q
ثمة علاقة وطيدة بين الانتخابات والشباب، لكن في هذه العلاقة مفارقة غريبة، فالانتخابات من شأنها الأخذ والتوظيف والتجيير لصعود هذا المرشح، وفوز تلك الكتلة السياسية وحصولها على موطئ قدم مؤثر في البرلمان والدولة، بينما الشباب هو الآخر بحاجة الى الأخذ، ولكن ليس لتحقيق مصالح سياسية...

ثمة علاقة وطيدة بين الانتخابات والشباب، لكن في هذه العلاقة مفارقة غريبة، فالانتخابات من شأنها الأخذ والتوظيف والتجيير لصعود هذا المرشح، وفوز تلك الكتلة السياسية وحصولها على موطئ قدم مؤثر في البرلمان والدولة، بينما الشباب هو الآخر بحاجة الى الأخذ، ولكن ليس لتحقيق مصالح سياسية بقدر ما هي عملية تنمية وتطوير للشخصية من النواحي العلمية والثقافية.

نحن نقرأ في الاحصائيات أرقام عالية لنسبة الشباب في العراق، بما يمثل ثروة عظيمة لأي بلد يتطلع الى النهوض والتقدم، ففي هذه الشريحة تجتمع القوة الذهنية والقوة العضلية مع قدر كبير من الحماس والتفاعل مع كل جديد، فاذا نجد للشباب دوراً في تقدم اقتصادي لبلد ما، فالفضل يعود الى طريقة ضبط هذه الخصيصة الفريدة لديهم، و استثمارها بالاتجاه الصحيح.

الشباب.. مفردة لا يفهمها السياسيون

الشباب مشروع تنمية وتربية طويل الأمد يتضمن برامج وخطط مفصلة تعني بجوانب نفسية وأخرى اجتماعية، وحتى روحية (معنوية)، فاذا آمنّا بالعلاقة بين الشباب ومستقبل الأمة، فهذا يعني قبولنا باستحقاق كبير يتعلق بمناهج التعليم والتربية، الى جانب برامج التثقيف والتوعية، وايضاً تنمية المهارات والابداعات. كل هذا يستغرق زمناً ليس بالقصير، مع حاجة مؤكدة للصبر والتأنّي لتحقيق المطلوب.

والجماعات المُنتَظَمَة تعي جيداً هذه التفاصيل في مسيرة الكفاح لتحقيق اهدافها، فهي تولي اهتماماً خاصاً لأمر التربية والتعليم للناشئة من اتباعها، وتنظر اليهم على أنهم قادة المستقبل، فتخصص لهم ميزانيات وامكانيات، من مكتبات، وأرشفة، ودورات تنمية، وندوات خاصة مفتوحة على موضوعات شتّى تتيح للشباب طرح ما يدور في خواطرهم من أسئلة و استفهامات حول قضايا مختلفة وحتى خلافية لإعدادهم ذهنياً ونفسياً لمواجهة التحديات المستقبلية.

لا ضير من توظيف طاقات الشباب لمشاريع سياسية، فالعمل السياسي ضمن حراك جماهيري، او عمل منظم والمشاركة في الحكم، من الامور الايجابية المحببة، بل هي مؤشر صحّة في العلاقة بين المجتمع والدولة، إنما المهم في هذا المضمار الاهتمام الجاد الى ما يجب تسديده من فواتير هذا المشروع التربوي والتنموي، فليس من المعقول الابتعاد عن الساحة الاجتماعية، وتحديداً شريحة الشباب المنهمك في الدراسة حيناً، مع التطلع الى فرص العمل والتوظيف الحكومي، أو في ميدان العمل الحر لتحصيل لقمة العيش لعوائلهم، ثم تقفز جماعة سياسية فوق كل هذه الهموم والازمات لاقتطاف قدرات الشباب وزجّها في الحملات الانتخابية، مع حزمة من الوعود المعسولة والمعروفة النتائج.

العاقبة السيئة للخداع

كما نعرف الطاقات والقدرات الكامنة في نفوس الشباب، علينا الالتفات ايضاً الى مشاعرهم المرهفة وحساسيتهم المفرطة إزاء ذواتهم وشخصيتهم، فهم يتفاعلون ويتحمسون لكل جديد، و ذوي بأس شديد إزاء قضايا يؤمنوا بها، بيد أنهم لن يسمحوا بأن تمر هذه على حساب كرامتهم، ولن يتساهلوا مع من يستخفّ بعقولهم ويتلاعب بمشاعرهم، حتى وإن كان مقابل حفنة من الدنانير.

ولا أجدني بحاجة لسرد تجارب من العراق وخارجه لأعمال تغرير للشباب في مراحل مختلفة من الزمن، بين واعدٍ لمشروع سياسي، ثم تحول الى مشروع اقتصادي فئوي مشوب بالفساد، وبين واعدٍ بمشروع ثوري –تغييري لمحاربة هذا الفساد ثم تحوله الى مشروع سياسي طامح للوصول الى مجلس النواب او مجلس الوزراء.

إن النتائج السيئة لهذا المنهج الاستغلالي ليس بالضرورة أن تظهر خلال فترة قصيرة تواكب مرحلة الشباب، بل ربما يتحول الشباب الى رجال في سن الاربعين وما فوق، لتتكون لديهم نظرة سوداوية لأي تجمع سياسي مهما كانت شعاراته وأهدافه، ومهما كان إخلاص وصدق وأمانة كوادره، ولسان حالهم؛ الجماعة لا يفكرون بمصير أحد سوى مستقبلهم السياسي ومقدار ما يجنوه من أموال وعقارات وامتيازات في قادم الايام.

ومن ثمّ؛ فان السياسي، في إطاره الشخصي، او الجماعة السياسية ستكتب بنفسها تقرير الفشل للعملية السياسية برمتها عندما تفتقد للقاعدة الشبابية التي تمثل القلب النابض لجماهير الشعب بسبب طريقتها الملتوية وخطابها غير الصادق مع الشباب بشكل خاص و افراد المجتمع بشكل عام.

اضف تعليق