من أخطر المشاكل التي تواجهها البشرية كلّها، وباء التطرّف الذي تحرّكهُ وتأجّجهُ، نزعة الامتلاك غير المنضبطة والخارجة على الثوابت والقواعد، يحدث هذا في دول العالم أجمع بصيغة فردية، أي بين الأفراد بعضهم مع بعض، وجماعية بين الأحزاب السياسية، وحتى بين الدول المتصارعة على المصالح بمختلف أنواعها.

يحدث التطرف بين الساسة أيضا، فيلجأ السياسيون ومنهم (رؤساء الكتل والأحزاب)، لكسب هذا الصراع بشتى السبل، طمعا بالسلطة وما تدرّهُ عليهم من موارد وامتيازات، وإن جاءت بطرق ليست مشروعة، ولا ينكر علم الإنسان طبائع الصراع فيه بل يؤكّدها، فيتم اللجوء لوسائل العنف بشكل مفرط، حيث غالبا يكون وقودها ومحرّكها التطرف السياسي بالدرجة الأولى، والغاية من ذلك بلوغ السلطة كهدف لن يتخلى عنه المتصارعون.

هذا ما أكّده الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في نظريته المضادّة للتطرف، إذ يقول نظريتهِ اللاعنف:

(إن التاريخ أعظم سجل دوّن للإنسانية على صفحاتها أغرب أساليب العنف والعدوان والتعسف الفردي تجاه الأفراد، والجماعي ضد الشعوب والمجتمعات).

كما أشَّر الإمام الشيرازي تصاعد وتيرة التطرف والعنف عالميا، فدرس هذه الظاهرة وحددّ بدقة أسبابها، وطرح الحلول والمعالجات المناسبة للحد منها، بيد أن قادة العالم بمن فيهم المسلمون لم يبذلوا الجهد المطلوب لدراستها وتنفيذها، ولعل الخطر الكبير الذي يمثله السلوك التصادمي على البشرية، يتمثل باستفحال هذه الظاهرة واحتمال تحولها إلى منهج حياة وسلوك وتربية، ليغدو العنف والاحتراب والاقتتال هو جوهر الحياة البشرية!

لذلك من الخطأ الجسيم أن تتخذ الجماعات السياسية من التصادمات الفئوية سبيلا للوصول إلى السلطة، كما يحدث في عدد من الدول الإسلامية ومنها العراق، لذا يجب أن يكون الهدف الأول، هو تحييد العنف وإطفاء البؤر التي تساعد على استمراره، أما الوسائل فيوجد خطوات مهمة وأهمها ترويض الفكر وإعادة صياغة المتطرف منه وتحويل السلوك البشري العدواني التصادمي الى سلوك مسالم.

وهذا يتطلّب تغيير الفكر السياسي، والبدء بمنهج تربوي سياسي اجتماعي ثقافي، يعيد بناء الثوابت التي تؤمن بها الأحزاب، والمجتمع بكل مكوناته، فالتطرف، وإشعال التصادمات الطائفية لا يخدم أحدا، بل على العكس من ذلك، سوف ينهار النظام السياسي، وتتحطم القيم، وينتهي المجتمع كله إلى الانهيار.

الكارثة الأكثر خشية من سواها، تلك النزعة العنيفة المتطرفة على مستوى عالمي وليس محلي فحسب، مما يعني أننا نعيش في كوكب يغذي التطرف، ويشعل حرائق الاحتراب، ويزيد من بؤر التوتر، وهو وضع لا يسرّ حتى من يلجأ إليه، مما يضع الجميع أمام مواجهة تداعيات التطرف السياسي وجها لوجه.

حجر الزاوية نبذ التطرف والعنف

الإمام الشيرازي قرأ الخارطة السياسية على مستوى عالمي، ولاحظ انتعاش التطرف، واستفحال مكامن العنف، فشرع بجهودهِ المعروفة لإبراز مخاطر التطرف السياسي وسواه، فاشتغل في نظرية اللاعنف التي أكد فيها على:

(إنّ ما يثير الدهشة هو أن صورة العنف أصبحت أكثر شدة وضراوة، وكذلك أكثر تكراراً، ورغم أن دعاة اللاعنف ما زالوا يدعون الإنسانية إلى الركون للعقل واللجوء إلى السبل السلمية؛ فهو السبيل العقلاني لحل إشكالات العصر المتزاحمة بفعل فوضى الطموحات المتنامية ونشر الأفكار الجبرية على الناس والشعوب.. إلا أن دعاة العنف يضعون قيمة الإنسان وحريته وكرامته من الأولويات في فض التشابكات، وأول دعاة السلم هو الدين الإسلامي إذا أخذنا بنظر الاعتبار دعوته إلى اللاعنف كإستراتيجية لها قواعدها وأصولها وتنظيرها الخاص بها).

ولعل البند الأكثر عنفا يتمثل بالأسلوب التصادمي الفردي أو الجمعي، حيث يلجأ إليه أناس (سياسيون) عنيفون لمعالجة مشاكلهم، مبتعدين عن الجنوح الى السلم كما يدعو الإسلام الى ذلك، ولقد جاءت دعوة الإمام الشيرازي الى بناء المجتمع بروح التآخي والاحترام ونبذ أسلوب التصادم في معظم أفكاره ومؤلفاته، لاسيما في (نظرية اللاعنف)، لكي يبتعد الناس عن التطرف، ولكي يكون هاجسهم البناء والتطور.

وهذا ما يجب أن يذهب إليه الساسة العراقيون في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ العراق، إذ عليهم الابتعاد عن التأليب الطافي الفئوي لخدمة أحزابهم، وعليهم الانتقال من التفكير بالمصالح الحزبية الضيقة، إلى المصلحة الأكبر، وهي مصلحة الشعب وبناء الدولة، وهذا لن يتم ما لم تُطفأ الأحقاد، وتُزاح أسباب التطرف، ويُلغى العنف بكل أشكاله من قاموس هذا الأحزاب، وينسحب ذلك حتى على دول العالم الأخرى.

كيفية الانتقال من التطرف إلى نقيضه؟

يجب الانتقال من التطرف والعنف إلى نقيضه، لأن منهج اللين يشكل حجر الزاوية في نظرية اللاعنف للإمام الشيرازي، وهو أحد أهم المبادئ التي اعتمدها قائد المسلمين الأعظم النبي محمد (ص) في سياساته كافة، وقد عرّف الإمام الشيرازي مبدأ اللاعنف بقوله: (هو أن يعالج الإنسان الأشياء سواء كان بناءً أو هداماً بكل لين ورفق، حتى لا يتأذى أحد من العلاج).

ويضيف الإمام في نفس السياق: (إن السلوك العدواني والعنف وإيذاء الغير أو الذات، وصور عدة منها عن طريق العنف الجسدي. والعدوان باللفظ: الكيد والإيقاع والتشهير ومختلف السلوكيات المتوقع حدوثها تحت هذا المفهوم ناتجة عن غريزة التدمير أو الموت).

وفي كل الأحوال فإن الساسة الذين يدفعون نحو تأجيج التطرف سوف يكتشفون بأنهم يسيرون في المنهج الخاطئ، وأن النتائج المدمرة سوف تصيب الجميع، ومتى ما آمن هؤلاء الساسة بأن التطرف والفئوية، وتوظيف الطائفة في الصراع الانتخابي مع الآخر، لا يمكن أن يكون هو السبيل الأصحّ والأسلم.

مما لا يمكن نكرانه، أن هناك ممن يمسك بزمام القرار، يعاني من ثقافة متطرفة، أو من جهل يربض على تفكيره، وهؤلاء لا يثقفون أنفسهم ولا يطورون عقولهم، لذلك قد لا يعنيهم تطور الفكر السياسي بشيء، ولهذا سعى الإمام الشيرازي لتغيير الواقع العالمي المضطرب، وأكّد سماحته على أهمية تغيير الثقافة العالمية السائدة ومن باب أولى ثقافة بعض الساسة المسلمين المتطرفين الذين لا يفقهون السلم ولا يعترفون به منهجا لحل التصادمات.

لقد وضع الإمام الشيرازي خارطة طريق لنبذ العنف بكل أشكاله، وخاطب أصحاب القرار، الساسة جميعا، بلغة الوقائع والشواهد والبراهين، وقدّم لهم ما يسهّل عليهم طريق إدارة النزاعات، ولم يكتفِ بهذا النوع من التركيز على الساسة المسلمين والعرب، بل انتقل إلى ما هو أبعد حين أصبح العالم كلّه نصب أفكاره وعينيه.

فلا سبيل لحياة مستقرة، دون نبذ التطرف، ومحاصرة العنف، بدءاً من العلاقات الفردية، صعودا إلى الجماعية، بين الدول وساستها، فهذه هي المرتكزات الفكرية، الأخلاقية، المبدئية، التي ارتكزت عليها رؤية الإمام الشيرازي، حول طبيعة العلاقات التي ينبغي أن ترفض الاستبداد، والإرهاب، وتنبذ إراقة الدماء.

هذا الدرس الواضح عن محاربة التطرف، والابتعاد عن توظيفه طائفيا أو حزبيا، ركّز عليه الإمام، وطالب بالابتعاد عن استخدام القوة في إدارة الخلافات والنزعات الحزبية أو سواها، وهكذا أكدّ الإمام الشيرازي رفض الإسلام لكل أنواع التصادم المنفلت الذي يغذيه التطرف والاصطفاف الحزبي الفئوي.

يقول الإمام الشيرازي: إن (الإسلام ينبذ العنف والقسوة والإرهاب قولاً وفعلاً، وقد دعا إلى اللاعنف كبديل لحلول ما يواجه الأمة من أزمات ومشاكل ومصاعب).

وهذا هو السبيل إلى إبطال موجات التطرف، وإبعادها عن العلاقات السياسية بين الأحزاب، أو بين الجماعات، وحتى بين الأفراد في علاقاتهم الثنائية المتبادلة، إن إطفاء جذوة التطرف باتت اليوم مهمة الجميع، ويأتي صنّاع القرار والعاملون بالسياسة، في مقدمة الجميع ممن تقع عليهم مسؤولية وأد الفتن وإخماد بؤر التطرف بكل أنواعها.

انقر لاضافة تعليق