مازال سؤال المواطنة المدنية العراقية يتنازع سياقات الأجوبة عراقيا، فتحديد الاطار الدستوري لمفهوم المواطنة وتطبيقاته في نظام برلماني اتحادي تبقى احد شواغل الكفاءات الاكاديمية والمثقفة، معضلة الانتقال من الأفكار التي نوقشت في مؤتمرات صلاح الدين ولندن لأحزاب المعارضة العراقية ما قبل 2003 لم تولد هذا المفهوم، وجاء الدستور العراقي أفكار عن نظام المكونات القومية والطائفية، وحولت الأحزاب التي تصدت للسلطة ما بعد تشكيل مجلس الحكم ومن ثم كتابة الدستور العراقي مضامين النظام الديمقراطي البرلماني الى نظام محاصصة، فشل بشكل واضح وصريح في الوصول الى تلك المعادلة التي تنتج ثقافة المواطنة في السلوك السياسي والمجتمعي العراقي.

لذلك يطرح السؤال: متى نمتلك ثقافة مواطنة عراقية؟ اذا راجعنا نتائج مؤتمرات الحوار الوطني التي نظمت برعاية الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا نلتمس أي تطبيقات حقيقية لسلوك ومنهج المواطنة لكل العراقيين في وطن واحد، بل احد ابرز أوجه التنازع السياسي بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان تتعلق بحقوق المواطنة لكل العراقيين في قانون الموازنة العامة وفي توزيع الثروات الطبيعية، وربما تبادر حكومة إقليم كوردستان لإطلاق أعمال مثل هذا المجلس للحكماء والعمل على إيجاد تلك الحلول الناجعة عراقياً للانتهاء من مشاكل توزيع رواتب الموظفين وإيجاد الحلول المنشودة لتأصيل السلوك السياسي والمجتمعي من خلال تحليل أصحاب المصلحة الوطنية في اطلاق تطبيقات مواطنة ((عراق واحد وطن الجميع)) من بيوت الخبرة لمراكز التفكير العراقية كطرف ثالث من خارج صندوق العملية السياسية، يتمسك بالمشتركات الدستورية، ويبحث عن حلول لما مختلف فيه وعليه في الدستور، العمل على تشكيل مجلس للحكماء يعتمد منهجية تحليل في اعداد ((ورقة وقائع العمل البيضاء)) والاقتراح بتسمية هذه المحصلة من وقائع النشاطات والفعاليات في الحوار الوطني المنتظر بكونها ورقة وقائع بيضاء؛ لأنها تتضمن فقط ما متفق على إمكانية تحقيقه والتزام أصحاب المصلحة به وتتضمن فقط ما يمكن أن يطرح كحلول فضلى تحظى بالاتفاق الأكبر من أصحاب المصلحة حيث تكون منهجية الحوار قائمة على انتاج ستراتيجية إدارة دولة عليا من خلال العمل على تركيز معظم البرامج العامة في تحليل السياسات من خلال النهج الاقتصادية القياسية والعمل المثابر للعثور على الحلول الفضلى على مقاييس المنظمات الدولية، ولعلَّ أبرزها معايير التنمية المستدامة، وما بين مناهج سياسية بأفكار وكوادر حزبية متشبعة بالمنهج العقائدي غير قادر على التفاعل الإيجابي مع عالم متغير، قد تطرح تساؤلات غير مناسبة للبحث عن تلك الحلول الفضلى وغالباً ما تكون صعبة التنفيذ لكن ليست مستحيلة.

دائما يبدأ السؤال عن الخطوة الأولى، في تحديد المشكلة من خلال استكشافها بفهم أصحاب المصلحة الذين ينقسمون إلى اطراف داخل العملية السياسية وخارجها، وفعاليات اقتصادية ومجتمعية لها مواقف تحتاج إلى دراسة استطلاعية موثقة تقوم بتضييق النطاق من أجل تحليل أصحاب المصلحة كهدف في إعادة الصياغة المفترضة للعملية السياسية بالشكل الذي يرضي بنسبة معينة جميع أصحاب المصلحة ويعارضونها أيضاً بنسبة معينة الذين يتمتعون بنفوذ رسمي يخولهم اتخاذ قرار شعبي أو رسمي أو أولئك الذين يتمتعون بنفوذ يُتيح لهم منع اتخاذ قرار، مثل الجماعات المسلحة أو الذين يتأثرون بقرار معين قانوني أو اقتصادي أو إداري.

على ان يؤسس الحوار وفق معايير الحكم الرشيد المعروفة في أدبيات الأمم المتحدة لاسيما تلك المتعلقة بالتنمية المستدامة، ويقارن ذلك بما هو متوفر من مشتركات تنفيذية في الواقع ثمّ في مشتركات متفق عليها في لجان تعديل الدستور العراقي النافذ، والعمل على ايجاد قاعدة تطبيقات تغلق الباب الدوارة لتطبيقات الدولة الهشة كلياً وتفعيل أدوات قياس الأثر ومراقبة جودة الأداء في ستراتيجية الدولة الفاعلة.

والعمل على بلورة الحلول الفضلى، من خلال طرح نموذج أولي لتوليد الأفكار، إعداد نظرية التغيير وتوليف الأدلة التي تعبر عن اصحاب المصلحة بالحالة الجماعية والمشتركات التي يمكن أن تضيق فرضيات الفشل، ثمّ تقييم الجدوى من هذا النموذج الأولي، وصولاً إلى اختيار الحل الأكثر قبولاً وزرعه في بقعة جغرافية مشتركة الأطياف الاجتماعية لدراسة إمكانية التطبيق في التنمية المحلية المجتمعية والاقتصادية ثمَّ الإدارة الحكومية، ويكون هذا النموذج الأولي نواة تتطور للوصول إلى محصلة نهائية في إصدار مسودة قانون ستراتيجية الإدارة العليا للدولة ستذكر لاحقاً في بناء هذه الستراتيجية.

ومن ثم تطوير الحلول من خلال تحليل أصحاب المصلحة بمختلف الأطراف، من خلال تحديد الموارد المادية والبشرية، بناء القدرات في تطوير الوسائل الكفيلة بتحقيق المنفعة العامة للدولة والمنفعة الخاصة للمواطن/ الناخب، بموافقة نسبية من القوى المجتمعية والاقتصادية والحزبية، ثمَّ العمل على تقييم النتائج كمحصلة نهائية قبل توسيع تطبيقات الحلول في مجتمعات متعددة.

ويمكن ان تنتهي هذه الجهود لمراكز التفكير العراقية في صياغة نموذج مقترح لاستراتيجية إدارة الدولة العليا، من خلال تجميع كلّ (وقائع العمل البيضاء) والعمل على ايجاد قواسم مشتركة في آليات التنفيذ ضمن المشتركات الدستورية، واحالة ما مختلف عليه كلياً إلى التعديلات الدستورية، وما يمكن أن يتفق على صياغة مقترحة له إلى مجلس النواب المقبل، لإصدار قانون بعنوان ((الستراتيجية العليا لإدارة الدولة)).

لكن يبقى السؤال: من يبدأ الخطوة الأولى من القوى المتصدية للسلطة وهل ثمة مبادرة من إقليم كوردستان لإطلاق اعمال مجلس حكماء في وطن واحد عراق الجميع.. ولله في خلقه شؤون.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق