تختلف مؤشرات الهجرة البشرية من فترة زمنية لأخرى بحسب الظروف والأزمات التي تمر بها المجتمعات ووفقا لمقاصد وغايات البشر، إذ قد يهاجر الإنسان من بلده لآخر لعدة أسباب، منها ما يكون جبري وهو الذي بصدد الإشارة له وفقا للظروف والمراحل الصعبة التي يمر بها، وقد يكون لأغراض منها طلب الرزق أو تحصيل واستكمال المعرفة أو للتطبيب وتغيير الأحوال وأسباب متفرقة، وعلى هذه الشاكلة استمر الإنسان بالتنقل بين المجتمعات، إلا أن الهجرة وترك البلاد بصورة مرعبة بسبب ما يمر به من ظروف استثنائية، بمرور الوقت قد يشكل علامة استفهام لما سيؤول إليه حال هذا البلد بفقدان مرتكزات بناءه إلا وهي الإنسان بحد ذاته.

يمر المجتمع العربي اليوم بفترة عصيبة جدا على مقدراته وبناه وحاضره ومستقبله تمثلت بنزوح الكثير من أبناءه خارجه وتركه وفقا لما مر به خلال السنوات المنصرمة من ثورات أنتجت عدة حروب ومشكلات سياسية وعسكرية جديدة في المنطقة وما الت إليه الأمور من تغيير ملامح صور عدد من البلدان بشكل إثر على أسسها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فأصبحت هناك رغبة بل جدية واضطرار للهجرة بحثا عن ملاذات آمنة ممكن أن توفر أبسط مقومات العيش لأفراد هذه البلدان التي دخلت دائرة التغيير وحمى الحرب التي استنزفت كل مقدراتها.

على الطرف الآخر خارج المجتمع العربي كانت الوجهة بتزايد لكثير من أفراد هذا المجتمع للمجتمعات الأوروبية والغربية وحلم العيش في فردوس الحياة، لما يتوافر هناك من بيئة أفضل مما هم عليه في بلدانهم، الأمر الذي جعل شعوب المنطقة تمثل شعوبا طاردة وفقا لما يحدث بها ومؤشرات العيش فيها واستحقاق الحياة البشرية، فلم يشمل الأمر هاجس الهجرة لأبناء البلدان التي دخلت حمى الاضطراب فحسب، وإنما العدوى انتقلت لتشمل أبناء المجتمعات الأخرى التي تميزت باستقرارها نوعا ما، على أن لا ننسى أن الهجرة نحو أوروبا والغرب هي ليست وليدة اللحظة وهاجر الكثير من ابناء المجتمع العربي وقد فعلوا ذلك وما زالوا، إلا أن تكون المسألة بهذا الحجم وبهذه الصورة فذلك يتطلب الوقوف على المالات التي ستؤول إليها بلدانهم بعد كل هذا الاقتلاع من الجذور.

ان الشعور بالاغتراب في بلد تحيا به يدفعك للبحث عن توافق في بلدان أخرى ربما قد تلبي طموحاتك العديدة، أن ما يمكن أن يؤشر من بعد كل هذه الفورة المحمومة للهجرة وترك البلاد العربية على الأكثر، هو القلق بشكل جدي على مستقبل البلدان التي تركها أبناؤها، فمن المعروف أن الأمم تبنى بسواعد أبناؤها بعقولهم وطاقاتهم لتصبح موازية لبلدان التطور والتنمية والتقدم، لكن عندما تطرد هذه البلدان كل طاقاتها، فمن الذي سيؤسس لقادة تقود المجتمع، ومن الذي يبني ويعمل ويخطط ويواجه المشكلات، وبخاصة ان الكثير من القوة المهاجرة هي من الكفاءات والطاقات الشبابية القادرة على العمل والإنتاج، وبالمقابل ستشكل هذه الموجة تعزيزا لطاقات الكثير من البلدان المهاجر لها، وخصوصا العقول التي ممكن أن تنفع البلاد التي تقطن بها.

إننا كمجتمع عربي أمام انسلاخ بشري كارثي وانسحاب ملموس قد ترجمته هذه الهجرات وكذلك الطموح بالهجرة في اية وقت وترك البلاد. إننا نعيش استنزافا كبيرا للطاقة البشرية التي قد تم إقصاؤها عمدا وجبرا بسبب حروب ومخاضات المنطقة وما حصدته من أرواح وطموح العيش في بيئة مناسبة وخسارة البلدان لكل أفرادها. فما هو مصير بلداننا وقد دق جرس إنذار الخراب بفقدانها لأسباب تقدمها وتطورها؟

نعم خرابها وذلك ليس بمبالغة، فاستهداف الطاقة مستمر باستمرار تردي الظروف وانحدارها وبالذات ما فعلته الخارطة السياسية في المنطقة العربية من إعادة قولبة للحياة من جديد، حياة قد لا ترقى للعيش الإنساني بأبسط معانيه وتعزز بذلك النظرة الدونية التي ينظرها الكثير من العرب لأنفسهم قبالة المجتمعات الأخرى، فهل فعلا أصبحنا شعوبا طاردة لأفرادها وبيئات غير ملاءمة للعيش البشري، ولما كان الأمر بهذه الصورة هل ستتآكل هذه المجتمعات في طريقها للزوال، بفقدانها لأسس قوتها وتقدمها وما يمكن أن تقوم به لإثبات الذات والبقاء للتنافس المحموم في عجلة الحياة البشرية ؟

بعد تغير مخيلات الكثير من أفراد المجتمع العربي بهذا الاتجاه وتشبعها بلا جدوى هذا الجزء من العالم للعيش به، فذلك بحد ذاته انتكاسة كبيرة لمجتمعاتنا، وحتى لا تكون الامور بهذه السوداوية الفظيعة، فيمكن القول إن تغيير الخارطة السياسية تغييرا يخدم معه الفرد العربي مما يؤثر على باقي قطاعات المجتمع من توفير بيئة مناسبة للعيش، ممكن أن يثبت جذور أبناء هذا المجتمع ويصبح مجتمعا غير طاردا لأبنائه وإنما يعمل على بناء ذاته وذواتهم بالعمل معا، لذا فالأمر كفيل بالأنظمة العربية وما يمكن أن تحققه من سبيل لحياة أفضل للفرد العربي لتثبيت أسسه دون الانسلاخ عن المجتمع، والا سيفوت الأوان ونخسر كل ما تم بناءه من تأسيس وحضارات شغلت العالم ردحا من الزمن. قد يكون ذلك إشارات إنذار تلوح بالإفق لما سيؤول إليه مصيرنا أن بقي الأمر على ماهو عليه.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق