إسلاميات - الإمام الشيرازي

ما أسس نجاح الأحزاب السياسية؟

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(الناس يحبون القائد الوفي الزاهد الشعبي بفطرتهم) الإمام الشيرازي

هناك أسس مهمة يجب أن تقوم عليها الحركات السياسية، ومن ضمنها الأحزاب وأنظمتها الداخلية، فمن بين الشروط المهمة التي تضمن نجاح الأحزاب والحركات السياسية، أنها تربي الأعضاء المنتمين لها تربية صالحة ومتقنة، لكي تضمن اكتمال شخصية كل فرد ينتمي لها، وتغرس في عقله وفكره السلوك القويم الذي يضمن النجاح للحزب السياسي أو الحركة.

التربية الصالحة للأعضاء المنتمين للحركة السياسية أمر في غاية الأهمية، وأول خطوات أو شروط هذه التربية، تعليم الأعضاء على انتخاب الشخص الكفؤ الذي يستحق أن ينال ثقة الناس، ليصبح في موقع قيادي تسير خلفه الجموع، وتؤمن به، وتثق بأنه يمثلها خير تمثيل، وأنه حريص على حقوقها وحرياتها من الانتهاك.

ولابد أن تربي الحركة السياسية أعضاءها على الإيمان بالتعددية ونبذ الفردية والتسلط، وعدم تسليم الأمور بيد حاكم فرد، وإنما لابد من تعدد الآراء في إدارة الدولة وشؤون أفرادها، وفقا لمعايير العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاق بين الحاكم والمحكومين، لهذا فإن الشرط الثاني لنجاح الحركة السياسية، هو إيمان أفرادها بالتعددية ونبذ المركزية.

وفي حال التزم أعضاء أو أفراد الحزب أو الحركة السياسية بهذه الشروط، فإنها سوف تضمن النجاح والقبول الجماهيري، حتى لو توسعت من حيث الكيف أو الكم، وسبب النجاح أن الحركة أو الحزب سعى إلى تربية أعضائه على الانتخاب الصحيح، وعلى الإيمان بمنهج التعددية كأسلوب لإدارة السلطة.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيم الذي يحمل عنوان (إلى العالم):

(التربية الصحيحة وانتخاب الكفوء مضافاً إلى التعددية، من مقومات بقاء الحركة السياسية صحيحة مستقيمة من الابتداء إلى الانتهاء، مع توسع الحركة كيفاً، وكمّاً).

وفاء القائد السياسي

بهذه الأسس التربوية السياسية الأخلاقية، استطاع الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أن يبني أعظم دولة، وأن يغيّر الأمة تغييرا شاملا، مما أدى إلى تقدمها بصورة لافتة واستثنائية، حيث لم تضاهي دولة المسلمين أية دولة معاصرة لها من حيث التقدم الهائل الذي تحقق تحت قيادة الرسول (ص)، ولإثبات ذلك يقدم لنا الإمام الشيرازي دليلا قاطعا جاء فيه:

(يقول أحد المنصفين من الغربيين المسيحيين: لماذا تقدم رسول الإسلام (ص) ذلك التقدم المذهل، مما لا سابقة له في العالم وإلى اليوم؟، ثم يجيب عن ذلك بالقول: أن هناك ثلاث صفات كانت موجودة في الرسول (ص)، وأول هذه الصفات أنه كان وفياً، ولم يتخل عن أصدقائه يوماً، فأصدقاؤه في المدينة ظلّوا أصدقاؤه حتى موته في مكة، فالوفاء صفة يحبها الناس ويلتفون حولها).

فالوفاء الذي كان يتحلى به قائد المسلمين الأعلى جعل منه نموذجا لأفراد أمته أجمع، وصاروا ينظرون إليهم معلّما لهم، فتعلموا منه صفة الوفاء، وشاعت في العلاقات الاجتماعية والسياسية أيضا، مما أسهم بشكل كبير في متانة النسيج المجتمعي، وحلّة صفة الوفاء بدلا من صفة الغدر التي كانت سائدة قبل الإسلام، حيث كانت الأقوام تغزوا بعضها من دون رادع أخلاقي أو إنساني أو ديني.

لكن حين رأى الناس كيف يتصرف قائدهم معهم ومع أعدائه أيضا، ولاحظوا إيمانه القاطع بقيمة الوفاء للآخرين، تعلّموا منه، وآمنوا بشكل عملي وحقيقي بهذه القيمة، واستخدموها في علاقاتهم المتبادلة، فصاروا أمة وفية، تؤمن بالوفاء المتبادل مما جعل العلاقات الاجتماعية في قمة قوتها ومتانتها.

لذا يقول الإمام الشيرازي:

أما (الصفة الثانية: أنه (ص) كان زاهداً، فالغرفة التي مات فيها في المدينة لم تكن أفضل من غرفته في مكة، إن لم تكن أسوأ، وكان في لباسه ومأكله ومشربه وكل شؤونه في غاية الزهد، حتى أنه حين مات كانت درعه رهناً لثلاثة أصوع ــ 9 كغم ــ أو أكثر من الشعير اقترضها من يهودي لأجل قوته وقوت عائلته، بينما هو رئيس دولة كبيرة ــ عند رحيله ــ وكانت تأتيه الأموال من كل أصقاع بلاده الواسعة).

القائد النموذج في زهده

بساطة الحياة التي كان يعيشها قائد المسلمين، جعله محطّ إكبار واعتزاز من قبل الجميع، فاشتد عود الحركة الإسلامية في عهد الرسول، وبدأت قوة الدولة السياسية تتضاعف وتزداد من خلال زهد الرسول (ص)، فكان بسيطا في لباسه ومأكله، ولم تكن تعنيه بهرجة الحياة بشيء، ولم تعنِ له السلطة سوى أنها مسؤولية وليس فرصة للتنعم بامتيازاتها، كما يفعل قادة اليوم السياسيين في بعض الدول الإسلامية.

ولهذا مات الرسول (ص) وهو مديون بسبب حاجته الملحّة للطعام، وليس لشيء آخر، بعض القادة يقترض الأموال كي يبني القصور، أو يشن الحروب، لكن قائد أكبر دولة في حينها، كان يستدين لكي يطعم نفسه وعائلته، فكيف لا يكون نموذجا للآخرين، وسببا لنجاح الإدارة السياسية لدولة المسلمين؟

وهنالك صفة ثالثة تساعد الحركة السياسية أو الحزب السياسي على النجاح، فحين يكون قائد الحزب أو الحركة شعبيا، قريبا من الناس، وليس بعيدا منعزلا عنهم، فإنه سوف يكون محل احترامهم وثقتهم ومحبتهم وتأييدهم، وكلما بنى قائد الحزب الجدران الشاهقة حول شخصه وعزل نفسه عن الناس، سوف يكون مكروها من قبل الجميع.

لقد كان الرسول (ص) يجلس مع الناس، يتكلم ويتحاور معهم، بل ويستشيرهم، وكان يحاكيهم في ملبسه وأكله، لهذا التف حوله الجميع، وأيدوه بقوة وإيمان، وهذا درس لقادة وسياسيي اليوم، عليهم أن يتعلموا هذا الدرس جيدا.

كذلك عليهم أن لا يعزلوا أنفسهم عن الناس، ولا يغلقوا أبوابهم بوجوه المحتاجين، فقد كان قائد المسلمين أقرب الناس إليهم، وكان واحدا منهم، حتى أن الغريب لا يستطيع أن يعرف من هو النبي (ص)، لأنه بسيط ومتشابه مع أبسط الناس في ملبسه ومظهره.

يقول الإمام الشيرازي عن (الصفة الثالثة) (أنه (ص) كان شعبياً إلى أبعد حد، يجلس ويتكلم مع كل رجل وامرأة وطفل، غني أو فقير، عدو أو صديق).

لذلك أحبه الجميع، وتشبّهوا بأخلاقه وسلوكه وأيدوه بقوة ووثقوا به، وهذه من أهم الشروط التي تساعد الحركة أو الحزب السياسي على النجاح والقبول بين الجماهير.

(فالناس يحبون الوفي الزاهد الشعبي بفطرتهم، ويلتفون حول هذا الشخص في حياته ومماته) كما يقول الإمام الشيرازي.

لقد بات واضحا لأية حركة أو حزب سياسي أسس النجاح والتقدم، فهي واضحة للعيان، ومعروفة، لذا على كل قائد سياسي أو أحد أعضاء الأحزاب والحركات السياسية أن يتأسوا بأخلاق الرسول (ص)، وأسلوبه في صنع الحركة الناجحة، فثلاثية الوفاء، الزهد، وشعبية، كفيلة بضمان نجاح الحزب والحركة السياسية لأنها تضمن تأييد الناس وتفاعلهم معها.

كما يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:

(من المهم على الحركة السياسية الصادقة أن تكون في طريق الرسول الأعظم (ص) متأسية به في هذه الأمور الثلاثة، الوفاء، والزهد، والقرب من الشعب).

وهكذا باتت أسس نجاح الحركات والأحزاب السياسية واضحة، حيث يبدأ الأمر بقائد الحزب الذي يجب أن يكون نموذجا جيدا لأعضاء حزبه، ومن ثم الشروع بتربيتهم على القيم الصالحة، ولعل التجربة السياسية التي خاضها الرسول (ص)، وما تحمله من دروس كبيرة وعميقة، كفيلة بضمان نجاح أية حركة سياسية تأخذ الدروس أعلاه في عين الاعتبار.

اضف تعليق