إنسانيات - مجتمع

مجتمع على حافة الهاوية

عندما نتكلم عن مجتمعٍ مثل المجتمع العراقي، ونستذكر ما جرى عليه منذ عشرينيات القرن الماضي على الاقل والى الآن من حروبٍ وانتكاسات وتناقضات واجيال بشرية اختلفت الواحدة عن سابقتها، فلا تلوح في الذاكرة الا صورٍ مؤلمة تحيك قصص وتفسر احوال الفرد العراقي وقد مر بكل هذه الازمات، فماذا نتوقع من مجتمعٍ انتابته كل هذهِ الكوارث ان يفعل، وكيف يُخطط ويتعامل مع يومهِ، وكيف يستشرف مستقبله؟ قد يكون كل ذلك هو من ضروب الخيال في ان يفعل ذلك، وهو في حلقةٍ مُفرغة انهكته الويلات بحيث بات غير قادر على النهوض بقوةٍ، وان نهض تأتيه صعقةً أخرى تطرحه ارضاً، فبات صريعاً لأمراض الفقر والتراجع الاقتصادي والفساد والحروب والعنصرية والطائفية والتكالبات الداخلية والخارجية.

لقد عُجنت في مخيلة الفرد العراقي سيناريوهات هذه الازمات، وكلٌ من هؤلاء الافراد يتعاملون معها وينظرونها وفق تصوراتهم الخاصة وتفسيراتهم وتأويلاتهم النابعة من الثقافة المُعاشة، ووفق هذه الامراض التي انهكت هذا المجتمع، فما عاد بإمكان افراده ان يعيشوا في زمن التصنيفات، من باب تحديد الماضي والحاضر والمستقبل، اذ اختلطت كل هذه الامور عليهم، فاذا اتكأ الفرد على الماضي فهو يقارن بين بعض ايام النقاء والخير سابقاً مع ضياعها في الوقت الحاضر، وحاضره هو الواقع المؤلم الذي يعيشه ويحاول الفكاك منه بأيةِ طريقة، اما المستقبل فهو مُشوَّه وغامض وضبابي بلا معنى له مع كل هذه المحن.

استوقفتني في احدى الندوات العلمية عبارات لاحد الباحثين الذي يصف المجتمع العراقي بأنه مُتمارض وليس مريضاً، في ردٍ على تعقيب كنت قد تحدثت به وذكرت ان هذا المجتمع بكل ما مر بهِ احاله الى مريضٍ لا يقوى على الوقوفِ والوثوب بقوةٍ، فكان الرد انه يعاني تمارضاً، وليس مرضاً، ولا اعرف كيف يتمارض بقصديةٍ لإحالة واقعهِ الى هذه المآسي، بل انه أُصيب بشتى انواع الامراض التي صدَّعت اركانه وجعلته خائر القوى، وخصوصاً في توالي الضربات الموجعة عليه من تدهورٍ سياسي وتخلَّف ثقافي وفساد مُستشري، فكيف ينهض وواقع حاله يقول كل ذلك؟

ان حاضر مجتمعنا بكل ما فيه من مخاضات ربما بات افضل من غدهِ المجهول الذي لا يعرف افراده ماذا يُخبَّئ لهم، فمع كل هذه الشدائد التي يمر بها يقول الفرد العراقي ربما تكون افضل من القادم، وذلك يُفسر ضياع الحيلة وغياب الامل في النهوض وكثرة اوجاع هذا المجتمع، الى الحد الذي جعلت منه مُعطَّل التفكير في حلولٍ جدية قد تنقذه مما هو عليه الآن.

وبهذا الحال، لا يمكن لنا ان نذكر ان مجتمعنا بيئة صالحة للعيش والتفكير والتخطيط وتحقيق الانجاز للحاضر والمستقبل مع كل هذه الهفوات، وانما بيئة طاردة نوعاً ما جعلت من الفرد مُشوَّش الفكر والعقل في كيفية مواجهة الحياة وتسليمه لكل ما يجري على انه القدر الذي سيق اليه، ليجعله يمر بكل هذه الهزَّات التي اقضَّت مضاجع حياته واحالتها الى خرابٍ، وجعلت منه مجرد كيان تدور حوله الكوارث من كل حدبٍ وصوب، الامر الذي قوَّض دور هذا الفرد في محاولة التفكير ببناءِ حياتهِ بالشكلِ المطلوب وبالتالي بناء مجتمعه الذي يعيش فيه.

يقيناً اصبح مجتمعنا على حافةِ الهاوية مع كل ما مر بهِ، ولا يمكن القول غير ذلك، ونخشى من الانزلاقِ بعمقٍ في هذه الهاوية التي ستحرق الاخضر واليابس وستُجرَّد الفرد العراقي من كل مقومات ما تبقى له في هذا المجتمع، الا في حالةِ النهوض والتعافي من كل هذه الامراض والتي تحتاج الى عملٍ مضني يُسهم فيه كل افراد هذا المجتمع للتخلص من الازمات وتجذَّرها والمعوقات التي كبَّلت هذا المجتمع وانهاء الدوغمائية في الافكار، التي جرَّته لما هو عليه الان من انقسامٍ وتفككات، حينها ممكن ان نُحقق درجات تعافي قد تتطور مستقبلاً اذا استمر العمل على نفس المنهج، وممكن مع ذلك ان يسترجع الفرد قابلياته على التخطيط للمستقبل والتفكير به وانقاذ المجتمع واخراجهِ من هذهِ الهاوية والابتعاد عنها كثيراً، وتجفيف منابع صناعة الازمات التي عصفت به واحالته الى صورِ اليوم.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق