أينما ذهبت وحللت تجد رغبة جامحة لدى الكثير بالإسهام في صنع واقع ينسجم ومصالحه ومزاجه بل وتوجهاته الفكرية، حتى سائق التاكسي –وهذا يحصل في العراق فقط ربما-عندما يساوم الراكب على أجرة باهظة فيرد على الاعتراض بأنها "كَرْوَتها"، أي إن هذه هي أجرتها السائدة في كل مكان! وشخصٌ آخر، وهو مقدم برنامج ساخر ذو شهرة واسعة يتحدث في حوار تلفزيوني، فيسأله المحاور: يشكونك من استخدامك ألفاظاً نابية في حلقات برنامجك، ويجيب على الفور: "إنها لغة الشارع"!

هذه النزعة النفسية بالاستئثار تنمو في أجواء الفوضى السياسية والاجتماعية وعند تراجع هيبة الدولة وقوانينها، وانحسار القيم والاعراف الاجتماعية، وهذا ما حصل تحديداً في العراق منذ 2003، ويحصل في أي بلد بهذه المواصفات، ولا يقتصر الامر على موقف فردي من هذا او ذاك، بل يتعداه الى منهج عمل في مؤسسات اعلامية وثقافية، بل وفي سياسات حكومية في بلدان بعيدة عن المشاركة السياسية الحقيقية (الديمقراطية)، ففي بلد اسلامي سُئل الرئيس عن سبب عدم الضغط على مصانع انتاج المواد الغذائية بالكف عن جلد الناس بأسعارهم اللاهبة فقال: "مضطرون للسكوت عنهم حتى لا يهربوا برساميلهم الى الخارج"!

أمير المؤمنين مثال الواقعية الصائبة

"أن أكون لكم وزيراً خيرٌ لكم من أن أكون أميرا" تجسد أروع وأرقى فهم للواقع الاجتماعي وتغليب الحالة الانسانية المتجذرة عل حق مشروع بالخلافة والحكم، ولو استنطقنا التاريخ لوجدناه يتحدث عن ثناء المجتمع والدولة على حد سواء –في تلك الحقبة- على شخصية أمير المؤمنين، وعن أخلاقه، وغزارة علمه، وسعة أفق تفكيره بما لا يُحد، فكان حلال مشاكل الناس طيلة خمسة وعشرين عاماً، هذا المجتمع الذي لما يتخلّص من رواسبه الجاهلية، وجده الامام علي، عليه السلام، غير مهيأ بالمرة لواقع جديد يفترض ان يجسد كل قيم وتعاليم السماء، وهي التجربة التي طالما سقطت فيها أعظم الأمم المتحضرة في التاريخ القديم مثل؛ قوم عاد، وقوم فرعون ممن فتقوا العلوم وشيدوا وبنوا، "فالقيم وحدها لا تؤدي ثمارها، فلابد من ملاحظة الواقع ايضاً، فلايمكن تحقق القيم بدون الواقع في الفراغ"، (فقه المستقبل- الامام الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه-).

لذا كان اهتمام الامام علي، عليه السلام، بما يصحح مسار الواقع ويصوغه بالشكل الصحيح بعيداً عن المصالح الشخصية، من خلال منظومة القيم والقاعد الفكرية الرصينة التي ينبع منها الوعي والثقافة بلونها الايجابي، وليس كما كانت مساعي من سبقه بتكريس واقع الثقافة الجاهلية الى درجة نسيان ما أنجزه رسول الله، وضحى من أجله، وقدم لهم وللبشرية من معاجز حضارية بفترة وجيزة وخارقة، من إلغاء الطبقية، وإخماد نار الحروب الداخلية، ونشر راية العدل والحرية وإتمام منظومة الاخلاق والآداب كاملة، وبكلمة جعل أهل مكة والمدينة أسياد الجزيرة العربية، ثم اسياد العالم، فكان من غير المستبعد –والحال هكذا- أن يضيق على مجتمع النسيان ونكراه الجميل النبوي أن يضيق عليه وعلى أشياخه العدل، ورغم تحذير الامام من أن "من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق"، لكن لا فائدة ولا استشعار للخطر المحدق من واقع جائر بأبشع ما يكون ينتظرهم من بعده.

ان سبب عدم تفاعل المجتمع الاسلامي مع الواقع الاسلامي الحقيقي الذي صنعه النبي الأكرم، ومن بعده أمير المؤمنين، يعود بالدرجة الاولى الى ضعف ايمانهم بمنظومة القيم التي جاءا بها للأمة، بالمقابل قناعتهم وتفاعلهم السريع مع المصالح الخاصة والرغبات النفسية مثل؛ حب المال، والجاه، فكان واقع الارهاب والعنف والقسوة لابن زياد هو الذي يفرض نفسه في الكوفة.

أما اليوم فان الجميع يمتدح أمير المؤمنين، ويستذكر بغير قليل من الفخر، بطولاته وعدله، ومبادئه الانسانية، كما يشارك الجميع في مراسيم إحياء مصاب الامام الحسين، وذكر عاشوراء، ويتحدث عن الوفاء، والإباء، ورفض الظلم، والإصلاح، وكثير من المفردات العاشورائية، ولكن! أن يكون الواقع الاجتماعي والسياسي مطابقاً لسيرة هذين العظيمين فهذا ما لا يطيقه الكثير، متذرعاً بوجود واقع آخر من سماته التحلل، وحب الأنا، واستفحال الصفات والحالات السلبية مثل حب الفوضى، وتفضيل لغة العنف والقسوة، وهم في ذلك يلغون أهم دعامة لتصويب الواقع وتقويمه ورسم خارطة طريق لواقع أفضل؛ وهو منظومة القيم التي تضع الإطار العام للسلوك والثقافة العامة فيكون بامكان المجتمع معالجة ظواهر طارئة مثل الفساد، والفقر، والفوضى.

الواقع المفروض والآمال المزيفة

لقد جربت شعوبنا طيلة قرن من الزمن سياسة الامر الواقع المختلق مقابل سلسلة من الآمال المعسولة، والشعارات البراقة الكبيرة، وأن تتحول الى مصاف الشعوب المتقدمة والمرفهة، بشرط غض الطرف عن كل ما له صلة بالحكم من سياسات ومناهج، و كون هذه الشعوب مسكونة طيلة القرون الماضية بهاجس الموت والحرب والقتال في حقبة الدولة العثمانية، فان طابع الزعامة كان عسكرياً، فقد صدّرت الاكاديميات العسكرية في بريطانيا العشرات من الضباط الذين تحولوا الى رؤساء في العراق واليمن ومصر وباكستان وغيرها، حتى الملوك في بلادنا كانوا يبتاهون احياناً بالزي العسكري المشحون بالنياشين والعلامات الغريبة، رغم أنهم مدنيون وليسوا عسكريين.

منظر القائد والزعيم بظاهره العسكري يرسم صورة البطل العظيم في الاذهان، والقادر على صنع المستحيلات لشعبه، كما أجاد صدام حسين في العراق طيلة ثلاثين سنة، وبعد إخراج القوات العراقية من الكويت في حرب طاحنة عرف الناس أنهم كانوا يعيشون الواقع الخاطئ والمرير وليس المثالي، وأنه لا يقدم لهم لمستقبلهم سوى السراب المليء بالدماء والدموع والآهات، و مرد الخطأ في عدم تحقق الناس من القيم والمبادئ في واقعهم الذي عاشوه طيلة تلك الفترة، فقد أتقن صدام صنعاً في قيادته للعراق بأن ملأ هذا الفراغ بافكار وايديولوجيا وهمية تتحدث عن الخيال بأن يكون العرب أمة واحدة، بدلاً من كيان الأمة الاسلامية الكبير.

وبعد الديكتاتورية، نلاحظ اليوم محاولات إعادة هذه التجربة بثوب "ديمقراطي" جديد هذه المرة، ومن هذه التجربة يتوقع البعض تحقق آمال وطموحات الشعب بعد تحمل عناء ومرارة الديكتاتورية، والحديث مرة اخرى عن المستقبل الموعود والآمال الكبيرة من خلال واقع جديد "مستورد" لا شأن لهم بما يحمله من ظواهر وأحكام وسلوكيات، في حين ان تجارب التاريخ تؤكد أن "الواقع السليم لا يمكن ان يتحقق بدون قيم، فهي التي تسمو بالإنسان فوق الواقع وتجعله منطلقاً واعياً مدركاً لمهام مستقبله، فالقيم تخرج الانسان من شخصانية نظرته ومن أفقه المحدود"، وكلام سماحة الامام الراحل يرد على القائلين بان القيم والمبادئ وضرورة الالتزام بها ليس من شأنها صنع الواقع وضمان المستقبل، إنما يتطلب الأمر إطلاق الحريات والرغبات لاسيما في شريحة الشباب، وعندما يصطدم الشباب بالفشل ويجدون انهم كانوا يجرون خلف سراب الشعارات، يجدون انفسهم وسط أزمة جديدة عنوانها؛ اليأس والاحباط والهزيمة النفسية.

وتبدأ دورة جديدة من توجه الجميع لخلق واقعيات منفصلة عن بعضها، كلٌ يريد نمطاً وشكلاً خاصاً به ليعيش بعيداً عن فشل الآخرين وفسادهم ليضمن مصلحته الخاصة، ولكن! هذه الدورة هي بالحقيقة دوامة التشاؤم واليأس والفراغ الفكري.

انقر لاضافة تعليق