إسلاميات - الإمام الشيرازي

المخرجات الإيجابية للنهضة الحسينية

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(لقد قام الإمام الحسين (عليه السلام) بإرواء شجر الدين بدمه المبارك) الإمام الشيرازي

ها أننا نودّع أجواء ومراسيم زيارة أربعينية الإمام الحسين، وها أن الزوار الكرام يعودون إلى ديارهم بلدانهم ومدنهم في عموم دول ومدن العالم، بعد أن أدّوا هذه المراسيم العظيمة، واثبتوا بأنهم مخلصون للإمام الحسين ولمبادئ عاشوراء، وأنهم جزء لا يتجزأ من النهضة الحسينية التي أخذت بالتصاعد والنمو لدرجة أن زوار الأربعينية في هذه السنة فاق الواحد والعشرين مليون زائر كريم.

إن الإمام الحسين عليه السلام قرّر أن ينهض بالمسلمين، بعد أن بات واضحا للجميع أن حكام بني أمية انحرفوا بالإسلام عن مبادئه، وأنهم تمسكوا بالسلطة ليس لنشر العدالة بين الناس، وإنما لكي يعيثوا فسادا في الأرض، ويحطموا الدين، ويدمروا المسلمين، ويزرعوا كل أنواع الانحراف والفساد والفسق والفجور والظلم بين الناس.

لهذا وضع الإمام الحسين (عليه السلام) أهدافا واضحة المضامين، ومحددة المعاني، وتم إعلانها على الملأ، وبدأها الإمام بقول (لم أخرج أشرا ولا بطرا وإنما خرجت للإصلاح في أمة جدي)، وكانت قاعدة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) هي الوسيلة الأولى التي سعى من خلالها الإمام (عليه السلام) ودعا أصحابه إلى اعتمادها للإصلاح، لذلك تم طرح التساؤلات الواضحة من كثيرين بغض النظر عن أهدافهم أو نواياهم، كلها تنصبُّ على ماهيّة النهضة الحسينية وما أهدافها، وهل ثمة مخرجات مهمة تنتج عنها.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، قدم في كتابه القيّم الموسوم بـ (رؤى عن نهضة الإمام الحسين عليه السلام) مجموعة من التساؤلات المقترنة بالإجابات الواضحة، لأهميتها كونها تطلب توضيحا عن أهداف النهضة الحسينية ومخرجاتها، فجاء في هذا الكتاب القيّم:

(ماذا كان يهدف الإمام الحسين (عليه السلام) من وراء نهضته المباركة؟، الجواب: استهدف الإمام الحسين (عليه السلام) من نهضته الإصلاحية المباركة إحياء الدين الإسلامي، ذلك لأن الدين الإسلامي تعرض للخطر وكاد أن يندرس ويعفى أثره نتيجة الخطط الشيطانية التي كان يخططها بنو أميّة لإعادة الجاهلية ومحو الإسلام، وقد قام الإمام الحسين (عليه السلام) بإرواء شجر الدين بدمه المبارك).

ثم يُطرح تساؤل آخر حول ماهية الدين، وما هو المعني والمقصود بهذه المفردة، وما هو معناها، ليجيب الإمام الشيرازي عن ذلك بتكرار السؤال وإرفاقه بالإجابة بقوله:

(ما هو المقصود من الدين؟، الجواب: الدين هو السبيل والطريق الذي يؤدي إلى سعادة الناس في دنياهم وآخرتهم).

ما أسباب تراجع المسلمين؟

وهناك من يطرح الأسئلة التي لا نعرف ما الذي يقف وراءها أو ما هو الهدف منها، لكنها تبقى أسئلة ولابد من الإجابة عنها وهذا ما طرحه بعضهم حين تساءل عن مدى بلوغ الإمام الحسين (عليه السلام) أهدافه التي أعلنها في ثورته الخالدة، فقد جاء في كتاب الإمام الشيرازي طرحا عن هذه التساؤلات:

(هل أن الإمام الحسين (عليه السلام) وصل إلى هدفه المنشود والمقدس وهو إحياء الإسلام وتثبيت دعائمه؟، الجواب: نعم، إن نهضة عاشوراء أزاحت الستار عن فضائح الأمويين وجرائمهم وأدّت إلى انقطاع واضمحلال السلسلة الأموية وغيرهم من أعداء الدين، وأبانت حقيقة الدين الإسلامي وأوضحت معالمه للجميع).

ولم تقف التساؤلات عند حد معين، بل كان الهدف هو المخرجات التي نتجت عن النهضة الحسينية المباركة، ولماذا يعيش اليوم كثير من المسلمين في أوضاع عصيبة، ما هي الأسباب التي تقف وراء ذلك، وكيف يمكن معالجتها؟

فقد جاء في كتاب الإمام الشيرازي (إذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) قد وصل إلى أهدافه من نهضته فلماذا نجد المسلمين اليوم ـ وهم على بعض الإحصائيات ملياران ـ يعيشون في أقسى ظروف الحياة وأتعس حالات الفقر والجهل، والمرض والفوضى وما أشبه ذلك، ولماذا ترى الاستبداد والحروب قائمة في البلاد الإسلامية وترى أعداء الإسلام يتحكمون برقاب المسلمين؟

الجواب: يمكن أن نوجز أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) في الأمور التالية:

أولاً: فضح الحكومة الأموية واجتثاث جذورها، وذلك لأن الأمويين كانوا قد تمادوا في طغيانهم وجبروتهم نتيجة ما توفّر عندهم من المال والسلاح والنفوذ والسلطان، فراحوا يفكرون بإنهاء الدين الإسلامي والقضاء عليه، ولم يكن المجتمع القائم حينها يسمح لنفسه بالتفكير في القضاء على الأمويين لعظم سلطانهم وشدة استبدادهم، فجاءت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لتفتح طريق الفكر والعمل على الإطاحة بهم وبكل الظالمين.

وكان الأمر كذلك، فلم يكن فضح الأمويين واجتثاث شجرتهم الخبيثة من فوق الأرض تجديداً لحياة الإسلام والمسلمين فحسب، بل كان فيه أعظم خدمة للبشرية جمعاء حيث تعلمت البشرية من الإمام الحسين (عليه السلام) عبر نهضته المباركة كيف تثور ضد الظلم والظالمين وتكشف زيفهم وتجتث أصولهم في كل عصر وزمان.

المحافظة على العقائد من الانحراف

ثانياً: تصحيح الاعتقادات الدينية للمسلمين، فإن من مفاسد الأمويين الذي كان مورداً لاهتمامهم هو قيامهم بعرض صورة مشوّهة من الإسلام والمعتقدات الدينية وذلك بغية إبعاد الناس عن الخط الواقعي للإسلام والذي يمثله أهل البيت (عليهم السلام)، فكانوا يقومون من أجل توطيد حكمهم بجعل الأحاديث واختلاقها ونشر العقائد الباطلة، كالجبر والتفويض والتجسيم وما شابه ذلك مما يرسي قواعد حكومتهم غير الشرعية.

فجاءت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) واستشهاده حجة قاطعة تعلن عن بطلان ذلك التحريف الأموي، وتكشف زيف تلك الانحرافات العقائدية التي أشاعها بنو أمية في المسلمين، ودليلاً رصيناً على إبداء الصورة الناصعة للدين الإسلامي. وبذلك تجلّى الإسلام على واقعه الذي أنزله الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه وآله) ولمع في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد أن غسل عنه غبار باطل الأمويين).

بسبب هذه النهضة المباركة انتشرت العقائد الصحيحة ومعارف الدين الإسلامي لدى مئات الملايين من المسلمين الشيعة وذلك من خلال الكتب والمنابر الحسينية وأشرطة الكاسيت وغير ذلك بلغات مختلفة وفي كل العالم. وترك ذلك الأثر الكبير في تعديل السلوك الإنساني لدى كل المسلمين، بل العالم كله، وساهم في خلاص البشرية من ظلم الاستبداد والطغيان.

ثالثاً: تصحيح سلوك الناس وتقويمه، بعد أن تلوّن سلوك الناس وأخلاقهم في ظل النظام الأموي بطابع العنف والاستبداد والوحشية والاستهتار مما لا يتناسب مع الخلق الإسلامي والإنساني، فأعاد الإمام الحسين (عليه السلام) بنهضته الشريفة مكارم الأخلاق التي بناها جدّه الكريم (صلى الله عليه وآله) وقدّمها إلى البشرية ودعا الناس للتخلّق بها في كل مراحل الحياة.

وإننا إذ نلاحظ اليوم المشاكل والمآسي تحيط بالمسلمين في البلاد الإسلامية من كل جانب فما ذلك إلاّ لابتعاد المسلمين أنفسهم عن التعاليم الإسلامية وعدم تطبيق أحكام الإسلام وقوانينه العادلة.

بعضهم يتساءل: إذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) قد قلع جذور الاستبداد فلماذا إذاً نلاحظ اليوم حكاماً مستبدين وطغاة جبارين يحكمون بعض البلاد الإسلامية وينهبون ثرواتها ويضيّعون الحياة على أبناء الأمة الإسلامية؟، الجواب إن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت نبراساً لسائر الحركات التحررية في العالم ضد الظالمين، وكانت هي الانفجار العظيم الذي هزّ عرش كل الطغاة المستبدين.

كما مهّدت الطريق أمام الثورات الأخرى وهيّئت الأسباب لقلع جذور دولة بني أمية وبني العباس وغيرهم، ودفعت المجاهدين للدفاع عن المقدسات الإسلامية وعلّمتهم النضال ضد الحكّام المستبدين والاستقامة في مجاهدتهم، حتّى يعيشوا في ظل جهادهم الحياة الحرة الكريمة، ويمكن الوقوف على هذه الحقائق من خلال مراجعة التاريخ.

نعم، إن السبب من وراء كل هذه المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها والتي أحاطت بالمسلمين من كل جانب هم المسلمون أنفسهم، حيث ابتعدوا من قوانين الإسلام، كما أن علاج هذه المشاكل كلها يكون بأيديهم أيضاً.

وأخيرا يُقال إذا عُرف السبب بطل العجب، ولابد للمسلمين بعد أن عرفوا أسباب تأخرهم أن يعالجوا هذه الأسباب، وأن يحرصوا على جودة المدخلات في أعمالهم ومشاريعهم وحياتهم، حتى تأتي المدخلات إيجابية ترتقي بهم إلى ما المرتبة والمكانة التي كان عليها المسلمون إبان القيادات والحكومات العظيمة التي بنت دولة المسلمين على أسس التقدم والإصلاح والتميّز.

اضف تعليق