها، وأن ينالها ويكتسبها لنفسه ببركة تعرّفه على أحكام الإسلام، وثقافة القرآن، فإن الإنسان وخاصة إنسان عصر الانترنيت وثورة الاتصالات، يبحث عن أفضل الأنظمة، وأجمل الحلول، بغية حصوله على الكمال والسعادة، وتخلّصه من المشاكل والأزمات، وليس هناك في قاموس الكون نظام كالنظام الذي رسمه الإسلام، وبلّغ له القرآن، وبيّنه الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) يستطيع أن يلبّي كل احتياجات الإنسان الجسمية والروحية، والفردية والاجتماعية، وذلك بأفضل وجه، وأسلم الطرق، وبدون مصاعب ومتاعب، وبلا قيود وعقبات، ولما كان هذا الإسلام مهجوراً، والقرآن متروكاً، وسنة الرسول وأهل بيته (عليهم السلام) منزوية، حرم إنسان عصر الانترنيت من أن يتعرف عليها، وحرمان معرفته بها تؤدي إلى حرمانه من فوائدها الجمّة، ومن ثمارها الجنيّة والشهية.

بينما لو كان المسلمون آخذين بالإسلام، ومتمسكين بالقرآن، وعاملين بسنّة الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، ومطبقين لها تطبيقاً حرفياً، كان ذلك مطروحاً وبصورة تجريبية معاصرة على الساحة السياسية والاجتماعية، وكان بإمكان كل إنسان متطلع يبحث عن سعادته وسيادته، وعزه وكرامته، أن يتعرّف عليها، ومعرفتها تهدي إلى الأخذ بها، وتطبيقها، وتطبيقها يساوي سعادة الإنسان وكرامته.

فالمسلمون إذن ليس هم وحدهم الخاسرون بترك الإسلام وهجر القرآن، وإنما الخاسر هو كل العالم بما فيه من أحياء بشرية وغير بشرية، إذ رحمة الإسلام، وحكمة القرآن، يشملان كل الأحياء وليس الإنسان وحده، وعاشوراء أفضل فرصة، وأكبر مناسبة، وأغنى منهاج، وأجمل برنامج، لإرجاع الإسلام بأحكامه، والقرآن بتعاليمه، والسنة النبوية بحكمتها، وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) بثقافتها، والتي استشهد من اجل إحيائها الإمام الحسين (عليه السلام)، إلى الحياة، وإلى العالم كله، حتى يحظى الناس جميعاً، والعالم كله، بالسعادة والهناء، والكرامة والفلاح، إنشاء الله تعالى.

نسأل الله سبحانه أن يوفق الجميع، لإبلاغ رسالة عاشوراء، وإيصال أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) من إحياء الإسلام، وتطبيق القرآن، وإرساء سنة الرسول (صلى الله عليه وآله) وسيرة أهل بيته الطاهرين في كل مجالات الحياة، والتي فيها سعادة الجميع وكرامتهم، وهو المستعان.

...........................................
1ـ البحار، ج44، ص285، ضمن حديث الإمام الرضا (عليه السلام) لابن شبيب.
2ـ واليك نص الرواية: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يسير بالناس حتّى إذا كان من كربلاء على مسيرة ميل أو ميلين تقدّم بين أيديهم حتّى صار بمصارع الشهداء ثم قال: قبض فيها مائتا نبي ومائتا وصي ومائتا سبط كلّهم شهداء باتباعهم فطاف بها على بغلته خارجاً رجله من الركاب فأنشأ يقول: مناخ ركاب ومصارع شهداء لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من أتى بعدهم. كامل الزيارات الباب الثامن والثمانون، ص27.
3ـ سورة التوبة، الآية 37.
4ـ (ألا حرّ يدع هذه اللماظة لأهلها) واللماظة: بقية الطعام في الفم، يريد (عليه السلام) بها الدنيا، أي: الا يوجد حرّ يترك هذا الشيء الدنيء لأهله. نهج البلاغة، قصار الحكم 456.
5ـ (والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم) نهج البلاغة، قصار الحكم، 236.
6ـ سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الحسيني الشيرازي (1304-1380هـ).
7ـ سماحة آية الله العظمى السيد محمد هادي الحسيني الميلاني (1313-1395هـ).
8ـ بحار الأنوار، ج45، ص40.
9ـ سورة البقرة، الآية 189.
10ـ بحار الأنوار، ج28، ص198، ج40، ص87.
11ـ البحار، ج89، ص93.
12ـ البحار، ج89، ص95، ح48.
13ـ سورة آل عمران، الآية 71.
14ـ سورة النازعات، الآية 14.
15ـ سورة ق، الآية 22.
16ـ البحار، ج45، ص201.
17ـ البحار، ج45، ص201.
18ـ البحار، ج45، ص202.
19ـ البحار، ج45، ص205.
20ـ البحار، ج45، ص206.
21ـ البحار، ج45، ص222.
22ـ البحار، ج45، ص222.
23ـ البحار، ج45، ص221.
24ـ البحار، ج45، ص223.
25ـ البحار، عن تاريخ ابن عساكر، ج4، ص341.
26ـ البحار، ج45، ص237.
27ـ سورة البقرة، الآية 154.
28ـ سورة آل عمران، الآية 169.
29ـ المناقب، ج4، ص28.
30ـ سورة آل عمران، الآية 169.
31ـ أصول الكافي، ج1، ص522.
32ـ أصول الكافي، ج1، ص277.
33ـ أصول الكافي، ج1، ص276.
34ـ سورة التوبة، الآية 105.
35ـ بحار الانوار، ج5، ص68.
36ـ بحار الأنوار، ج45، ص121.
37ـ سورة الشعراء، الآية 227.
38ـ سورة مريم، الآية 30.
39ـ سورة الشورى، الآية 38.
40ـ سورة الأعراف، الآية 157.
41ـ سورة الحجرات، الآية 10.
42ـ سورة المؤمنون، الآية 52.
43ـ سورة الأحزاب، الآية 21.
44ـ الكافي، ج5، ص279، ح2، وسائل الشيعة، ج25، ص414، ح32245.
45ـ سورة الانعام، الآية 23.
46ـ سورة هود، الآية 113.
47ـ سورة آل عمران، الآية 139.
48ـ مستدرك الوسائل، ج17، ص142، ح20985، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص334، ح5719.
49ـ بحار الأنوار، ج2، 90.
50ـ بحار الأنوار، ج42، ص248.
51ـ العوامل، ج2، ص664.
52ـ سورة طه، الآية 124.
53ـ سورة طه، الآية 124.
54ـ سورة المعارج، الآية 4.
55ـ سورة الاسراء، الآية 8.
56ـ بحار الأنوار، ج1، ص177، ج1، ص20، ح1.
57ـ وسائل الشيعة، ج19، ص238، ب15، ح20376.
58ـ بحار الأنوار، ج45، ص83.
59ـ مقتل العوالم، ص85.
60ـ بحار الأنوار، ج45، ص14.
61ـ بحار الأنوار، ج44، ص352.
62ـ بحار الأنوار، ج77، ص193.
63ـ نهج البلاغة، الحكمة 227.
64ـ سورة البقرة، الآية 29.
65ـ مستدرك الوسائل، ج17، ص111، ح1 و4.
66ـ بحار الأنوار، ج33، ص374، ح604 وفيه (يد الله على الجماعة).
67ـ سورة الحج، الآية 28.
68ـ سورة الأنبياء، الآية 92.
69ـ سورة الحجرات، الآية 10.
70ـ سورة الأحزاب، الآية 27.
71ـ سورة النصر، الآية 2.

اضف تعليق