بقلم: ماكس كوزلوف

أكدت سلطات الصحة العامة الشهرَ الماضي إصابةَ أحد الأشخاص في المملكة المتحدة بجدري القرود. ومنذ ذلك الحين، تجاوز عدد الحالات المؤكدة أو المشتبه فيها خارج القارة الإفريقية حاجز الألف حالة؛ فيما يُعَدُّ أكبر تفشٍّ للمرض خارج إفريقيا، طال ما لا يقلُّ عن 30 دولةً حتى الآن، منها كندا والبرتغال وإسبانيا. جعل هذا الوضعُ العلماءَ في حالة تأهبٍ؛ لأن فيروس جدري القرود ظهرَ في مجموعاتٍ سكانيةٍ منفصلةٍ، في بلدان عدّة، ولا توجد صلةٌ واضحةٌ بين العديد من المجموعات، مما يطرح إمكانية الانتقال المحلي غير المُكْتَشَف للفيروس.

تقول آن ريمُوين، وهي عالمة أوبئة تعمل بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، أكبَّتْ على دراسة جدري القرود في جمهورية الكونغو الديمقراطية على مدى أكثر من عشر سنوات: "لا يزال هناك الكثير من الخبايا في هذا الشأن".

وفيما يلي، تُجمِلُ دورية Nature بعضًا من الأسئلة الرئيسة عن الفاشيات الأخيرة التي يتسابق الباحثون على إيجاد إجاباتٍ لها.

كيف بدأت الفاشيات الحالية؟

منذ بداية الفاشيات الأخيرة، تمكَّن الباحثون من تعيين التسلسُل الجيني لجينوماتٍ فيروسية حصلوا عليها من أشخاص مصابين بجدري القرود في بلدانٍ من بينها بلجيكا، وفرنسا، وألمانيا، والبرتغال، والولايات المتحدة. وكان من بين أهمّ الاستنتاجات التي خلُص إليها الباحثون هي أن كلًا من تلك التسلسلات يشبه إلى حدٍ كبيرٍ سلالة جدري القرود الموجودة في غرب إفريقيا. معدل الوفيات الناجمة عن الإصابة بهذه السلالة في سكان الريف الفقراء أقل من 1%، ما يجعلها أقل فتكًا بكثيرٍ من تلك التي اكتُشِفَتْ في وسط إفريقيا، حيث يصل معدّل الوفيات إلى 10%.

ظهرتْ كذلك شواهد على الكيفية التي ربما بدأتْ بها الفاشية. صحيحٌ أنّ الباحثين يحتاجون إلى مزيدٍ من البيانات لتأكيد ظنونهم، إلا أن التسلسلات الفيروسية التي خضعت للدراسة متطابقةٌ تقريبًا؛ ما يشير إلى أن استقصاءً وبائيًا شاملًا قد يكشف أنّ كلّ الفاشيات التي ظهرت مؤخرًا خارج إفريقيا مرتبطةٌ بحالةٍ واحدةٍ.

والملاحَظ أن التسلسلات الحالية أقرب ما تكون إلى تسلسلات رُصدَت في عددٍ ضئيلٍ من حالات جدري القرود التي ظهرت خارج إفريقيا في عامي 2018 و2019، والتي ارتبطت بالسفر إلى غرب إفريقيا. يقول بيرني موس، عالم الفيروسات بالمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية في مدينة بيثيسدا بولاية ميريلاند الأمريكية، إنّ التفسير الأبسط هو أن أولَ حالةِ إصابةٍ غير إفريقيةٍ هذا العام – وإن لم يُتَعرَّف إلى صاحبها بعد – إنما حدثت نتيجة مخالطةِ حيوانٍ أو إنسانٍ يحمل الفيروس أثناء زيارةٍ لجزءٍ من غرب إفريقيا.

لكن جوستافو بالاسيوس، وهو عالمُ فيروساتٍ في كلية طب ماونت سيناي في آيكان بمدينة نيويورك، يرى أنه لا يمكن استبعادُ التفسيرات الأخرى. من الممكن أنّ الفيروس كان يتنقل بين البشر أو الحيوانات خارج إفريقيا دون أن يُكْتَشَف، وذلك بعد دخوله أثناء فاشيةٍ سابقةٍ. إلّا أنّ هذه الفرضية أقلُّ احتمالًا؛ لأن جدري القرود يكون في العادة مصحوبًا بآفاتٍ تظهر على جسم المريض، وأكبر الظن أن الطبيب كان سينتبه إليها.

هل يمكن إرجاع الفاشية الأخيرة إلى تغيُّر جيني طرأ على الفيروس؟

يقول إليوت ليفكوفيتس، اختصاصي علم الفيروسات الحاسوبي بجامعة ألاباما في برمنجهام، الذي درسَ تطور فيروس الجدري، إنّ فهم ما إذا كان هناك أساسٌ جيني للانتشارِ غير المسبوقِ للفيروس خارج إفريقيا سيكون أمرًا بالغ الصعوبة. لا يزال الباحثون يواجهون مشقةً في التحديد الدقيق للجينات المسؤولة عما يميِّز سلالة وسط إفريقيا من قدرةٍ عالية على الانتشار والإمراض، مقارنةً بسلالة غرب إفريقيا، على الرغم من مرور أكثر من 17 عامًا على تحديد فرقٍ بين السلالتين.

وفي تفسير ذلك، يقول ليفكوفيتس إن أحد الأسباب إنما يكمُن في أن جينومات فيروس الجدري ينطوي على ألغاز عدَّة. يمتاز جينوم جدري القرود بضخامته، قياسًا إلى العديد من الفيروسات الأخرى؛ إذ يبلغ حجمه ستة أضعاف جينوم فيروس كورونا «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2. تقول راشيل روبر، وهي عالمةُ فيروساتٍ بجامعة كارولينا الشرقية في جرينفيل بولاية كارولينا الشمالية، إنّ هذا يعني أنّ تحليل جينومات جدري القرود "أصعب بست مراتٍ على الأقل".

يقول بالاسيوس إنّ قلّة الموارد المخصصة لجهود المراقبة الجينية في إفريقيا، حيث كان جدري القرود مصدر قلقٍ للصحة العامة لأعوامٍ عديدةٍ، هو سببٌ آخر لهذه الصعوبة. ولذلك يقول إن علماء الفيروسات يعملون في الظلام؛ بالنظر إلى قلة ما يتوفَّرون عليه من التسلسلات التي يمكنهم أن يقارنوا بها تسلسلات جدري القرود الجديدة. وأضاف أنّ جهات التمويل لم تُلقِ بالًا للعلماء الذين حذّروا منذ أكثر من عقدٍ من احتمال حدوث المزيد من فاشيات جدري القرود.

يقول إيفيدايو آديتيفا، رئيس مركز نيجيريا لمكافحة الأمراض في العاصمة أبوجا، إن علماء الفيروسات الأفارقة الذين تحدث إليهم عبّروا عن انزعاجهم من أنهم كانوا يواجهون لأعوامٍ مشقةً في الحصول على التمويل، وفي نشر الدراسات عن جدري القرود. لكن يبدو أنّ هيئاتٍ صحيّةً في جميع أنحاء العالم صارت مهتمّةً بصورةٍ مفاجئة، بسبب انتشاره خارج القارة.

يقول بالاسيوس إنّ تعيين التسلسل الجيني للفيروس في الحيوانات سيكون مفيدًا لفهم كيفية تطور الفيروس. من المعروف أن الفيروس يصيب الحيوانات – وخاصةً القوارض، مثل السناجب والفئران – لكن العلماء لم يكتشفوا بعد مستودَعَه الحيواني الطبيعي في المناطق الموبوءة في إفريقيا.

هل يمكن احتواء الفاشيات؟

منذ ظهور الفاشيات الحالية، بدأت بعض الدول تؤمّن لقاحات الجدري، التي يُعتقد أنها فعالةٌ جدًا ضد جدري القرود، لأن الفيروسَين مرتبطان. وعلى خلاف بعض اللقاحات ضد «كوفيد-19»، التي تستغرق ما يصل إلى أسبوعين بعد الجرعة الثانية لتوفير الحماية الكاملة، يُعْتَقَد أن لقاحات الجدري تحمي من عدوى جدري القرود إذا أُعطيتْ في غضون أربعة أيامٍ من التعرض للإصابة، بسبب طول فترة حضانة الفيروس، وفقًا لما أفادت به «المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها» (CDC)، ومقرُّها أتلانتا بولاية جورجيا.

إذا لجأت السلطات الصحية إلى خيار التطعيم، فربما يتمُّ ذلك أخذًا باستراتيجية «التلقيح الحَلَقي»، التي تقضي بتطعيم دوائر المخالطين للمصابين. في أواخر مايو الماضي، قالت أندريا ماكولوم، عالمة الأوبئة التي ترأس فريق فيروس الجدري في «المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها»، إنّ المراكز لم تضع هذه الاستراتيجية موضع التطبيق بعد.

حتى لو تمكن مسؤولو الصحة العامة من وقف انتقال جدري القرود في البشر في الفاشيات الحالية، يخشى علماء الفيروسات من احتمال انتقال الفيروس مرةً أخرى إلى الحيوانات. ونشوء مستودعاتٍ حيوانيةٍ جديدةٍ للفيروس يمكن أن يزيد احتمال انتقاله إلى البشر مرّاتٍ أخرى، في بلدانٍ تشمل تلك التي ليس فيها أيّ مستودعاتٍ حيوانيةٍ معروفةٍ للفيروس. في الثالث والعشرين من مايو الماضي، سلّط المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها الضوءَ على هذا الاحتمال، لكنّه اعتبرَه احتمالًا "ضعيفًا جدًا".

هل يتبع الفيروس في الانتشار مسلكًا مختلفًا عن الفاشيات السابقة؟

من المعروف أن فيروس جدري القرود ينتقل بالمخالطة الوثيقة مع آفات الجسم وسوائله، والرذاذ التنفسي للأشخاص أو الحيوانات المصابة. تقول ريمُوين إنّ مسؤولي الصحة ربطوا الحالات الأخيرة بالنشاط الجنسي، لكن هذا لا يعني أن الفيروس معدٍ أكثر، أو ينتقل بالاتصال الجنسي. تقول روبر إنّه على عكس فيروس «سارس-كوف-2»، الذي لا يُعتقد أنه يبقى على الأسطح طويلًا، يمكن لفيروسات الجدري البقاء على قيد الحياة لفترةٍ طويلةٍ خارج الجسم، ما يجعل أسطحًا كملاءات الأَسِرَّة ومقابض الأبواب نواقل محتملةً للعدوى.

مع أن المسؤولين لاحظوا أن عديدًا من الحالات ظهرت بين رجال يمارسون الجنس مع رجال، إلا أن ريمُوين تؤكد أنّ التفسير الأرجح لانتشار الفيروس بين أفراد هذه الفئة هو أنّ الفيروس إنما دَخَلَ وانتشر بينهم بمحض الصدفة.

ترى ماكولوم أنّ تجدُّد الاهتمام بجدري القرود قد كشف مقدار ما يجهله العلماء عن الفيروس. تقول: "بعد تجاوُز هذا الأمر، أعتقد أنه سيتعين علينا أن نفكّر طويلًا، ومليًّا، في أولوياتنا البحثية".

اضف تعليق