بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين سيما خليفة الله في الأرضين واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولاحول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) (1)

ويقول جل اسمه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (2)

البحث يدور بحول الله تعالى حول فصلين يتعلقان بكلمتين في هاتين الآيتين المباركتين المترابطتين.

الفصل الأول: حول كلمة (أشرقت)، ويعدُّ تتمةً للبحث الماضي.

الفصل الثاني: حول كلمة المرابطة (وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ) والتي ترتبط جوهريا بكلمة (اشرقت) في تلك الآية الاخرى.

تفسيران لاستخدام فعل الماضي للحديث عن المستقبل

الفصل الاول:

اما كلمة اشرقت في (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) فقد مضى أن هذه الآية ظاهرها هو يوم القيامة لكن تأويلها وباطنها هو يوم الظهور المبارك. (رزقنا الله وإياكم أن نكون ممن يشهد هذا الظهور المبارك الميمون وممن يكون من خلّص خدمه وأنصاره وشيعته والمجاهدين بين يديه والمستشهدين في سبيله وطريقه إن شاء الله).

وقد ذكرنا أن صيغة الماضي عندما تستخدم في المستقبل، فان لها تفسيرين من جملة تفسيرات اخرى؛ تفسير أدبي بلاغي ولنا عليه وله تتمة ستأتي لاحقا.

فرضية: المتفرقات في وعاء الزمن مجتمعات في وعاء الدهر

وأما التفسير الآخر فهو فلسفي عرفاني، نوضحه أكثر ثم نناقشه بإيجاز.

الوجه الفلسفي: يرى بأن الله سبحانه وتعالى حيث أنه مجرد من الزمان ومهيمن عليه ومحيط به ولذا تتساوى بالنسبة له الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، فلذا من الممكن أن يعبر عن كل زمن باي فعل من الأفعال الثلاثة، حيث أنه مهيمن على الزمان وعلى الأفعال وغير متأطر بها.

والآن نضيف: أن بعض الفلاسفة العرفاء يقولون: المتفرقات في وعاء الزمان مجتمعات في وعاء الدهر، لتبرير مثل هذه القضية.

ويعنون بذلك انه يوجد ههنا ظرفان ووعاءان؛ الظرف الأول هو ظرف الزمان، الظرف الثاني هو ظرف الدهر.

وكما يقول السبزواري في حاشيته على (الأسفار) أن الدهرـ حسب ما يدعيه - هو روح الزمان أو هو المحيط بالزمان، في تعبيرين.

والمنسوب إلى المعلم الأول في كتاب (اثولوجيا) بأن الأشياء كلها حاضرة لدى الله، فالماضي حاضر لدى الله الآن والحاضر حاضر لدى الله الآن، والمستقبل حاضر لدى الله الآن.

لكن كيف؟ يقومون بتفسير ذلك بوعاء الدهر، إذ من الواضح أن الماضي قد مضى وقته ولزم أجله، فكان، وهو الآن ليس بكائن، ولا يكون حاضرا بالفعل وقد انقضى، وأما المستقبل فهو مستقبل ولم يأتِ، فكيف يكون حاضرا بالفعل؟ فيفسر ذلك ويعلله بأن لنا وعائين، وعاء الزمان وهو المشتمل على الماضي والحاضر والمستقبل، أما وعاء الدهر فهو محيط بهذه الأزمنة الثلاثة.

فالماضي موجود الآن في وعاء الدهر، المستقبل الآن موجود في وعاء الدهر- إلخ كلامهم كما في (الفتوحات المكية) وفي (الأسفار) وغيرها.

من وجوه مناقشة الفرضية

هذا البحث كما هو واضح هو بحث تخصصي لكننا نشير إلى بعض وجوه النقاش فيه إشارة عابرة.

نقول: وبإيجاز: هذه الدعوى بلا دليل، لأنه كل مدّعى يحتاج إلى دليل، فأين الدليل؟ فلا يوجد لديهم دليل إلا تكرار الإدعاء بعبارات أخرى.

بل نقول: ان هذا في الواقع لا يعدو ان يكون نوعاً من الخيال العلمي، او الخيال الشعري أو ما أشبه؛ بل ان البديهة والوجدان يشهد ان على أنه ليس لك وجودان في وعائين: وجود في وعاء الزمن وهذا متدرج متصرّم ـ حسب كلامه المنسوب إليه في (آثولوجيا)ـ وهذا التصرم وهذه التدريجية إنما هي في وعاء الزمان، ووجود آخر في وعاء الدهر ثابت ولا يعتريه التغير والنقصان والزيادة والتحولات.

بل يقول انه حتى الحركة كذلك: لها وجود متدرج متصرم ووجود آخر ثابت!

لكن هذا الكلام خلاف الوجدان؛ فإذن نتيجة كلامهم هكذا: أن هاهنا زمانين: الزمان المعهود المتصرم التدريجي الذي ينقضي آنا فآن، وزمان آخر يسمونه الدهر وهو ظرف أيضا لكنه ليس بمعنى الزمان وكل الأشياء المتصرمة فيه غير متصرمة!.

لكن الفطرة تشهد بخلاف ذلك؛ اذ من البديهي أن لك وجودا واحدا وليس وجودان. وان الحركة متدرجة متصرمة وليست ثابتة بأي معنى حقيقي يراد، نعم إذا كان المراد مجرد معنى مجازي فلا بأس لكنه حقيقة خيال علمي كما اسلفنا، وكلام شعري. الا ان كلامهم بحسب الظاهر ليس عن عالم الخيال والتخيل بل يرون انها حقيقة بل هي حقيقة أسمى من حقيقة الزمان!.

ثم إن ذلك يلزم منه التناقض، لأن الوجود المستقبلي ليس متحققا في الحال وإنما سيتحقق، مثلا: غدا سيصبح فلان ثريا، وغدا ستشرق شمس غد، وهكذا. ولكن وحسب هذا الكلام فإن شمس غد ليست بمشرقة وهي مشرقة أيضا، ليست بمشرقة لأنها زمانية، لأنها في الزمان، والزمان لمّا يأتِ بعد، وهي مشرقة الآن؛ لأنها في وعاء الدهر ووعاء الدهر موجود الآن، ومحيط بالفعل ـ (الآن) استخدمناها لا بالمعنى الزماني وإنما بالمعنى الفعلي ـ فيلزم جمع النقيضين، وهو محال بل إليه مرجع المحالات كلها.

كما أنه يلزم منه تحصيل الحاصل، لأننا نتساءل ماذا سيحصل غدا ؟ اما نفسه او غيره، وعلى الثاني يلزم ان لا يكون موجودا الآن، بل الموجود غيره وعلى الاول يلزم تحصيل الحاصل، وهو محال كما أقروا.

ولهذا الكلام تتمة بل تتمات، نتركها للبحث المتخصص بإذن الله تعالى.

الوجه الادبي: قالوا المستقبل المحقق الوقوع ينزل منزلة الماضي لإفادة القطع به، إذ كما ان الماضي لا يمكن أن ينقلب عما وقع عليه، ايضا لو كان المستقبل مقطوع الوقوع فهو يشترك مع الماضي في هذه الجهة، فلذا نعبر عنه بتعبير الماضي لإفادة هذا المعنى. ولهذا ايضا تتمة، نتركها للمستقبل إن شاء الله.

المرابطة في الثغر الديني والعلمي والاقتصادي و...

الفصل الثاني:

والحديث يرتبط بكلمة (المرابطة)، والتي سيتضح أنها مرتبطا ارتباطا جوهريا بـكلمة (اشرقت) في تلك الآية الكريمة.

يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ).

ماذا تعني المرابطة؟

المرابطة: تعني ملازمة الثغر، فإذا كان الإنسان في الثغر الذي يلي حدود العدو فهو مرابط، أي: ملازم للثغر.

فملازمة الثغر (موضع مخافة دخول العدو) تسمى مرابطة.

وهناك تفسير اخر للمرابطة في كتب اللغة قالوا: هي المواظبة على الأمر.

فان الأم مثلاً عندما تدبر امر أطفالها ليلا ونهار تقوم بالمواظبة عليهم جيدا، فنقول: انها مرابطة في ثغر المنزل، فالثغر اختلف هاهنا لكن المرابطة موجودة متحققة فان هذه مرابِطة على تربية أبناءها.

مثال ثان: طالب العلم الذي يواضب على درسه ودراسته نقول انه: مرابط على طلب العلم، وهكذا وهلم جرى.

إذن (المرابطة) لا تختص بالثغر العسكري، وإنما تشمل الثغر الاقتصادي، والثغر الاجتماعي. مثلا: ان الذين يحافظون على اقتصاد البلد من أن تحطمه السياسات أو التشريعات الخاطئة، هم مرابطون في هذا الثغر، كي لا تعصف رياح الفقر بالبلاد، أو التضخم أو غير ذلك.

كما انه قد يكون الإنسان مرابطا في الثغر العلمي، أو في الثغر المعرفي، في الثغر الأصولي أو الفقهي أو الكلامي أو غير ذلك.

فالمرابطة بتفسيرها الثاني كما في (لسان العرب) وغيره: تعني المواظبة على الأمر، فإن كان مواظبا حقا، فهو مرابط حقا كما انها بتفسيرها الأول شاملة لكل ذلك أيضاً لو عممنا الثغر.

والله سبحانه وتعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا) وفيها كلام طويل ليس مجاله الآن (وَصَابِرُوا) وفيها كلام طويل ايضا (وَرَابِطُوا)، فماذا تعني كلمة (وَرَابِطُوا) انها تعني ملازمة الثغر بالمعنى الاعم، لا بالمعنى الأخص كما تدل عليه الروايات ايضا.

يعني: واظبوا على الأمر، على أمر الدين، أمر العقيدة، أمر الشريعة، وبكلمة جامعة: أمر الأئمة الأطهار (صلوات الله وسلامه عليهم).

الروايات تصرح: المرابطة على أئمة الهدى (عليهم السلام) والاقتداء بهم

وفي زمن الغيبة هذه الآية الشريفة فُسِّرت بالمصداق الأجلى لها، فقد ورد في بعض الروايات:

فقد جاء في تفسير البرهان ـ حيث أنه أجمع التفاسير لما يرتبط بالروايات المتعقلة بالآيات (3) ـ عن تفسير علي بن إبراهيم القمي، في تفسير هذه الآية الشريفة، قال: "اصبروا على المصائب، وصابروا على الفرائض، ورابطوا على الأئمة".

إذن نحن في زمن الغيبة وظيفتنا الأساسية الأولى الكبرى الجوهرية هي أن نرابط على الأئمة، كيف؟ هذا هو موضع الكلام.

الرواية الثاني ينقلها عن مختصر (بصائر الدرجات) في هذه الآية الشريفة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا) "اصبروا على دينكم وصابروا على عدوكم، ورابطوا إمامكم فيما أمركم". هذه الآن توضح بعض أبعاد تلك الرواية الأولى.

الأولى تقول رابطوا على الأئمة، لكن ماذا يعني ان نرابط على الأئمة؟ يعني: واظبوا على أوامر الأئمة، ولازموها، فان هذا الثغر هو الذي يدخل منه عليكم إبليس والنفس الأمارة بالسوء.

وأوامر الأئمة وما أكثرها وهي المطابقة للقرآن الكريم في مختلف الحقول والمفسرة له والشارحة أو المأولة، ظهراً وبطناً ومنها: واظب على المعروف وعلى الأمر به فان الذي يأمر بالمعروف مرابطا في هذا الثغر ليل نهار في مختلف الجهات. يكون قد عمل بهذه الآية القرآنية الشريفة.

إذن ورابطوا إمامكم في ماذا؟ إذ أن الإمام غائب الآن: أي فيما أمركم وفرض عليكم.

الرواية الأخرى ينقلها عن (معاني الأخبار) للشيخ الصدوق وهذه الروايات يكمل بعضها بعضا. "اصبروا على المصائب" -كما في تفسير الآية- وصابروا على التقية ورابطوا على ما تقتدون به". فالأئمة هم قدوة في كل الجهات، الفضائل والواجبات، وليس في الواجبات وفي ترك المحرمات فقط، بل في الفضائل ايضا؛ في الشجاعة مثلاً فان المؤمن ينبغي أن يكون شجاعا وليس جبانا يفر عند أدنى مواجهة مع جبهة الباطل. المؤمن ينبغي أن يكون كريما، ينبغي أن يكون بشوشا، ينبغي ان يكون حسن الخلق، ينبغي أن يكون متواضعا فيرابط على التواضع إذ أن التواضع يحتاج إلى مرابطة دائمة، ذلك ان الإنسان عندما يترقى في الأسباب ويحصل على مال أو علم أو جمال أو كمال أو أي شيء آخر، فانه عادة يفقد ميزة التواضع، فلا بد أن ترابط على التواضع، وعلى كل ما تقتدي به في الأئمة الأطهار.

إن الفضائل كلها تحتاج إلى مرابطة، فاللازم على الإنسان ان يرابط عند قلبه كما يرابط في ذاك الثغر كي لا يتسلل إليه أدنى حسد. لان الإنسان من طبيعته الابتلاء بالحسد، فان هذه بذرة موجودة في النفس تنمو وتنمو لو اهملتَ المواظبة عليها والمرابطة عليها.

كذلك الحقد، الكبرياء، التكبر، العجب. الإنسان قد يلقي محاضرة جيدة أو يكتب كتابا يلقى رواجا أو يؤسس مؤسسة ضخمة أو يحقق إنجازاً كبيراً فيسمع الناس يمدحونه من هنا وهناك، فيأخذه بعض العجب، فيحبط بذلك عمله.

رابط على صالح عملك، وعلى ما تقتدون به كي لا تنسفه رياح العجب والغرور والكبرياء والظلم، كما لو كان يظلم زوجته فيحبط عمله بذلك وكما لو ظلم أخاه أو شريكه أو حتى منافسه (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) فرابط على ما تقتدي به كي لا ينسف نسفا.

تقول الرواية: ورابطوا على ما تقتدون به واتقوا الله لعلكم تفلحون.

وهناك رواية رابعة تكمّل الصورة أكثر، وينقلها عن تفسير العياشي، تقول: (اصْبِرُوا) عن المعاصي (وَصَابِرُوا) على الفرائض (وَاتَّقُوا اللَّهَ) يقول مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ثم قال: وأي منكر أنكر من ظلم الأمة لنا وقتلهم إيانا (وَرَابِطُوا) يقول في سبيل الله)، فالمرابط في سبيل الله هو العامل بهذا الآية الشريفة. في صدقه، في وفاءه وفي هدايته للناس، وفي سمته، في هديه في مشيته، في تأليفه، في محاضراته، في تنظيمه وتربيته، يرابط في سبيل الله.

فهل نحن حقا مرابطون في سبيل الله؟ أو أننا أحيانا نقوم بالوظيفة، ولعدة ساعات باليوم فقط؟

(ورابطوا يقول في سبيل الله)، فالمعنى إذن أعم من المرابطة العسكرية في الثغر.

تكملة الرواية: (ونحن السبيل بين الله سبحانه وتعالى وخلقه ونحن الرباط الأدنى، اذ يوجد رباط أبعد مثلا عند الروم، او عند إسرائيل أو غيرها، لكن الرباط الأدنى هو الأئمة عليهم السلام: تعاليمهم، ما ينبغى أن نتأسى بهم، مظلوميتهم، هذا رباط أدنى ملاصق لك. فمن جاهد عنا فقد جاهد عن النبي صلى الله عليه وآله وما جاء به من عند الله).

وهناك رواية أخرى رائعة ينقلها كتاب (مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم) إذ ينقل رواية، بل روايتين، عن الكافي، في الروضة، وهذه الروايات يكمل بعضها بعضا.

رباط الأئمة (عليهم السلام) أبد الدهر

قال لي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما صلوات الله وسلامه كم الرباط عندكم؟ -اي الرباط العسكري- قلت: أربعون يوما. قال عليه السلام: لكن رباطنا رباط الدهر.

ان المؤمن عليه أبد الدهر أن يكون مرابطا على الاقتداء بأهل البيت عليهم السلام، أن يكون أبد الدهر آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتحدد بليل أو نهار أو بسرّ أو بجهار، أو بغير ذلك، فهي وظيفة دائمة، ووظيفة لازمة.

الرباط ولو بجوادٍ: واقعي ورمزي

ولننتقل إلى رواية أخرى لما فيها من اللطافة كما انها تحدد أحد مصاديق المرابطة ثم ننطلق بعد ذلك إلى المعنى الأوسع.

ففي روضة الكافي بإسناده عن ابن طيفور المتطبب، قال سألني أبو الحسن عليه السلام: أي شيء تركب؟ - والرواية طريفة في حد ذاتها- قلت: حمارا. فقال عليه السلام: بكم ابتعته؟ قلت: بثلاثة عشر دينارا، فقال عليه السلام: إن هذا لهو السرف ان تشتري حمارا بثلاثة عشر دينارا وتدع برذونا – البرذون على حسب تفسير بعض اللغويين كمجمع البحرين يعني الخيل التركية-. قلت: يا سيدي إن مؤونة البرذون أكثر من مؤونة الحمار – لأن البرذون حصان يحتاج إلى رعاية خاصة وإلى طعام خاص وأكثر، غير الحمار- فقال: الذي يموّن الحمار هو يمون البرذون. – فان الله هو الرزاق فلا تخف من هذه الجهة.

ثم ذكر الامام وجه الحكمة: أما تعلم أنه من ارتبط دابة متوقعا به أمرنا- وهنا الرمزية وهنا وجهة الحكمة، فان الإنسان لا يستطيع أن يقاتل بالحمار، اما الجواد فانه يقاتل به، فليكن عندك جواد إذاً حتى إذا ظهر الإمام عليه السلام تقاتل بين يديه، وهذا المعنى الواقعي والرمزي الذي ينبغي أن يكون حاضرا نصب العين دائماً وأبداً.

ان الإمام (عليه السلام) يذكر مصداقا من مصاديق الاستعداد للظهور ولا يريد الحصر به كما هو واضح.

والنقطة الهامة هي أنه زمان الصادق عليه السلام ومن الواضح أن المكتوب في اللوح المحفوظ هو أن الإمام الثاني عشر هو الذي سيظهر، وإن كان في عالم البداء ولوح المحو والاثبات كان قد ذكر اسم عدد من الأئمة(4).

ان الإمام (عليه السلام) يعلم بأن هذا ليس زمن الظهور لكنه مع ذلك يقول له بأن يكون مستعدا، ذلك ان الإنسان الذي يمتلك جواداً متوقعاً ظهور الإمام (عجل الله فرجه الشريف) فانه يلهمه دوماً بأن هذا يعني أنني جندي تحت الطلب، وقد يكون له جواد وقد يكون له سيف كما في بعض الروايات الاخرى، فالإنسان إذا امتلك سلاحاً في البيت ينتظر به ظهور الإمام، فان ذلك يعطيه من المعنوية الشيء الكثير ويعطيه من الاستعداد الأكثر فالأكثر والتهيؤ: أني جندي تحت الطلب فكيف يشط قلبي عن الاقتداء بأهل البيت عليهم السلام؟ كيف أحب المال، لأن الذي يحب المال قد يودي به حب المال في المهالك، وعندما يظهر الإمام فقد يقع في الجبهة الأخرى للإمام إذا ما وجد مصالحه المالية مهددة، وكذلك الذي يحب الرياسة، وانكم ترون كم من المعارك في العالم تحدث جراء حب الرياسة سواءا في الشركات أم في الحكومات.

ان الذي وقع أسير حب الرياسة عندما يظهر الإمام قد لا يستطيع التخلص من حبها فيتخندق في الجبهة الأخرى فيكون من أهل النار لا سامح الله.

والحاصل: انه عندما يمتلك الإنسان شيئاً رمزياً كسلاح أو كدابة أو ككتاب (مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم) مثلا فيتطلع إليه يوميا ويتذكر بانه جندي وله صاحب ينتظره، فان هذا الإنسان يكون إنسانا آخر، ويكون عندئذ بإذن الله تعالى مرابطا حقا في ثغر أهل البيت عليهم السلام ومرابطا في سبيلهم.

من أهداف وفوائد المرابطة

يقول الامام عليه السلام - ويغيظ به عدونا – هذه حرب نفسية: ان تغيظ العدو إذ يرى انك تمتلك سلاحاً استعدادا للظهور وهذا مطلوب، وليس المطلوب أن يتملق الإنسان الأعداءَ وأيضاً لو هاجمه الأعداء الإرهابيون فانه يمكن أن يدافع عن نفسه مثلاً – وهو منسوب إلينا، أدر الله رزقه – فهناك آثار إيجابية أخرى وشرح صوره – أي للإيمان ولعلّه وللعلم – ومن ذلك ان يلوّن نيته بلون سماوي بان تكون خالصة لله تعالى فهذه العلوم التي يقرأها، وأيضاً هذه الروايات يقرؤها بهذه النية: أنني أعد نفسي لكي أكون من أعوان الإمام صلوات الله وسلامه عليه قدر ما يمكنني أن اعد نفسي - وبلّغه أمله- فان الله يبلغه عندئذٍ كل ما يأمل به، ومن ذلك انه يأمل ان تكون ذريته صالحين فإن الله يبلغه ذلك، من بركة أنه ارتبط ولو دابةً لكن متوقعا أمرنا فان الله يجعل البركة في ذريته فيكونون علماء صالحين أو أبراراً متقين. – وكان عونا على حوائجه المتخلفة ".

إذن المرابطة المأمور بها في الآية الشريفة، فان المصداق الأجلى لها في زمن الغيبة هو المرابطة في سبيل الله عن طريق أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم إذ هم السبيل الأقوم والصراط الأوضح الأبلج كما هو واضح ومبيّن ومبرهن.

الأعداء الأربعة

ثم ان هذا الثغر الذي يجب علينا ملازمته والمرابطة فيه، الخطير فيه انه يهاجمه ليل نهار أربعة اعداء أقوياء. فنحن تارة تهاجمنا دولة من الشرق مثلاً لكن تصوروا لو ان أربع دول من الأطراف هاجمتنا في وقت واحد عسكريا، فان البلية تكون عظيمة جدا، ذلك ان الدولة تستطيع عادة أن تكافح دولة أخرى لو نزلت بكل قواها العسكرية، لكن ماذا لو هاجمتها اربع دول كيف؟

إعلان الحرب على أربع قوى كبرى

واننا الآن حقيقة في ساحة حرب لكننا عنها غافلون، فما هي هذه الحرب؟ ومن هم الأعداء والمهاجمون؟

الجواب: العدو الأول الشيطان. والشيطان قوي جدا، أقوى من كل دول العالم لأنه قد يخدع حتى المخلصين إذ: المخلصون على خطر عظيم أيضاً. وهذه ساحة حرب مفتوحة ليل نهار وفي كل آن وهذا العدو موجود ومرابط على أطراف هذا الثغر بل في داخله أيضاً لكنني أنا غافل عن ذلك!.

العدو الثاني: النفس. فان النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي.

العدو الثالث: الدنيا، والدنيا عدو قوي، فهي حلوة خداعة غرارة: المال، الجمال الرياسة. وغير ذلك.

العدو الرابع: الهوى.

ثم ان الإنسان أحياناً يسقط سقوطا مدويا في الامتحان وقد يسقط سقوطاً خفياً لا يظهر للعلن!

ونحن جميعا في معرض الخطر، فلا يوجد ضمان، فعلى كل منا ان يفكر مع نفسه دوماً: انا إنسان صالح الآن لكن غدا في امتحان رياسة قد اقتل أحدا، في امتحان مال قد اغصب مالا بغير حق، في امتحان إمرأة أو شهرة أو غير ذلك فقد يسقط الإنسان في الامتحان سقوطاً مدوياً وقد يسقط سقوطاً خفياً...

وإذا كان يوسف النبي احتاج إلى عصمة من الله فكيف بزيد من الناس لو كان في جامعة او سوق أو منزل في غرب أو شرق؟

شاه إيران والسقوط المدوي

ان السقوط يكون احيانا مدويا وتارة يكون خفيا، مثلا: شاه إيران الأسبق، الأول، كان يشترك في المواكب الحسينية وكان على حسب قول الشاعر – بالفارسية -:

اولّش او در عزاها ميدويد

عاقبت جشني به پا در ليلهء عاشور كرد

فالشاه الأول كان ككثير من الناس يشارك في المواكب وكان يركض في الموكب حاسر الرأس لكنه عندما وصل للسلطة انقلب راسا على عقب، حتى وصل به الامر ان أقام حفلا ماجنا فيه عربدة ومجون في ليلة عاشوراء!!

تصوروا!! إلى هذه الدرجة! انت انحرفت على اية حال وقد تقيم ليلة مجون لا سمح الله، لكن لِمَ في ليلة عاشوراء؟

السقوط في امتحان الرياسة أو المال والشهرة أو...

هكذا تصنع السلطة بالانسان؟ فما هو الضمان ان أي واحد منا لا يكون كذلك؟ إننا الآن نتكلم عن شاه إيران ونشير إليه كإنسان منحرف أشد الانحراف، لكن الكلام انا مستقبلي ومستقبلك؟

قد يسقط أحدنا – لا سمح الله ـ في امتحان رياسة أو في امتحان شهرة أو مال أو جمال، او حسد أو حقد، أو كبرياء أو نظر أو غيبة.

ان الغيبة ـ والعياذ بالله ـ منتشرة كالنار في الهشيم ومبررة أيضاً مع الأسف، وكل جهة تبرر اغتيابها للطرف الآخر بتبرير ما وخاصة في المتدينين نجد ان تبرير الغيبة قائم على قدم وساق بل انه يفسق الطرف الآخر ثم يغتابه! مع انها على الاقل شبهة، ينبغي اجتنابها.

ان على الإنسان أن يرابط على التقوى في هذا الثغر: ثغر الغيبة، ثغر التهمة، ثغر النميمة، فان بعض الناس همّه ان يوقع بين الناس!، فقد توجد مشكلة بين هذه الجهة وتلك الجهة، حزبا كانت أم مرجعية أم عشيرة وقبيلة، أم عائلتين، بعض الناس دأبه الإصلاح، لكن بعض الناس شأنه النميمة: ينقل خبراً سلبياً من هذه الجهة إلى تلك الجهة وبالعكس!.

الم يقل لنا المعصوم ان إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام(5)؟ لكن هل قال: إفساد ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام؟.

فلتكن هذه الجهة هي الجهة المخطئة أو المجرمة أو ما شئت فقل، لكن: اما أنت فأصلح!، تكلم مع هذا الطرف لكي يتنازل قليلا ومع ذلك الطرف كي يتنازل.

وفي الرواية (سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ لَا يَفْتَرِقُ رَجُلَانِ عَلَى الْهِجْرَانِ إِلَّا اسْتَوْجَبَ أَحَدُهُمَا الْبَرَاءَةَ وَ اللَّعْنَةَ وَ رُبَّمَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ كِلَاهُمَا فَقَالَ لَهُ مُعَتِّبٌ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ هَذَا الظَّالِمُ فَمَا بَالُ الْمَظْلُومِ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو أَخَاهُ إِلَى صِلَتِهِ وَ لَا يَتَغَامَسُ لَهُ عَنْ كَلَامِهِ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ إِذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ فَعَازَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَلْيَرْجِعِ الْمَظْلُومُ إِلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَقُولَ لِصَاحِبِهِ أَيْ أَخِي أَنَا الظَّالِمُ حَتَّى يَقْطَعَ الْهِجْرَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ صَاحِبِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَكَمٌ عَدْلٌ يَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ)(6).

وهذا الامر جدا غريب، فمن هو المستعد لذلك؟ حقيقة، فكثيرا ما يكون الحق مختلطاً وليس معلوماً من هو الظالم ومن هو المظلوم أو يكون متشابكاً فهذا ظلمه بعض الظلم وذاك ظلمه بعض الظلم، لكن لنفرض أنه من الثابت المطابق للواقع هذا الاثبات أن ذاك هو الظالم كما لو غصبه ماله، ضربه، إلخ، فما بال المظلوم لا يذهب إلى الظالم ويقول له: انا الظالم وانت المظلوم كي يصطلحا؟

ان إصلاح ذات البين هو افضل من عامة الصلاة والصيام.

فالواجب في زمن الغيبة إذن المرابطة على هذا الثغر، ثغر الاقتداء بالأئمة الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم.

انتصار الشيخ الانصاري على أقوى أسلحة إبليس

وكلكم تتذكرون قضية الشيخ الأنصاري حيث ذاك الشخص رأى الشيطان في المنام وبيده بعض الخيوط الملونة والحبال الغليظة وسلسلة مقطعة سبع قطع، فسأل الشيطان عن الامر، فقال له: هذه اصطاد بها بني آدم. الوانها كثيرة منها حب الرياسة، حب المال، حب الشهرة، حب الشهرة، إلخ، وأما الاحجام المختلفة فلأن بعض الناس ضعاف فأسحبهم بخيط – والعياذ بالله- فانه ما إن يسمع برياسة فانه يركض ذاك البعيد إليها، وما إن يسمع بقليل من المال حتى يبيع دينه، وقد حدث قبل فترة ان شخصاً قتل سائق تكسي على مائة دولار فقط!. كل إنسان منا معرض لهذا الامتحان ليل - نهار.

فقال له: والذي هو أقوى منه اسحبه بحبل، أو بحبل غليظ. فسأله عن السلسلة، قال له: هذه السلسلة رميتها على عنق الشيخ الأنصاري سبع مرات، فقطعها في كل مرة.

ولذلك تجدون الشيخ الأنصاري اصبح الشيخ الأنصاري!، لذا بارك الله في مكاسبه وفي رسائله. كثير من الناس قد يكتبون كتبا، كثير من الناس قد ينجزون، قد يؤسسون، لكن البركة الإلهية أمر آخر.

إذا كان الإنسان مرابطا في هذا الثغر، ثغر الشيطان، ثغر النفس، ثغر الهوى، ثغر الدنيا، فعندئذ يكون مصداقا لهذه الروايات الشريفة، ومصداق لهذه الآية الكريمة: حيث يكون مرابطا في سبيل الله.

وللحديث صلة وتتمة بل تتمات وسنكمل في بعض الأسابيع القادمة إن شاء الله تتمة بحثنا الماضي حيث أننا لم ننه البحث الماضي من الاحتمالات الثلاثة حول عالم الظهور وأنه عالم الأسباب والمسببات أو الاعجاز المطلق أو غير ذلك فان له تتمة إن شاء الله.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم حول المرابطة في زمن الغيبة
http://m-alshirazi.com

....................................
(1) الزمر آية 69.
(2) آل عمران آية 200.
(3) أي بتأويلها، وبشأن نزولها مما يرتبط بالمعصومين عليهم السلام.
(4) كالإمام الكاظم عليه السلام.
(5) الكافي ج7 ص51.
(6) تحف العقول ص513 والكافي ج ص344.

انقر لاضافة تعليق