في عام 1798 طرح توماس مالتس نظريته الشهيرة في النمو السكاني وتأثيره السلبي على مستويات المعيشة في المدى الطويل. النظرية ببساطة تقوم على انه مع ثبات كمية الارض فان النمو السكاني سوف بالنهاية يقلل من كمية الموارد التي يستهلكها كل فرد مما يتسبب في الامراض والمجاعات والحروب.

الطريقة لتجنب هذا هو "قيد اخلاقي" يتمثل بالامتناع عن انجاب مزيد من الاطفال. هو لم يتنبأ بالتقدم التكنلوجي الذي يرفع انتاجية الزراعة ويقلل من الامراض. غير ان فكرته الاساسية بان النمو السكاني يشكل تهديدا محتملا للتنمية بقي مؤثرا وفاعلا في سياسات وأجندة التنمية العالمية خاصة منذ خمسينات وستينات القرن الماضي حين شهدت أغلب الدول النامية نموا سكانيا سريعا غير مسبوق.

كانت رؤية البنك الدولي تقوم على اساس ان النمو المتسارع في الدول النامية (2% او اكثر) يعمل كأداة كابحة للتنمية، فهو يرى بانه في ظل ظروف معينة سيكون النمو السكاني مفيدا. في اوربا واليابان وامريكا الشمالية ادّت النسبة المعتدلة للنمو السكاني الى تشجيع الابتكارات وتقليل المخاطرة في الاستثمارات. ثم ان زيادة الانفاق على التعليم رفع من قيمة القوى العاملة. غير ان البنك الدولي رأى ان تلك الظروف لا تنطبق حاليا على الدول النامية للأسباب التالية:

1- ان النمو السكاني الحالي في الدول النامية يسير بسرعة كبيرة. في اوربا وامريكا الشمالية لم يتجاوز ابدا 1.5% سنويا. اما في الدول النامية حاليا فهو يتراوح بين 2 الى 4%.

2- على عكس ما كان في القرن التاسع عشر في اوربا، لم يعد ممكنا للهجرة الدولية الكبيرة الحجم نحو الاراضي غير المأهولة ان توفر اسواقا للعمالة الفائضة.

3- عندما كانت اوربا واليابان وامريكا الشمالية في أعلى درجات نموها السكاني، ترافق ذلك مع وجود هياكل سياسية واجتماعية لمستويات عالية من الرفاهية المادية.

4- الدول النامية الفقيرة ذات النمو السكاني السريع لم يعد بامكانها توسيع هامش الزراعة نحو الاراضي الغير مستعملة.

ولهذه الاسباب يرى البنك الدولي ان الدول النامية لا يُتوقع منها مساعدة المزيد من الناس لبلوغ مستويات عالية من الدخل الحقيقي كما كان شائعا في العالم الصناعي في القرنين الثامن والتاسع عشر وفي بدايات القرن العشرين. حيث يجب الانتباه الى:

1- الرياضيات البسيطة تشير الى ان الفروقات في نسب النمو السكاني منذ الخمسينات ادّت الى ثبات الفروقات في الدخل على المستوى العالمي. في افريقيا السوداء وبنغلاديش وبالنظر لركود الفعالية الاقتصادية ادى النمو السكاني السريع الى هبوط في الدخل الفردي.

2- النسبة العالية للنمو السكاني وحيثما يوجد عدد قليل من فرص الاستخدام في القطاع الحديث، تؤدي الى مشاكل خطيرة للدول في افريقيا السوداء وجنوب اسيا. وتقدم كينيا اسوأ الامثلة حيث كان يجب على الزراعة ان تمتص اكثر من 70% من النمو في قوة العمل. ان استيعاب هؤلاء العمال الاضافيين انتاجيا ومنعهم من زيادة ارقام العاطلين عن العمل في المدن يعتبر تحديا كبيرا.

3- في العديد من الدول هناك مشكلة إبقاء الانتاج الغذائي يسير بموازاة النمو السكاني. فعلى الرغم من زيادة قوة العمل في الزراعة الا ان ذلك لم يترافق دائما مع زيادة في المخرجات، خاصة في اوقات ضعف مواسم الغلة. الهند تمكنت من توسيع انتاجها الغذائي بوتيرة اسرع من نموها السكاني، ولكن مع ذلك كان هناك تباين كبير في الانتاجية، عندما يكون الحصاد سيئا فان الكثير من الناس يتعرضون الى المجاعة.

4- المشاكل البيئية ترتبط بقوة بالنمو السكاني، فتزايد الطلب على الوقود الخشبي ادّى الى تحطيم كبير للغابات. فحين لم يتوفر وقود اضافي يصبح من الصعب طهي الطعام او تسخين الماء مما يتسبب في انتشار الامراض. الضغط السكاني يقود الى ممارسات تستنزف طاقة الارض. فالحراثة المفرطة تعرّي التربة مما يحرم النبات من العناصر الغذائية.

5- التضخم السكاني يضع ضغوطا كبيرة على المدن. فالبطالة دائما عالية في المدن قياسا بالارياف. تلوث الهواء، الاختناقات المرورية، الاضطرابات الاجتماعية وانتشار الجرائم والامراض كلها دليل على عدم مقدرة المدن في العالم النامي على التكيف مع الاعداد المتزايدة للسكان.

يعتقد البنك الدولي بان تأثيرات النمو السكاني تتغير بشكل واسع اعتمادا على المؤسسات والعوامل الثقافية والاقتصادية. الا انه مع ذلك، وبموجب الاسباب التي ذكرناها اعلاه لابد من تأكيد نظرية ان النمو السكاني في الدول النامية يعيق عملية التطور المادي وهذا يبدو واضحا على المستوى الكلي، كما انه تعزّز على مستوى العائلة. الاخصاب العالي يقلل من كمية الوقت والمال المطلوبين من الوالدين لتربية كل طفل ويضع الصعوبات امام التقدم الانساني من تعليم وصحة وغيرها.

تأثير النمو السكاني على رأس المال

قام آنسلي ول و أي.م.هوفر بدراسة عام 1958 أوضحت التأثيرات السلبية للنمو السكاني على الادخار وتكوين رأس المال. حيث توصل الباحثان الى التالي:

1- تأثير الاتكالية على الآخرين: حيث ان النمو السكاني المتسارع يقود الى نسبة عالية للاطفال من مجموع الاشخاص في سن العمل، مما يوجّه دخل رب المنزل الى الاستهلاك وبعيدا عن التوفير.

2- تأثير إضعاف رأس المال : النمو السريع في السكان يجعل انتشار رأس المال بين السكان قليلا جدا مما يقلل من نسبة راس المال الى العمل.

3- تأثير تحويل الاستثمارات : النمو السكاني يولّد طلبا عاليا للاستثمار في مجالات التعليم والصحة، بينما يُبعد الموارد عن الاستثمار في المجالات الانتاجية.

ان آراء (كول، هوفر) اصبحت امرا مقبولا لدى اقتصاديات التنمية. ان واحدة من اهم الحجج التي تدعو الى خفض النمو السكاني هي ان النسبة العالية للنمو السكاني تخفض التوفير المحلي وتكوين رأس المال.

نقد الفرضية

ان هذه الفرضية كانت عرضة للمزيد من الدراسة والتحليل من جانب الخبراء والاقتصاديين حيث ان البعض شكك في تلك الفرضية وانكر وجود دليل علمي عن الارتباط بين النمو السكاني من جهة والادخار والاستثمار من جهة اخرى.

فما هي الاسس التي اُعتمدت في رفض فرضية كول-هوفر؟

1- ان فرضية تأثير الاتكالية على الآخرين ترى ان الطفل الاضافي يعتمد في معيشته على حساب التوفير الضائع من رب المنزل. الاّ ان هذه ليست الا واحدة فقط من عدة احتمالات. فالعائلة ربما هي فقيرة الى درجة لا تمتلك اي حساب توفير او ربما يشجع الآباء على التوفير لأجل خدمة اطفالهم في المستقبل. وفي الدول النامية بالذات، يتجه الاطفال الى العمل ويساهمون بأنفسهم في دخل وتوفير آبائهم. وهكذا فان تأثير حجم العائلة على توفير رب المنزل قد يكون سلبيا او ايجابيا او لا قيمة له.

2- التأثير على رأس المال : اذا كان الاطفال يحولون دون التوفير، ذلك معناه عندما يدخلون الى سوق العمل سوف يكون امامهم القليل من رأس المال للعمل به، وستهبط انتاجية العمل. وهذا التأثير يرتكز على الافتراض السابق حول التوفير. فاذا لم يتأثر التوفير بحجم العائلة او كان يزداد بالفعل، معنى ذلك لن يكون هناك تأثير على رأس المال.

3- تأثير تحويل الاستثمارات يأتي نتيجة قيام الحكومة بتحويل الموارد الى الخدمات العامة وبعيدا عن المجالات المنتجة وهو الامر الذي لم يثبت دائما.

كذلك ليس من الضروري اعتبار الانفاق على راس المال البشري غير منتج، الناس المتعلمون وذوي الصحة الجيدة يساهمون فعليا في زيادة المخرجات. وبالرغم من هذه الانتقادات لنظرية كول-هوفر لكن النزعة العامة لدى صانعي السياسة تفترض وجود مثل هذه العلاقة السلبية بين النمو السكاني وكل من الاستثمار والادخار، فتوقعات البنك الدولي لنسب التوفير تقوم على دورة حياة التوفير life-cycle saving، هذه الدورة تعبير عن كفاية التوفير خلال سنوات العمل لأجل الحفاظ على استهلاك فردي ثابت بعد سن التقاعد. وهكذا فان نسبة الاعتماد العالية يرافقها نسبة توفير قليلة. هبوط السكان يُفترض ان يزيد التوفير المتراكم للقطاع الخاص.

علاقة البيئة بالنمو السكاني

ان الانتقاد الذي يُوجّه الى اتجاه النمو السكاني هو ان التركيز كان منصبا على تأثير النمو السكاني على التنمية الاقتصادية في الدول النامية فقط دون الاخذ بالاعتبار للأبعاد العالمية. وحين نناقش اثر النمو السكاني على البيئة بمعناها الواسع فمن الضروري ان يتم ذلك في اطاره الاوسع.

لو نظرنا الى تأثيرات النمو السكاني على مصادر الطاقة غير المتجددة (الفحم، الغاز، البترول) للفترة بين 1960 و1984 نجد 46% من النمو في الاستهلاك العالمي للطاقة كان نتيجة لزيادة سكان العالم، والمتبقي 54% كان ناتجا عن ارتفاع مستوى المعيشة. فالزيادة في مستويات الدخل تؤثر في النمو في الاستهلاك العالمي للطاقة أكثر من تأثير الزيادة في عدد السكان.

ولكي نؤكد هذه النقطة سنقارن استهلاك الطاقة لكل شخص في اوربا مع استهلاك الطاقة لكل شخص في افريقيا. في افريقيا هناك اقل من عُشر استهلاك الطاقة لكل فرد في اوربا. واذا كانت المقارنة مع امريكا الشمالية فإنها ستكون مدهشة اكثر، حيث نجد في افريقيا اقل من جزء من العشرين من استهلاك الطاقة لكل شخص مقارنة بالولايات المتحدة. ان نفاد المصادر غير المتجددة للطاقة يعود بالدرجة الاولى الى ارتفاع مستويات المعيشة في الاقطار الغنية وليس الى الزيادة السكانية في العالم النامي. وعلى المستوى العالمي فان مشكلة نفاد الموارد غير المتجددة يمكن معالجتها بشكل افضل عبر سياسات تسعى الى خفض الاستهلاك الفردي للطاقة "دون الحاجة لخفض مستوى المعيشة" بدلا من اعتماد سياسات للسيطرة على النمو السكاني في الدول النامية.

الطاقة الاستيعابية

ان الاحصاءات البيئية الأكثر ملائمة للدول النامية في موضوع استهلاك الطاقة هي تلك التي يُطلق عليها بالطاقة الاستيعابية للارض. فالغالبية الساحقة من سكان الدول الفقيرة يعتمدون في معيشتهم على الارض. والطاقة الاستيعابية للأرض هي الحد الاقصى من السكان الذين يمكن إعاشتهم على تلك الارض، اي الذين يتوفر لهم ادنى مستوى للمعيشة. يمكن تقدير الكمية القصوى للغذاء الذي توفره الارض ثم تقسم بعد ذلك على اقل عدد من السعرات الحرارية الضرورية لبقاء الافراد. ان الرقم المتحصل يمثل الطاقة الاستيعابية للارض ليشير الى عدد الافراد الذين يمكنهم البقاء على الارض ضمن مستوات غذائية ضرورية.

تقديرات الطاقة الاستيعابية للأرض التي وضعتها منظمة الفاو التابعة للأمم المتحدة نظرت بالإنتاج المحتمل للغذاء في 117 دولة على اساس ثلاثة سيناريوهات تكنلوجية مختلفة:

1- مستوى منخفض من التكنلوجيا اي بدون مخصبات او عوامل كيمياوية، وباستعمال الغلات التقليدية فقط.

2- مستوى متوسط من التكنلوجيا باستعمال بعض الاسمدة الكيمياوية والغلات المحسنة.

3- مستوى عالي من التكنلوجيا باستعمال تام للاسمدة والمخصبات وكذلك جميع البذور المحسنة.

ان نتائج الدراسة التي قامت بها منظمة الفاو تشير الى ان جميع الدول النامية لو انها استعملت جميع الاراضي القابلة للزراعة وباستعمال ادنى مستوى من التكنلوجيا فان الارض يمكنها اعاشة ما يقارب 1.6 مرة العدد المتوقع للسكان في عام 2000.

ولو اُستخدم مستوى متوسط من التكنلوجيا فان العدد يرتفع الى 4.2 مرة. وفي حالة استخدام تكنلوجيا متقدمة ستصل النسبة الى 10.3 مرة. كذلك قامت الدراسة بتحليل الطاقة الاستيعابية للأرض حسب الاقاليم وكانت المشكلة الوحيدة فقط في جنوب غرب اسيا، حيث في كلا المستوين من التكنلوجيا القليل والمتوسط وُجد ان عدد السكان المتوقع في عام 2000 سوف يتجاوز الطاقة الاستيعابية للارض. اما الصورة في افريقيا فهي اكثر تفاؤلا حيث في ادنى مستوى من التكنلوجيا تستطيع افريقيا اعاشة اعداد اضافية من السكان بمقدار نصف السكان الحقيقيين في عام 2000. وفي المستوى العالي من التكنلوجيا ترتفع النسبة الى 9.3 مرة.(1)

ان الدراسة اعلاه اعطت طابعا تفاؤليا عن العلاقة بين النمو السكاني والبيئة، ولكن هل الجميع لديهم مثل هذه النزعة التفاؤلية؟ لا يتفق الجميع على ذلك للأسباب التالية:

1- الطاقة الاستيعابة ترتبط فقط بالحد الادنى من السعرات الحرارية المطلوبة. فلم يكن هناك اهتمام بالمستويات العليا من التغذية، ولا لجميع الحاجات الاساسية الاخرى التي تشكل المستوى المقبول للحياة. الحد الادنى من السعرات الحرارية لا يقول لنا اي شيء عن نوعية الحياة.

2- هناك مصادر نادرة اخرى في المناطق الريفية من البلدان النامية الفقيرة والتي بدورها تضع قيودا على مستويات التغذية قبل بلوغ الطاقة الاستيعابية. فمثلا في مناطق شاسعة من افريقيا السوداء يعتبر النقص في وقود الاخشاب اكثر اهمية من الغذاء والطاقة الاستيعابية.

3- لكي يصبح هناك معنى للطاقة الاستيعابية فهي لابد ان تُحسب على مستوى الدولة ثم على مستوى الاقاليم. الصورة العامة التي عكستها منظمة الفاو ربما تقود الى سوء الفهم لدى مجموعات سكانية معينة في اوقات محددة. حيث يقدر ان هناك حوالي نصف عدد فقراء العالم والبالغ 350 مليون نسمة يعيشون في مناطق يصعب زيادة انتاجها الزراعي بسبب سوء المناخ وفقر التربة، من بينها المناطق الجافة وشبه الجافة وكذلك المساحات المرتفعة.

4- الطاقة الاستيعابية تتجاهل حقيقة ان بعض الدول التي تفتقر الى التوازن بين النمو السكاني وموارد الارض كانت قادرة على التغلب على هذه المشكلة وذلك بتصدير السلع المصنعة واستيراد الاغذية. كما ان الطاقة الاستيعابية هي ايضا تتغير دراماتيكيا بمرور الزمن حين يضغط النمو السكاني لإحداث تغيير في التكنلوجيا، كما في حالة الانتقال من نظام زراعي واسع الى نظام مكثف.

وعلى الرغم من الصعوبات في استعمال فرضية الطاقة الاستيعابية الا اننا لا يمكننا انكار حقيقة ان الانتاج الغذائي العالمي نما بشكل اسرع من النمو السكاني في العالم. عالميا لم تعد المشكلة متعلقة بوفرة الطعام وانما بكيفية وصول الفقراء اليه.

* من كتاب الاقتصاد والتنمية، تأليف بربرة انجهام، ترجمة حاتم حميد محسن، دار كيوان للطباعة والنشر والتوزيع- دمشق، 2010

....................................
الهوامش
(1) وفي تقرير آخر لمنظمة الفاو التابعة للامم المتحدة في 23 سبتمبر 2009 اشار الى انه في عام 2050 سيحتاج العالم الى زيادة في انتاج الغذاء بمقدار 70% لكي يمكن إطعام الزيادة الاضافية في سكان العالم بمقدار2.3 بليون فرد اضافي. ذلك ان سكان العالم سيرتفع من 6.8 بليون الى 9.1 بليون في 2050. عالميا ستبقى هناك موارد ارض كافية لإطعام سكان العالم في المستقبل، غير ان الجزء الاكبر من الارض سيكون ملائما لزراعة فقط عدد محدود من الغلات، وهي ربما غلات ليست ذات طلب مرتفع.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق