نتنياهو كان محقّاً في اتّهاماته لإدارة أوباما بأنّها كانت وراء إعداد وتسهيل صدور القرار 2334 عن مجلس الأمن الدولي، والذي طالب إسرائيل "بوقف فوري وكامل لجميع أنشطة الإستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، بما فيها القدس الشرقية"، واعتبر أنّ بناء إسرائيل للمستوطنات "لا يستند إلى أي أساس قانوني، وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي، وعقبة كبرى أمام تحقيق حلّ الدولتين، وأمام سلام عادل ودائم وشامل".

فما الذي كان نتنياهو يتوقّعه من الرئيس أوباما غير ذلك، بعد 8 سنوات من أسلوب الذلّ والمماطلة الذي مارسه نتنياهو مع إدارة أوباما بشأن الملفّ الفلسطيني ومشكلة المستوطنات؟!.

لكن هل يعني الخلاف بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو خلافاً بين أميركا ودولة إسرائيل؟ الجواب كلا طبعاً. فحجم المساعدات الأميركية لإسرائيل ازداد في السنوات الماضية، وجرى مؤخّراً إقرار مساعدات مالية لإسرائيل للعشر سنوات القادمة بقيمة 38 مليار دولار، ولم تقم إدارة أوباما بأي تجميد لما تمنحه الولايات المتحدة سنوياً لإسرائيل من مالٍ وسلاح ومساعداتٍ مختلفة، بل لم تهدّد واشنطن تل أبيب بأي عقوبات رغم أنّ إدارات أميركية سابقة فعلت ذلك، كما حصل في مطلع عقد التسعينات خلال إدارة جورج بوش الأب.

لقد كان مفهوماً في حقبة "الحرب الباردة" الانسجام الكامل بين المصالح الأميركية والإسرائيلية. فإسرائيل كانت بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية صمّاماً للأمان الأميركي في منطقة مجاورة للاتحاد السوفييتي السابق ولأوروبا، وفيها أهم مصادر الطاقة العالمية. وكانت إسرائيل تجسّد، في تلك الحقبة من الصراع بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، دور "المخفر العسكري الأمامي" الذي يحمي المصالح الأميركية، ويقوم بالنيابة عن واشنطن بما يستلزم من أعمال عسكرية قذرة تهدف إلى ضبط المنطقة في إطار المصالح الأميركية، وإلى منع تسرّب النفوذ السوفييتي إليها.

إلا أنّ انهيار المعسكر الشيوعي بنهاية عقد الثمانينات أوجد مبرّراتٍ عديدة لإعادة النّظر بالمفهوم الأميركي للدور الإسرائيلي. وقد عبّر عن ذلك بشكلٍ واضح وزير الخارجية الأميركي الأسبق (الجمهوري) جيمس بيكر في عهد الرئيس بوش الأب، في أكثر من لحظة خلاف مع الحكومة الإسرائيلية، كان أهمّها الخلاف على موضوع المستوطنات مع حكومة شامير وتجميد واشنطن في العام 1991 لضمانات القروض المالية.

والاختلاف الحالي الحاصل بين واشنطن وتل أبيب، عمره 8 سنوات، منذ مجيء إدارة أوباما وتزامنها مع وجود نتنياهو في الحكم، وحيث لم يكن الخلاف حول الموقف من الملفّ الفلسطيني فقط، بل كان خلافاً في الرؤى حول السياسة المتعلّقة بالشرق الأوسط عموماً، وتحديداً حول كيفية التعامل مع إيران، حيث سعى نتنياهو إلى توريط الولايات المتحدة في نزاع مسلّح مع إيران وحلفائها بالمنطقة، بينما سارت إدارة أوباما في نهجٍ مختلف راهن على المفاوضات والتسوية الدولية الشاملة لقضية الملفّ النووي الإيراني.

فلقد عملت إسرائيل منذ سنوات، خاصّةً منذ وصول نتنياهو للحكم في مطلع العام 2009، على جعل أولويّة الصراعات في المنطقة مع إيران وحلفائها بالمنطقة، وعلى إقامة محور عربي/إقليمي/دولي تكون إسرائيل فيه هي الرائدة لإشعال حرب عسكرية ضدّ إيران ومن معها في سوريا ولبنان وفلسطين، بحيث تتحقّق عدّة أهداف إسرائيلية مهمّة جداً لكل الإستراتيجية والمصالح الصهيونية في المنطقة والعالم. فالمراهنة الإسرائيلية، المستمرّة الآن، هي على تهميش الملفّ الفلسطيني وعلى كسب الوقت لمزيدٍ من الإستيطان في القدس والضفة الغربية، وعلى تفجير صراعات عربية داخلية بأسماء وحجج مختلفة، وعلى حروب طائفية ومذهبية وقبلية تؤدّي إلى تفتيت الكيانات العربية الراهنة، وعلى إنهاك وإنهاء حركات المقاومة ضدّها في فلسطين ولبنان، وعلى تدمير الجيوش العربية الكبرى في المنطقة، وعلى إقامة تطبيع سياسي وأمني مع كلّ الأطراف العربية (الحاكمة أو المعارضة) التي قد تحتاج في حروبها للدعم الإسرائيلي.

حكومة نتنياهو تطمح بأن يكون لإسرائيل مستقبلاً الدور السياسي والأمني الفاعل في عموم المنطقة ومعظم دول العالم الإسلامي، ممّا سيجعل من إسرائيل قوةً إقليمية ودولية كبرى في عصرٍ بدأ يتّسم بالتعدّدية القطبية، وبحيث تكون إسرائيل قادرةً على فرض "شرق أوسطي جديد" يسمح لها، بعدما تضع الحروب الإقليمية والأهلية أوزارها، بتحقيق الهيمنة الأمنية والسياسية والاقتصادية على كلّ المنطقة.

إسرائيل لن تخضع الآن للمطالبة الدولية بإقامة دولة فلسطينية مستقلّة ذات سيادة على حدود العام 1967، عاصمتها القدس، ولا طبعاً لإزالة المستوطنات، أو القبول حتّى بوقف الاستيطان، ولا بحلٍّ عادل لقضية اللاجئين، وهذه هي القضايا التي يُفترض أن يتمّ التفاوض بشأنها بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

إذن، هو تباينٌ كبير حصل في كلّ السنوات الماضية بين إستراتيجية الحكومة الإسرائيلية وبين أجندة إدارة أوباما التي أخذت بعين الاعتبار المصالح الأميركية أولاً، رغم انّها امتنعت عن الضغط الفاعل على إسرائيل.

نعم، هناك حضورٌ كبير للضغط الإسرائيلي المؤثّر على الحياة السياسية في داخل الولايات المتحدة، من خلال العلاقة المالية والسياسية مع أعضاء الكونغرس، ونتيجة الهيمنة على معظم وسائل الإعلام الأميركية، وحيث نجد الإدارات (الحكومات) في أميركا أسيرة ضغوط السلطة التشريعية (الكونغرس بمجليسه) وعبر "السلطة الرابعة" أي الإعلام. فهذا العصر هو عصر "المال والإعلام"، ومن يملكهما يملك قدرة التأثير على صنع القرارات السياسية. هكذا فعل "اللوبي الإسرائيلي" في الغرب عموماً، وفي أميركا خصوصاً، من حيث تركيزه على المؤسّسات المالية والإعلامية في الغرب.

لكنّ الفرز في الحياة السياسية الأميركية، ليس بين "حزب ديمقراطي" و"حزب جمهوري" فقط، بل يتوزّع "التأثير الإسرائيلي" (كما هو أيضاً في قوى الضغط الأخرى) على الحزبين معاً، حيث وجدنا عدداً لا بأس به من "الديمقراطيين" يشاركون في ممارسة الضغط على إدارة اوباما لصالح هذا "اللوبي" أو ذاك، علماً أنّ تعثّر "البرنامج الأوبامي" في الملفّ الفلسطيني ليس سببه حصراً حجم تأثير "اللوبي الإسرائيلي"، فهناك طبعاً قوى النفوذ المهيمنة تاريخياً على صناعة القرار وعلى الحياة السياسية الأميركية، وهي قوى فاعلة في المؤسّسات المالية والصناعية الأميركية الكبرى، إضافةً إلى وجود اختلال كبير في ميزان "الضغوطات" على الإدارة الأميركية بموضوع "الملفّ الفلسطيني" لجهة حضور "الضغط الإسرائيلي" وغياب "الضغط العربي" الفاعل، ممّا يسهّل الخيارات دائماً للحاكم الأميركي بأن يتجنّب الضغط على إسرائيل ويختار الضغط على الجانب العربي، والطرف الفلسطيني تحديداً، وهو الطرف المستهدَف أولاً من قِبَل إسرائيل، كما أنّه دائماً "الحلقة الأضعف"!.

ورغم ذلك، فشلت "الإيباك" خلال السنوات القليلة الماضية بتغيير اتجاهات "البيت الأبيض" في مسألتيْ سوريا وإيران، إذ أنّ "الإيباك"، ومن ورائها حكومة نتنياهو، ضغطت على إدارة أوباما من أجل القيام بضربات عسكرية ضدّ سوريا ولوقف التفاوض مع إيران بشأن ملفّها النووي، وفشلت "الإيباك" في المسألتين، إضافةً أيضاً للخلاف مع حكومة نتنياهو حول قضية المستوطنات ومشروع "الدولة الفلسطينية".

إسرائيل هي اليوم عبء مالي وسياسي كبير على أميركا وعلى مصالحها في العالمين الإسلامي والعربي، فلم تعد إسرائيل وشواطئها فقط هي المتاح الأساس للتسهيلات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط (كما كانت في حقبةٍ طويلة في الحرب الباردة)، ولم تعد إسرائيل مصدر أمنٍ وحماية للمصالح الأميركية، بل إنَّ تلك العلاقة الخاصَّة معها أضحت هي السبب في تهديد مصالح واشنطن في بقعةٍ جغرافيةٍ تمتدّ من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي، ويعيش عليها مئات الملايين من العرب وغير العرب، وترتبط ثروات هؤلاء أصلاً بل وسائر خيراتهم الاقتصادية ارتباطاً شديداً الآن بالشركات والمصالح الأميركية.

ردّات الفعل الإسرائيلية الهستيرية هي الآن على قرار من "مجلس الأمن" طالب فقط بوقف الإستيطان وليس بإزالة المستوطنات فوراً، ولم ينذر القرار إسرائيل بضرورة إنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية، ولا هدّد القرار بالفصل السابع، وهي أمور كلّها واجبة على "مجلس الأمن" بعد نصف قرن من الاحتلال الإسرائيلي وتداعياته الخطيرة في عموم المنطقة.

* مدير مركز الحوار العربي في واشنطن
[email protected]

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق