العديد من القضايا السياسية العراقية باتت مألوفة للغاية حيث لا تزال الجوانب السلبية من الحياة تعيد نفسها في حلقة مستمرة على ما يبدو من سياسة المحصلة الصفرية.

الحديث أعلاه للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جنين هينيس-بلاسخارت، ومن الصعب مخالفتها فيما تقول، لما لمسناه من سطوة عقلية الصراع التي لا تنتبه إلى شيء سوى إلحاق الضرر بالخصوم، وتوليد أعداء جدد في مسار لا نهائي من الأزمات.

ولا نستغرب عندما تقول بلاسخارت في إحاطتها لمجلس الأمن الدولي إن العراقيين مازالوا بانتظار طبقة سياسية منشغلة بمعارك السلطة، التي عفا عليها الزمن، بدلا من أن تشمر عن سواعدها لإحراز تقدم في تحقيق القائمة الطويلة من الأولويات المحلية المعلقة في العراق.

وعدم استغرابنا له أسبابه، فالعقل السياسي العراقي قائم على الصراع وهذا الكلام له عدة أبعاد أبرزها:

1- مركزية العدو: ينشأ العقل السياسي العراقي في ظل الصراعات وحالة الاستقطاب الدائمة، ويؤسس قاعدته الجماهيرية على أساس واحد، وهو وجود "العدو"، ومن دون هذا العدو تنهار المشاريع السياسية وتتحول إلى مؤسسات مجتمع مدني تصدر بيانات التنديد والاستنكار.

2- التركيز على الشكل الظاهري لدولة المؤسسات، مقابل تطبيق كل ما يتعارض مع الدولة المؤسساتية الحديثة، دستورنا مؤسساتي جميل، والقوانين لا بأس بها، لكنها مركونة على الرف.

الدستور الفعلي ليس النص المكتوب، إنما قرارات زعماء السياسة، ولهم تبريراتهم الدائمة البعيدة عن الواقع حيث يستطيع الجميع نقدها، لكن بدون تغييرها.

3- السلطة هي الهدف الأعلى وتمثل غنيمة يجب تحصيلها بأي وسيلة كانت، مع وضع مجموعة من الشكليات المؤسساتية مثل الانتخابات المزيفة، وادعاء تقبل الحوار.

4- غياب فكرة تقديم الخدمة للمواطنين، واعتبارها حاجة ثانوية لا يلجأ لها السياسي إلا في إطار المغالبة ضد خصومه، وهذا هو السبب الذي يجعلهم يتقاطرون على المواطنين خلال فترة الانتخابات، ويتركونه بعد انتهائها مباشرة.

5- التنافس على حجر موقع أفضل السيئيين، لا على موقع تقديم أفضل خدمة، فتجدهم يتنابزون أن الإرهابي الذي تحالفنا معه أقل إرهابية من حليفكم الإرهابي، أو أن عمالتنا للخارج أقل ضرراً من عمالة خصومنا.

كل تلك الصفات المحفزة للصراع والتناحر تجعل التفكير في المشاريع التنموية ترفاً لا فائدة منه بالنسبة للقوى السياسية الفاعلة.

هل هناك عقلية للسلام مختلفة عن عقلية الصراع؟

نعم والفرق يتضح من خلال السلوك السياسي ومسارات البحث عن الحلول.

عقلية السلام تتجه إلى إحداث التنمية والبحث عن الحلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. والعقبة التي تقف في وجه عقلية السلام تتحول إلى مشروع للحل، بينما تستخدمها عقلية الصراع لتعلق عليها فشلها في تحقيق انجاز.

والفرق الجوهري بين عقلية السلام وعقلية الصراع، أن الأولى تعمل بالقواعد المتفق عليها، فتزرع الثقة في القواعد تلك.

أما عقلية الصراع فهي تكسر القواعد دائماً وتعتمد على منطق المغالبة وشريعة الغاب، فتولد أزمات جديدة وتوسع فجوة الثقة بين أطراف السلطة من جانب، وبين أطراف السلطة مجتمعين والشعب من جانب آخر.

وعندما تغيب المعايير القيمية في السياسة ترتفع أسهم المنافع الشخصية والفئوية، بينما يغيب التخطيط لصناعة السلام، فتتحول الأنشطة السياسية إلى جدل يومي لا نهائي، الغلبة فيه لمن يستطيع إحداث إصابات في طروحات خصمه، ولا يهم هنا طريقة تحقيق هذه الإصابات ما دامت تخدم الغاية الأساسية وهي إلحاق الأذى بالخصم.

تلك صفات العمل السياسي في العراق، عقلية الحرب طاغية على حساب عقلية الحلول وصناعة السلام، والفرق كبير بين أن تكون سياسياً محارباً، أو أن تكون سياسياً تهدف إلى صناعة بيئة صالحة للعيش تحقق مكاسب للجميع بدون خسارة أي طرف.

اضف تعليق


التعليقات

مرتضى
العراق
احسنت الطرح.. بالاضافة الى ما طرحته... عقلية الصراع عقلية مريضة، ضيقة الافق والتفكير، تعيش الحاضر ولاترى للمستقبل افق، عقلية عدمية لاتفهم ان لكل شيء عواقب، وان نتائجنا صناعئنا.. دمت مسالما...2022-05-23