ما كان يجدر بنا استرجاع هذه المقولة القديمة من الأدبيات السياسية ذات المدلول السلبي المتعلق بالعلاقة بين المجتمع والدولة يظهر فيه الطرف الأول مقهوراً مغلوباً على أمره، لا حول ولا قوة، إنما يسيّره أهل الحكم وفق هذه النظرية الداعية الى مبدأ الثواب والعقاب، أو التحفيز للانصياع يقابله التحذير من مغبة التمرّد، بيد أن الازمة المتفاقمة في العراق بخطيها المتوازيين؛ السياسة والاقتصاد بعنوانها الإعلامي؛ "الانسداد السياسي"، يدفعنا لأن نؤشر الى نقطة جوهرية ليست في الاقتصاد والسياسة بشيء بقدر ما هي تتعلق بكرامة الشعب الذي بات يشعر أن لقمة عيشه سقطت فجأة وبشكل غريب في مسرح المزايدات السياسية.

الفساد أو المجاعة أيهما تختارون؟!

كثر الحديث حول قانون الأمن الغذائي الذي اقترحته الحكومة المنتهية صلاحيتها لمجلس النواب مؤخراً، وقد تآزرا معاً على المضي قدماً لمناقشته والتصويت عليه، بالمقابل ناهض الخصوم (الكتلة السياسية في البرلمان) هذا القانون عادّين انه باباً للفساد وهدر الاموال، إنما المهم في خطاب التسويق يقابله خطاب التحذير، فالتسويق يخاطب الشرائح الفقيرة ومحدودة الدخل والمسكونة بالازمات، فمشروع القانون يداعب العيون المتطلعة الى البطاقة التموينية بتمويلها بشكل سخي، كما يحنو على على الفلاحين والمزارعين بدعمهم بالاموال والمعدات والاسمدة، ويتطلع الى استثمارات تنهض بالقطاع الصناعي وتوفير فرص عمل للعاطلين، كما له نظرة واعدة لسكان المدن المتضررة من الحرب على الارهاب، الى جانب نقاط ايجابية تبعث على الارتياح بغض النظر عن أرقام المليارات المهولة التي يستبطنها المشروع، وكيفية التصرف بها.

وبالمجمل؛ فان التصويت على هذا القانون من شأنه حل جزء –وليس بالضرورة كل- من أزمات العراق، أما عدمه فيعني تكريس حالة الفقر والحرمان وغيرها من المفردات المحبطة.

علماً أن رعاة القانون في مجلس الوزراء وفي مجلس النواب يقرون بحاجته للمراجعة والمناقشة في بعض فقراته، ربما لتشذيبه وإبعاد الشبهات عنه، بيد ان المنافسون في الطرف المقابل وقفوا بشدّة ضد القانون جملة وتفصيلا، واصفين إياه بانه باب للفساد وهدر الاموال، ومحاولة للاستحواذ على الكم الهائل من الايرادات الوفيرة من عائدات بيع النفط بالاسعار المنتعشة في الفترة الماضية، وهذا من شأنه ان يثير الشكوك الكامنة اساساً في نفوس الناس من الدولة برمتها، وعدم الثقة بنجاحها بتحقيق شيء مفيد، إن لم نقل بإلحاق الأذى والضرر بهم طيلة السنوات الماضية.

الطرفان المتخاصمان يشتركان معاً في انتاج الواقع السياسي والاقتصادي السيئ للعراق منذ عام 2003، إنما يختلفان في الأسلوب، فربما تكون للقانون تأثيره الايجابي على حياة الناس، ثم على الاقتصاد العراقي، بيد أن مجرد تعليقه بلقمة الناس، وأن مصيرهم مرتبط به، فهذا يعزز الاعتقاد بأن نجاحه لن يمر إلا بنفق الفساد، فيأخذ كلٌ حصته ثم يأتي دور المواطن، كما هي السياسة الدارجة طيلة السنوات الماضية، فالمزارع والطالب والعامل والشاب، عليهم جميعاً حمل الآمال الثقيلة على كواهلهم بفارغ الصبر والاستمرار الزراعة والدراسة والعمل والزواج حتى، من اجل ان يأتيهم الخير!

ستوتة تساوي الحكومة!

كيف هذا؟

قبل الاجابة والتوضيح؛ لنتذكر دائماً أن الساسة، بمختلف عناوينهم ومراتبهم، إنما يهدأ لهم بال عندما يستريحون الى حالة اعتماد الناس عليهم، وتحديداً "الراتب الشهري" لشريحة واسعة من الموظفين والمنتسبين الى القوات الامنية والعسكرية، وهم بأعداد هائلة، الى جانب المتقاعدين، وكلما تراجع هذا الاعتماد واهتزّت الوسادة، اهتزت بالتأكيد حالة الاستراحة محذرة بخطر السقوط، وهذا ما يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار عندما نتحدث عن البدائل الحقيقية للخروج من الازمات.

خلال تصفحي صفحات "فيسبوك" جذبني شاب يتحدث عن مشروع خيري رائع مع مجموعة من الشباب المبادرين لتوفير فرص عمل للعاطلين، وكان يتحدث عن نجاح تجربته الاولى بشكل باهر بأن يدفع كل مواطن عشرةآلاف دينار كحد أدنى في صندوق خاص، وقال: أن المبلغ المتوفر مكّنه من شراء عشرين دراجة ثلاثية العجلات "ستوتة" مصحوبة بخزان ماء بسعة ألف لتر، لتكون باب رزق حلال ببيع الماء الصالح للشرب، وظهر في المقطع أحد المستفيدين من الشباب بأن هذه المبادرة الخيّرة تجعله في غنى عن الحكومة و وعودها بالتعيين والتوظيف.

إن حالة التكافل والتخادم بين افراد المجتمع ليس بالضرورة منحصرة في العطاء المالي على شكل مساعدات تنظمه المؤسسات الخيرية، بل هي ثقافة متطورة مع الزمن تعزز الروابط بين المزارع المنتج وبين المواطن المستهلك، وبين العامل والمهني وبين المحتاج لهذه الخدمات المختلفة، والقضية ليست مستحيلة، ولا أجدها من المثاليات، بقدر ما يحتاج الأمر الى الإرادة والعزيمة، لأن الفائدة تعمّ الجميع.

وهذا هو أحد المفاتيح السحرية –ولا نزعم بأوحديته- ليس لحل المشاكل، وإنما لإعطاء رسالة بليغة الى جميع المتطلعين الى الحكم والرئاسة بأن افراد المجتمع قادرون على خلق بدائل لا تخطر على بال، يخترقون من خلالها الطرق المغلقة ويخلقون فرص عمل، وجعلها تأوب الى رشدها وتتحمل مسؤولياتها، وتعمل وفق تطلعات واحتياجات الشعب، ويكون مبدأ الثواب والعقاب متبادلاً بين الطرفين، فالمجتمع والدولة يواجهان في نفس الوقت محاذير العقاب على أي زلّة او خطأ؛ مقصود أو غير مقصود، وايضاً؛ لهما بنفس القدر من الحوافز على تقديم الأفضل والأحسن ليعمّ الخير الجميع.

اضف تعليق