-1-

صور متفرّقة

بعيدًا عن السرد التاريخي الرتيب، حضر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الأدب الأوروبي الحديث على هيئة صور نثرية جاءت متفرّقة ومتباعدة، لا رابط بينها ولا اتصال، متفرّقة في جهة مواضعها ما بين كتابات وتأليفات أدبية وفكرية وتاريخية متناثرة، صنّفت بلغات مختلفة ألمانية وإنجليزية وفرنسية، ومتباعدة في جهة أزمنتها حيث تفصل بينها سنوات طويلة، يؤرّخ لها ما بين النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي إلى ما قبل نهاية القرن العشرين.

لذا كان من الصعب الالتفات إلى هذه الصور، والعمل على الجمع بينها ضمًّا واتصالًا، وتحويلها إلى نسق أدبي متماسك، يعرف بهذه الصفة، ويمكن أن يؤرّخ له عند الأوروبيين، ويكون شاخصًا عند غيرهم وظاهرًا لمن يريد أن يؤرّخ له منسوبًا إلى الأدب الأوروبي الحديث.

ولعل من غير الممكن الإقدام على هذه الخطوة عند الأوروبيين، إلَّا بدافع قوي يتلمّس حسّ الارتباط الإنساني بالإمام بوصفه مجسّدًا للمُثُل العليا، وكونه يمثّل نموذجًا أخلاقيات ساميًا، وباعتباره يعدّ عظيمًا من عظماء الإنسانية الكبار.

ونادرًا ما نجد بين الأوروبيين من نظر إلى الإمام بهذا الأفق، وتعامل معه بهذه الطريقة التي تُغلّب حماسة القلب، وحرارة العاطفة، وقوة الضمير.

وعند الاقتراب من هذا الموضوع، لا بد من الالتفات إلى الأديب اللبناني المسيحي جورج جرداق الذي خصّص قسمًا من الجزء الخامس في موسوعته الشهيرة (الإمام علي صوت العدالة الإنسانية)، متحدّثًا فيه عن علاقة بعض الأدباء الأوروبيين بالإمام بعنوان: (الأوروبيون والإمام).

ولعل جرداق هو أول من طرق هذا الباب في تاريخ تطوّر الأدب العربي الحديث، مقدّمًا نصًّا وجيزًا، لكنه لا غنى عنه لكل من يتناول هذا الموضوع بحثًا وتصنيفًا.

حاول جرداق في هذا النص لفت الانتباه إلى نفر قليل من الأوروبيين غير المستشرقين عدّهم عباقرة، حيَّا فيهم النزعة الإنسانية الشريفة التي لا تتأثر بحدود تقوم بين شرق وغرب، ولا تأبه للأضاليل التاريخية التي تقيم الحواجز بين شعب وشعب، وفي طليعة هؤلاء العباقرة الأوروبيين الذين رأى فيهم جرداق أنهم أخلصوا للعفوية في طبائعهم، وللوجدان والمنطق في أحكامهم، ذاكرًا منهم: الألماني جوته، والإنجليزيين كارليل وجورج برناردشو، والفرنسيين الشاعر لامارتين والمؤرّخ غوستاف لوبون، والإيطالي الشاعر كاتياني، وهناك الكثير غيرهم حسب قول جرداق.

وحين التفت جرداق إلى المستشرقين رأى من الطبيعي أن يكون الإمام في طليعة من دارت عليه أبحاثهم، ووقفوا عند شخصيته الفذّة، وأطالوا الوقوف عليها، وليس مستغربًا -في نظر جرداق- أن يقودهم البحث إلى إجلال الإمام وحبه وإيثاره، مستثنيًا أولئك النفر الذين تعصّبوا عليه أشدّ تعصّب، تدفعهم دوافع من نسيج العصر الذي يريد العمل السياسي والإداري خاليًا من المعاني الخلقية الإنسانية المشرفة، خاصًّا بالذكر المستشرق البلجيكي هنري لامنس (1862-1937م)، الذي اعتنى بدراسة الأمويين عصرهم ودولتهم مقدّمًا في هذا الشأن دراسات عدة[1].

هذه الدراسات تتبّعها الدكتور عبدالرحمن بدوي (1917-2002م) وقام بتعدادها في موسوعته عن المستشرقين، واصفًا لامنس في مفتتح الحديث عنه أنه «شديد التعصّب ضد الإسلام، يفتقر افتقارًا تامًّا إلى النزاهة في البحث، والأمانة في نقل النصوص وفهمها، ويعدّ نموذجًا سيئًا جدًّا للباحثين في الإسلام من بين المستشرقين»[2].

وعلى طريقة جرداق سوف نجتزئ بعض الصور المتفرّقة والمتباعدة، لعدد من الأسماء الأوروبية اللامعة التي خصّت الإمام بكلمات جاءت في سياق التبجيل والتعظيم، نعرض لها بحسب تعاقبها الزمني، متغافلين عن تلك الأحاديث الكثيرة التي جاءت على ذكر الإمام بطريقة السرد التاريخي في كتابات فكرية وتاريخية من دون أن تقدّم صورًا عن الإمام على هيئة نظرات أو انطباعات.

-2-

يوهان غوته

يعدّ يوهان غوته (1749-1832م) واحدًا من ألمع الأسماء الأدبية ليس على مستوى تاريخ تطور الأدب الألماني الحديث فحسب، وإنما على مستوى تاريخ تطوّر الأدب الأوروبي الحديث عمومًا، عُرف بحسّه الإنساني، وقوة شاعريته، وانفتاحه على الثقافات والآداب الأخرى غير الأوروبية، أنجز أعمالًا أدبية كسبت إعجاب الأمم والشعوب ما بين الغرب والشرق، وحظي بالتبجيل والتقدير في ساحة الأدب وعند الأدباء ناعتين إيّاه بشاعر ألمانيا العظيم.

ارتبط غوته بعلاقة وثيقة مع الثقافة الإسلامية التي مثّلت له مصدر إلهام أدبي وأخلاقي وإنساني، كاشفًا عن هذه العلاقة ومعتزًّا بها، معبّرًا عنها بطريقة أثارت دهشة الأدباء والباحثين الغربيين والشرقيين على حدٍّ سواء، وذلك بلحاظ قوتها وزمنها ووضوحها وعمقها حيث ظهرت متجلية في أصناف أدبه نثرًا وشعرًا وروايةً ومسرحًا.

وهذا ما كشفت عنه الباحثة الألمانية الخبيرة كاتارينا مومزن التي تخصّصت في تراث غوته، وأخذت على عاتقها –كما تقول- تتبع البصمات العربية على فكره وأشعاره، والكشف عن المصادر العربية التي استسقى منها غوته صوره وموضوعاته العربية، مقدمة في كتابها (جوته والعالم العربي) أجود عمل يصنف في هذا الشأن، ويصلح أن يكون كتابًا مرجعيًّا لا غنى عنه في دراسة هذا الموضوع.

رأت كاتارينا أن علاقة غوته بالإسلام ونبي الإسلام تدعو للدهشة، وحسب قولها: «إن علاقة غوته بالإسلام وبنبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ظاهرة من أكثر الظواهر مدعاة للدهشة في حياة الشاعر، فكل الشواهد تدل على أنه كان في أعماق وجدانه شديد الاهتمام بالإسلام، وأن معرفته بالقرآن الكريم كانت بعد الكتاب المقدس أوثق من معرفته بأيّ كتاب من كتب الديانات الأخرى... ولهذا فاقت تعبيراته وتصريحاته عن الإسلام كل ما كان قد قيل عنه في ألمانيا حتى ذلك الحين من حيث القوة والجسارة والتحدي»[3].

ومن جهة الإلهام رأت كاتارينا أن نبي الإسلام مثّل مصدر إلهام لشاعرية غوته، مفصحة عن هذا الأمر بتأكيد ووضوح قائلة: «ومهما كان الأمر فقد ألهم نبي الإسلام شاعرية غوته إلهامًا يفوق ما أدركه الباحثون حتى الآن»[4].

وفي هذا السياق ذكرت كاتارينا التي أحاطت علمًا بالتراث المخطوط لغوته، أنها وجدت شذرات من مسرحية دوّنها غوته ولم يكملها عن النبي محمد سمّاها (تراجيديا محمد) يرجع تاريخها إلى سنة 1772م، رأت فيها أنها تضمّنت «برغم قصرها ثناء ومديحًا عظيمين، لم يسبق لأيّ شاعر ألماني في أيّ عصر من العصور أن قدّمها لنبي الإسلام»[5].

ومن بين هذه الشذرات المخطوطة وغير المكتملة، توقّفت كاتارينا أمام قصيدة سمّاها غوته (نشيد محمد) نظمها سنة 1773م، رأت أن هذه القصيدة تصوّر «النبي بصفته هاديًا للبشر في صورة نهر يبدأ بالتدفق رفيقًا هادئًا، ثم لا يلبث أن يجهش بشكل مطّرد ويتحوّل في عنفوانه إلى سيل عارم، وهي تصوّر اتساع هذا النهر وتعاظم قوته الروحية في زحفها الظافر الرائع لتصب أخيرًا في البحر المحيط رمز الألوهية»[6].

نظم غوته هذه القصيدة على شكل حوار بديع ومدهش جرى على لسان اثنين هما من أقرب الناس وأحبهما إلى النبي، بين الإمام علي بن أبي طالب الذي وصفته كاتارينا بالصحابي الشجاع، وبين السيدة الصديقة فاطمة الزهراء التي وصفتها كاتارينا ابنة النبي الحبيبة.

في هذه القصيدة نظم غوته الأبيات الآتية:

«علي: انظروا إلى السيل العارم القوي، قد انحدر من الجبل الشامخ العلي، أبلج متألقًا كأنه الكوكب الدري.

فاطمة: لقد أرضعته من وراء السحاب ملائكة الخير في مهده بين الصخور والأدغال.

علي: وإنه لينهمر من السحاب، مندفعًا في عنفوان الشباب، ولا يزال في انحداره على جلاميد الصخر، يتنزى فائرًا، متوثبًا نحو السماء، مهللًا تهليل الفرح.

فاطمة: جارفًا في طريقه الحصى المجزع، والغثاء الأحوى.

علي: وكالقائد المقدام، الجريء الجنان، الثابت الخطى، يجرّ في أثره جداول الربى والنجاد.

فاطمة: ويبلغ الوادي، فتتفتح الأزهار تحت أقدامه، وتحيا المروج من أنفاسه.

علي: لا شيء يستوقفه، لا الوادي الوارف الظليل، ولا الأزهار تلتف حول قدميه وتطوق رجليه، وترمقه بلحاظها الوامقة، بل هو مندفع عجلان صامد إلى الوهاد.

فاطمة: وهذه أنهار الوهاد تسعى إليه في سماح ومحبة، ومستسلمة له مندمجة فيه. وهذا هو ما يجري في الوهاد، فخورًا بعبابه السلسال الفضي.

علي: الوهاد والنجاد كلها فخورة به.

فاطمة: وأنهار الوهاد، وجداول النجاد تهلل جميعًا من الفرح متصايحة:

علي وفاطمة (في صوت واحد): خذنا معك! خذنا معك!

فاطمة: خذنا معك إلى البحر المحيط الأزلي، الذي ينتظرنا باسطًا ذراعيه. لقد طال ما بسطهما ليضم أبناءه المشتاقين إليه.

علي: وما كان هذا الفيض كلّه ليبقى مقصورًا على الصحراء الجرداء. ما كان هذا الفيض ليفيض في رمال الرمضاء، وتمتصه الشمس الصالبة في كبد السماء، ويصده الكثيب من الكثبان، فيلبث عنده غديرًا راكدًا من الغدران. أيها السيل، خذ معك أنهار الوهاد!

فاطمة: وجداول النجاد.

علي وفاطمة (في صوت واحد): خذنا معك! خذنا معك!

علي: هلم جميعًا، هو ذا العباب يطم ويزخر، ويزداد عظمة على عظمة. هو ذا شعب بأسره، وعل رأسه زعيمه الأكبر، مرتفعًا إلى أوج العلا، وهو في زحفه الظافر، يجوب الآفاق ويخلع أسماء على الأقطار، وتنشأ عند قدميه المدائن والأمصار.

فاطمة: ولكنه ماضٍ قُدمًا لا يلوي على شيء، لا على المدائن الزاهرة، ولا على الأبراج المشيّدة، أو القباب المتوهّجة الذرى، ولا على صروح المرمر، وكلها من آثار فضله.

علي: وعلى متن عبابه الجبار تجري منشآت السفن كالأعلام، شارعة أشرعتها الخافقة إلى السماء، شاهدة على قوته وعظمته. وهكذا يمضي السيل العظيم إلى الأمام بأبنائه.

فاطمة: ويمضي إلى الأمام ببناته.

علي وفاطمة (في صوت واحد): إلى أبيهم، ذلك البحر العظيم، الذي ينتظرهم ليضمهم إلى صدره، وهو يهلل ويكبر زاخرًا بالفرح العميم»[7].

بهذا العمل البديع يكون غوته قد جمع قاصدًا وعارفًا بين محمد وعلي وفاطمة الذين هم من أشرف الخلق وأطهرهم على وجه الأرض، حاكيًا عن النبي بصفته هاديًا للبشر على لسان علي وفاطمة، يا لها من دهشة عظيمة! بحاجة إلى دهشة عظيمة، فهذه اللفتة لم تكن بعيدة عن عبقرية غوته وذكائه ونباهته وقوة ملاحظته.

لم تقفز هذه اللفتة المدهشة إلى ذهن غوته صدفة ولا بعفوية غير مقصودة، ولم تكن مجرّد خواطر عرضت عليه بلا سابق خيال، وإنما كان متنبهًا لمن ينبغي أن يكون حاكيًا عن النبي، متمثّلًا صوته، متقمصًا دوره، مجسّدًا خلقه، عارفًا به، متناغمًا معه، قريبًا منه، مندكًّا فيه، فمن يكون يا ترى! في نظر غوته إنهما: علي وفاطمة! كم كنت محقًّا يا غوته ومدهشًا ومصيبًا في هذا الاختيار الذي لم يقوَ عليه بعض المسلمين!

عكس غوته في هذه القصيدة قوّة خياله، وبلاغة بيانه، وجمالية فنّه، ورحابة أفقه، وبعد نظره، مقدّمًا قصيدة بقيت إلى اليوم بعيدة عن أعين الأدباء والنقاد فحصًا وتحليلًا وتفكيكًا في نواحيها الأدبية والجمالية والفكرية.

-3-

توماس كارليل

توماس كارليل (1795-1881م) كاتب وناقد ومؤرّخ إسكتلندي، عرفه الألمان وقدّروه لعنايته بالأدب الألماني وتأثّره بالفلسفة المثالية الألمانية، وعرفه الفرنسيون وقدّروه كذلك بعد كتابه الكبير عن تاريخ الثورة الفرنسية، حيث عدّ واحدًا من كبار وأوائل المؤرّخين للثورة الفرنسية، وعرفه العرب والمسلمون من خلال كتابه الشهير (الأبطال) الصادر سنة 1841م، الذي خصّص فيه فصلًا عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بوصفه بطلًا في التاريخ الإنساني على صورة نبي.

في كتابه (الأبطال) قدّم كارليل نصًّا عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يعدّ من روائع الأدب الأوروبي الحديث، بل من روائع الأدب الإنساني، نصًّا أظهر فيه كارليل إعجابًا كبيرًا للنبي، وتقديرًا فائقًا لدوره في التاريخ، ودفاعًا قويًّا أمام حملات التشويه القاسية والمتلاحقة التي تعرّضت لها صورة النبي ظلمًا في الأدب الأوروبي بأقسامه الديني والفكري والتاريخي.

تأكيدًا لهذا الانطباع البديع يكفي اقتباس ما افتتح به كارليل حديثه عن النبي قائلًا: «لقد أصبح من أكبر العار على أيّ فرد متمدين من أبناء هذا العصر، أن يصغي إلى ما يُظن من أنّ دين الإسلام كذب، وأنّ محمّدًا خدّاع مزوّر. وآن لنا أن نحارب ما يُشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة، فإنّ الرسالة التي أدّاها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنًا لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا... فوأسفاه ما أسوأ مثل هذا الزعم، وما أضعف أهله وأحقهم بالرثاء والمرحمة. فعلى مَنْ أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات أن لا يصدق شيئًا البته من أقوال أولئك السفهاء! فإنّها نتائج جيل كفر وعصر جحود وإلحاد، وهي دليل على خبث القلوب، وفساد الضمائر، وموت الأرواح في حياة الأبدان، ولعلّ العالم لم يرَ قط رأيًا أكفر من هذا وألأم، وهل رأيتم قط معشر الإخوان أنّ رجلًا كاذبًا يستطيع أن يوجد دينًا وينشره! عجبًا والله، إنّ الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتًا من الطوب!»[8].

تكمن أهمية هذا النص في انتسابه لتلك الحقبة التاريخية في أوروبا، وقد سجّل به كارليل موقفًا تاريخيًّا نادرًا وشجاعًا، جعل منه مصطفًا إلى جانب أولئك الأدباء والمفكّرين في أوروبا والعالم الذين عرفوا بدفاعهم عن الإسلام ونبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

لم يكن دفاع كارليل دفاعًا عاديًّا ولا سهلًا أو بسيطًا، لا من الناحية الكمية في بسط الكلام، ولا من الناحية الكيفية في قوة الكلام، مفارقًا به ومفترقًا عن نسق فكري وديني مغاير ومتزمت، عرف بسطوته وهيبته ورهبته في عموم أوروبا تقريبًا، وكان من الصعب الخروج عليه أو الابتعاد عنه.

في هذا النص الذي كان في الأصل محاضرة ألقاها كارليل سنة 1840م، ثم ضمّها لاحقًا في كتابه: (الأبطال وعبادة البطولة والبطل في التاريخ)، المعروف اختصارا بكتاب: (الأبطال)، أشار كارليل في هذا النص إلى الإمام علي في لفتة مميّزة، وخصّه بكلمات في غاية البلاغة والجمال، معبّرة عن حب وعشق قائلًا: «أمّا عليّ فلا يسعنا إلّا أن نحبّه ونتعشقه، فإنّه فتىً شريف القدر كبير النفس، يفيض وجدانه رحمةً وبرًا، ويتلظّى فؤاده نجدة وحماسة، وكان أشجع من ليث، ولكنّها شجاعة ممزوجة برقة ولطف ورأفة وحنان، جدير بها فرسان القرون الوسطى. وقد قُتِلَ بالكوفة غيلة، وإنما جنى ذلك على نفسه بشدّة عدله حتى حسب كلّ إنسان عادلاً مثله، وقال قبل موته حينما أومر في قاتله: إن أعش فالأمر إليَّ وإن أمت فالأمر لكم، فإن آثرتم أن تقتصّوا فضربة بضربة، وإن تعفوا أقرب إلى التقوى»[9].

وقد أثارت هذه الكلمات دهشة جورج جرداق وإعجابه، متوقّفًا عندها، لافتًا الانتباه إليها، مادحًا صاحبها، متّخذًا منه نموذجًا كاشفًا عن وجود علاقة بين الأوروبيين والإمام، علاقة تتخطّى جفاف البحث العلمي، وترقى إلى لغة الشعر، وحسب قوله: «أما الفيلسوف الإنجليزي كارليل فإنه ما يكاد يأتي على ذكر علي بن أبي طالب في إسلامياته، حتى تهزّه الشخصية العلوية من أعماقه، وتفيض عليه من قوّتها قوّة تدفعه لأن يرتفع من نطاق البحث العلمي الجاف إلى أجواء الشعر، فإذا بقلمه يندى ويخضلّ من تلقاء ذاته ليتغنّى ببطولات عليَّ، حتى لتشعر بأن صاحب هذا القلم إنما هو من شيعة الإمام ومن أنصاره، وأترك لك أن تتصوّر كم هي عظيمة هذه الشخصية، شخصية إمام عربي قضى منذ بضعة عشر قرنًا، إذ تدفع مفكّرًا إنجليزيًّا معاصرًا لأن يقول فيه»[10] ما قال.

-4-

كارا ديفو

البارون كارا ديفو (1867-1953م) مستشرق فرنسي اهتم بتاريخ العلوم عند العرب والمسلمين تحقيقًا وترجمةً، نشر مؤلّفات في حقل الإسلاميات من أهمّها وأشهرها كتاب: (مفكّرو الإسلام) يقع في خمسة أجزاء، صدر ما بين (1921-1926م). لفت الانتباه إليه جورج جرداق، وخصّه بالذكر عند حديثه عن علاقة الأوروبيين بالإمام، متطرّقًا له إلى جانب توماس كارليل، مادحًا له ومثنيًا عليه من هذه الجهة، كاشفًا عن إعجابه بالإمام.

نقل جرداق نصوصًا لكارا ديفو قام بترجمتها، وردت في كتابه: (مفكّرو الإسلام)، قائلًا عنه: «يتقصى الباحث الفرنسي البارون كارا ديفو الأسباب والعلل في حوادث الإسلام، فيستجلي حقائق كثيرة بأسلوب متماسك جذاب، ويتحدّث عن بطولة علي في حروب المسلمين وقريش، حديثًا تملؤه عاطفة الإعجاب، وتحييه الحماسة... فإنك تشعر بالحماسة تدبّ في عروقه يتحدّث عن علي في أكثر أحواله، فإذا الباحث ينقلب على قلمه إلى شاعر، فتراه ساعة يتحدّث عن موقعة الجمل، يصف بطولة علي وصفًا مؤثرًا مبدعًا، ويروي من مآثره الشيء الكثير، ثم يتحدّث عن مروءات الإمام فيصفها بأنها نادرة خارقة، وعن شهامته ومظاهرها التي لا تعدّ، ويقول قولًا كريمًا في شاعريته الفذة وعواطفه الكريمة»[11].

أشار جرداق إلى نصّين من نصوص كارا ديفو نقلهما بترجمته من كتابه (مفكّرو الإسلام)، النص الأول تحدّث فيه كارا ديفو عن بطولة الإمام، وختمه بالحديث عن علاقته بالنبي، متحددًا في قوله: «وحارب عليّ بطلًا مغوارًا إلى جانب النبي، وقام بمآثر معجزات، ففي موقعة بدر كان علي وهو في العشرين من عمره يشطر الفارس القرشي شطرين اثنين بضربة واحدة من سيفه ويخرق الدروع، وفي الهجوم على حصون اليهود في خيبر قلقل علي بابًا ضخمًا من حديد، ثم رفعه فوق رأسه متّخذًا منه تُرسًا مِجَنًّا. أمّا النبي فكان يحبّه ويثق به ثقة عظيمة، وقد قال ذات يوم، وهو يشير إلى عليّ: من كنت مولاه فعليّ مولاه»[12].

النص الثاني نقله جرداق مصوّرًا أنه يمثّل الرأي الشخصي لكارا ديفو في الإمام، ويدل هذا الرأي -في نظر جرداق- على احترام وحب عميقين، متحددًا في قول كارا ديفو: «وعلي هو ذلك البطل الموجع المتألّم، والفارس الصوفي، والإمام الشهيد ذو الروح العميقة القرار التي يكمن في مطاويها سر العذاب الإلهي»[13].

-5-

هنري كوربان

هنري كوربان (1903-1978م) فيلسوف ومستشرق فرنسي اعتنى بتاريخ الفلسفة الإسلامية، واشتهر بدراساته حول الفكر الشيعي والفلسفة الإشراقية والإسلاميات الإيرانية، متفرّدًا بهذه المجالات في حقل الدراسات الاستشراقية الحديثة، مقدّمًا أعمالًا مهمّة ورائدة في هذا الشأن، فقد عدّه الباحث الإيراني الدكتور غلام رضا أعواني «أول من عرّف بشخصية العارف الشيعي السيد حيدر آملي، وهو الذي كشف الستار عن تاريخ الفلسفة الإسلامية في العصر الممتد ما بين نصير الدين الطوسي وملا صدرا، كما أنه أول من عرف الغرب على الملا صدرا»[14].

عند البحث عن كوربان توقّعت أن أجد نصوصًا كثيرة عن الإمام بحكم علاقته وخبرته الواسعة بالدراسات الشيعية التي ترقى إلى درجة الاختصاص العالي والمتقدّم، لكن ما وجدته يعدّ ضئيلًا جدًّا استنادًا إلى كتابه: (تاريخ الفلسفة الإسلامية)، ولعل له نصوص في مؤلّفاته الأخرى لم أتمكّن من الوصول إليها، كما لم أجد في المصادر التي رجعت إليها إشارات لنصوص أخرى.

والقدر الذي وجدته من نصوص كوربان عن الإمام في كتابه: (تاريخ الفلسفة الإسلامية)، تحدّد في نصّين الأول: تعلّق بعلاقة الإمام بالنبي، إذ رأى كوربان أن الإمام من بين البشر جميعًا هو أقرب الناس إلى الرسول، تربط بينهما قرابة روحية ونسبة معنوية قبل القرابة الدنيوية الزمنية، مستدلًّا على ذلك بما يروى عن النبي قوله: «أنا وعلي من نور واحد»[15].

وتعلّق النص الثاني بكتاب: (نهج البلاغة)، حيث كشف كوربان عن قيمته ومنزلته ومرجعيته الدينية والفلسفية والأدبية، مدوّنًا قائلًا: «والكتاب عبارة عن مجموعة خطب الإمام الأول علي بن أبي طالب، بما فيه من مواعظ وأحاديث ورسائل، وتأتي أهمية هذا الكتاب في الدرجة الأولى بعد القرآن وأحاديث النبي، ليس بالنسبة للحياة الدينية في التشيع عمومًا وحسب، بل بالنسبة لما في التشيع من فكر فلسفي. ويمكن اعتبار نهج البلاغة منهلًا من أهم المناهل التي استقى منها المفكّرون الشيعة مذاهبهم والتي كانوا ينادون بها... وإنك لتشعر بتأثير هذا الكتاب بصورة جمّة من الترابط المنطقي في الكلام، ومن استنتاج النتائج السليمة، وخلق بعض المصطلحات التقنية العربية التي أدخلت على اللغة الأدبية والفلسفية فأضفت عليها غنى وطلاوة، ذلك أنها نشأت مستقلّة عن تعريب النصوص اليونانية... ونحن عندما نعود إلى أحاديث الإمام مع تلميذه كميل بن زياد، عندما يجيب عن هذا السؤال: ما هي الحقيقة؟ وعندما يصف التعاقب الباطني للحكماء في العالم.. إلخ، نجد في هذه الصفحات نموذجًا خاصًّا من التفكير يتّسم بطابع يميّزه عن غيره»[16].

-6-

جرهارد كونسلمان

جرهارد كونسلمان كاتب ألماني مهتم بالمنطقة العربية، ومتابع لما يجري فيها من أحداث وتطوّرات، له كتابات وتأليفات في هذا الشأن تتّسم بالرصد وحسّ المتابعة، نشر كتابًا عن إيران يؤرّخ فيه حدث الثورة في عقدها الأول الممتد من سنة 1979م إلى سنة 1989م، حمل الكتاب عنوان: (سطوع نجم الشيعة).

افتتح كونسلمان كتابه بمدخل تاريخي موسّع، جاء بعنوان: (محمد وعلي) تحدّث فيه عن العلاقة العميقة بين النبي والإمام، متتبعًا أطوار هذه العلاقة، مبتدئًا من هجرة النبي من مكة إلى المدينة، مستندًا في مروياته إلى ابن إسحاق وسيرته النبوية، مضمّنًا فيه بعضًا من نظراته وانطباعاته عن الإمام، منها أن الإمام هو أول إنسان آمن بالعقيدة الإسلامية بعد النبي محمد، وتعلّم أن يثق بمحمد، فقد أقام في بيته منذ كان طفلًا[17].

ومن نظرات كونسلمان وانطباعاته ما أشار إليه حين تحدّث عن تولي الإمام الخلافة وسعيه لإعادتها إلى المبادئ التي أرساها النبي، قائلًا: «وقد حاول علي كخليفة إعادة فكر المؤمنين مرّة أخرى إلى أصوله الأولى، أيّ إلى المبادئ التي أرساها النبي، فأحست النخبة في مكة والمدينة بثورية هذا الرجوع إلى الأصل بالذات، إلَّا أنهم كانوا يرون أن زمن الثورة قد ولّى»[18].

ومن نظرات كونسلمان وانطباعاته كذلك، ما أشار إليه حين تحدّث عن نقل الإمام الخلافة من المدينة إلى الكوفة، وكيف استطاع أن يطبّق فيها مبادئ حكمه، قائلًا: «وصار لعلي في بلاد الرافدين سلطة لا ينازعه فيها أحد، واستطاع في هذه البلاد أن يطبق مبادئ حكمه، وأن يحقّق في الواقع مبادئه المثالية كحاكم عادل، ولم يستطع أحد أن يقول عنه: إنه ارتكب باطلًا»[19].

-7-

يان ريشار

يان ريشار كاتب وباحث فرنسي، أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة السوربون، له كتابات وتأليفات عدّة في حقل الإسلاميات، منها كتاب: (الإسلام الشيعي.. عقائد وأيديولوجيات)، وكتاب آخر عُرف في المجال العربي أعدّه بالاشتراك مع الباحث الفرنسي جيل كيبيل بعنوان: (المثقّف والمناضل في الإسلام المعاصر)، إلى جانب تأليفات أخرى.

قدّم ريشار في كتابه: (الإسلام الشيعي) الصادر سنة 1991م، بعضًا من نظراته المتفرّقة عن الإمام، منها ما أشار إليه عند حديثه عن علاقة الإمام بالنبي وكيف أنه كان قريبًا منه، قائلًا: «إن عليًّا هو ابن أبي طالب عمّ النبي، وكان قد كفل النبي بعد موت جدّه الكفيل الأول له، وعلى ذلك فقد كان أخًا للنبي، وكان قريبًا جدًّا منه، ومن المعروف أن عليًّا نام في فراش النبي ليلة هربه إلى المدينة حتى لا يقتله الكافرون المكّيّون... فضلًا عن أنه أول من آمن برسالة ابن عمه، وكان علي محاربًا وأمين سرّ النبي وسفيره في بعض الأحيان»[20].

ومن نظرات ريشار وانطباعاته ما أشار إليه عند حديثه عن تسلّم الإمام الخلافة، مميّزًا حكمه قائلًا: «والحق أن المسلمين السليمي النية، يتّخذون من علي نموذجًا، كما لو أنه حتى في القرن العشرين لا يزال أمثل صورة للنظام الإسلامي السياسي، ومع أنه ما من أحد يضع موضع الشك استقامة علي وفضيلته، ولا سيما خلال انتظاره دوره في ممارسة الحكم، فإن الخلافات الكبرى والانقسامات المذهبية التي لا تقبل الانعكاس قد تمّت في أيامه»[21].

من هذه النظرات والانطباعات كذلك، ما أشار إليه ريشار عند حديثه عن كتاب (نهج البلاغة)، مثنيًا عليه قائلًا: «لا شك أن أقوال علي ومواعظه ورسائله التي جمعت بعد ثلاث مئة عام من استشهاده في كتاب هو نهج البلاغة، تشهد على خلق عظيم، أمام الأسلوب كما يراه بعض الكتّاب العرب فإنه فيما اشتمل عليه من نصائح كريمة ذات فضيلة نادرة، يبدو كجوهرة من جواهر الأدب العربي»[22].

-8-

ملاحظات وتحليلات

هذه بعض الصور المتفرّقة والمتباعدة التي تشكّلت عند أدباء وكتّاب أوروبيين في الأزمنة الحديثة تجاه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عرضت لها على هيئة نظرات وانطباعات، وهي الصور التي توثّقت منها بنفسي، وحصلت عليها من مصادرها المذكورة، أما الصور التي لم أجد توثيقًا لها فضّلت غضّ النظر عنها.

وعلى ضوء هذه الصور السالفة، نسجّل الملاحظات والتحليلات الآتية:

أولًا: لفت انتباهي كثيرًا أن الإمام على عظمته وحكمته وشمائله، لم يُعرف كما يستحق أن يُعرف عند الأوروبيين أدباء ومفكّرين ومؤرخين، لا في القرن التاسع عشر الذي سجّلنا فيه بعض النظرات والانطباعات، ولا في القرن العشرين على امتداده الطويل، ولم يتغيّر الوضع كثيرًا بعد الولوج إلى القرن الحادي والعشرين.

يبرز هذا الرأي ويتأكّد عند معرفة أن جميع تلك النظرات والانطباعات السالفة، جاءت ضمن سياقات متفرّقة عرضت إلى الإمام إما بطريقة عرضية، وإما بطريقة موضعية، وإما بطريقة مبتورة، ولم تعرض له بطريقة مركّزة، ولا بطريقة موسّعة، ولا بطريقة شاملة، تفي بحق الإمام درايةً ومعرفةً.

وعند النظر في تلك السياقات المتفرّقة، نجد أنها قد تحدّدت في ثلاثة أنماط هي:

النمط الأول: وارتبط بالحديث عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنه حدث الاقتراب من الإمام فتشكّلت عنه بعص النظرات والانطباعات الموجزة والمتفرّقة، وهذا ما يصدق على طريقتي غوته وكارليل اللذين كانا بصدد الحديث عن النبي، وكل حديث عن النبي يقود قطعًا إلى الإمام الذي كان أقرب الناس إليه، وأحبّهم إلى قلبه.

النمط الثاني: وارتبط بالحديث عن الإسلام تاريخًا وفكرًا وشريعة، فحدث الاقتراب من الإمام ومن ثَمَّ تشكّلت عنه بعض النظرات والانطباعات، وهذا ما يصدق على طريقتي كارا ديفو في كتابه: (مفكرو الإسلام)، وهنري كوربان في كتابه: (تاريخ الفلسفة الإسلامية).

النمط الثالث: وارتبط بالحديث عن المسلمين الشيعة تاريخًا ومذهبًا، فحدث الاقتراب من الإمام، ومن ثَمَّ تشكّلت عنه بعض النظرات والانطباعات، وهذا ما يصدق على طريقتي جرهارد كونسلمان في كتابه: (سطوع نجم الشيعة)، ويان ريشار في كتابه: (الإسلام الشيعي).

من بين هذه الأعمال جميعًا، لا نجد كتابًا متخصّصًا حول الإمام يقدّم عنه معرفة واسعة وشاملة، عملًا يوثّق سيرة الإمام، ويبرز شمائله، ويظهر حكمته، ويصف بلاغته، ويُعرّف بأثره في تاريخ العلوم والفنون والآداب عند المسلمين.

كما لا نجد بين الأوروبيين من اعتنى بالإمام وإرثه وتراثه، على طريقة عناية المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (1883-1962م) بالحلّاج الحسين بن منصور (244-309هـ/ 858-922م)، أو على طريقة عناية هنري كوربان بالسهرودي المقتول يحيى بن حبش المعروف بشهاب الدين السهروردي (549-586هـ/ 1155-1191م) صاحب حكمة الإشراق، وهكذا بالنسبة إلى آخرين، فالإمام الذي لا يقاس بهؤلاء ولا يقارن لا نجد من اعتنى به كما يستحق.

ثانيًا: غلب على كتابات الأوروبيين عن الإمام طابع السرد التاريخي الذي يحكي الحوادث والوقائع ويتتبعها في مصادرها التاريخية على اختلافها القديمة والحديثة، عملًا بالمنهج الوصفي والوثائقي، مكتفين بهذا المنهج ومنحصرين عليه، من دون الالتفات إلى تلك الأبعاد المشرقة في سيرة الإمام التي تتعالى على السرد، وتتخطّى الوصف وتتفوّق عليهما نبضًا ودفئًا، أو التي لا يستطيع السرد ولا الوصف أن يجاريها ويكون حاكيًا عنها، لأنها تقع فيما وراءهما، وهي أقرب إلى القلب من العقل، وما يقع في القلب قد يستعصي على السرد الظاهر الذي لا ينفذ إلى القلب.

وقد التفت جورج جرداق إلى هذه الملاحظة بإدراك شديد، ناقدًا طريقة هؤلاء الأوروبيين في اتّباع السرد حين يترجمون لعظيم من العظماء، واصفًا سلوكهم بالتزمّت، وناعتًا لهم بالجفاف، مخطئًا طريقتهم السردية في التعامل مع الإمام، مصنّفًا رأيهم ضمن حالتين، حالة تتعلّق بطبيعة الباحث ومزاجه، وحالة تتعلّق بنوعية المترجم له بين أن يكون إنسانًا عاديًّا أو يكون عظيمًا، شارحًا رأيه قائلًا: «ولئن كان بعض المتزمّتين من الباحثين يرون أن ترجمة عظيم من العظماء ودراسة شخصيته لا يستوجبان أكثر من سرد الحوادث وحشد الأرقام والإتيان بالحجة والدليل، متعلّلين لهذا الجفاف بصفة العلم التي لا تجيز الخروج من نطاق سرد الحوادث وحشد الأرقام إلى نطاق تحيا به العاطفة ويخفق القلب، أقول إذا كان بعض الباحثين يرون هذا الرأي، فإنما يصحّ رأيهم في حالتين اثنتين ولا يصحّ في غيرهما، أما الأولى فحين يكون الباحث جافًّا من طبعه، قليل الحظ من العاطفة والخيال، فيكون شأنه عند ذلك شأن معلمي المدارس الذين يدرسون الحياة والأحياء بعقلية من يدرس جماد الطبيعة، فلا يرى فيه مجالًا لأكثر من تسجيل الحوادث وسرد الأرقام وإقامة الدليل والبرهان. أما الحالة الثانية فحين يكون المترجم له رجلًا عاديًّا، لا يعني الباحث من أمره شيء أكثر من ارتباط اسمه بالحادثة التي يسوقها»[23].

ويختلف الحال في نظر جرداق ويتفارق حين الالتفات إلى الإمام الذي يصنع الحوادث ويحرّك المشاعر، مؤكدًا رأيه قائلًا: «أما حين يكون المترجم له كابن أبي طالب يصنع الحوادث ولا تصنعه، ويتّحد بما يصنعه اتّحاد فكر وعاطفة وخيال، ويرتبط به ارتباط حياة وموت، فمن الطبيعي عند ذاك أن يثير في نفس دارسه ما يجوز نطاق البحث الجاف إلى عالم الأحاسيس الحية، فإذا الباحث يؤيّد أو يستنكر، يحب أو يكره، وهو بحالتيه الاثنتين منطقي واقعي، وليس في سير العظماء واحد كسيرة ابن أبي طالب تحرّك المشاعر، وتوقظ الأحاسيس الحية في كيان من يتعرّض لها بدرس أو بحث»[24].

بهذا المنطق التفارقي المتابين عن منهج هؤلاء الأوروبيين، كتب جرداق ما كتب عن الإمام ناظرًا له ومزاوجًا بين العقل والعاطفة، بين عيون الفكر وعيون القلب، معتقدًا أن سيرة الإمام وعظمته وحكمته ومثاليته بقدر ما تحرّك دفائن العقل، تحرّك كذلك وبقوة أشد بواطن القلب.

ثالثًا: إن عدم معرفة الأوروبيين الوافية بكتاب: (نهج البلاغة)، ترك أثرًا واضحًا في طريقة تعاملهم مع الإمام تعرُّفًا واكتشافًا لشخصه وإرثه وتراثه، فهذا الكتاب الذي لا يقارن بغيره بعد القرآن الكريم ظلّ وما زال كتابًا غير مكتشف بالنسبة إلى الأوروبيين لا من الناحية البيانية والبلاغية، ولا من الناحية الفنية والجمالية، ولا من الناحية الكلامية والعقدية، ولا من الناحية التاريخية والسياسية.

(نهج البلاغة) الكتاب الذي أثار دهشة وإعجاب كل من اقترب منه، وتعامل معه، وتعرَّف إليه، من المؤسف أن يبقى كتابًا مجهولًا عند الأوروبيين، فليس هناك مجال للمقارنة بين معرفتهم الفائقة والساحرة بكتاب (ألف ليلة وليلة) وبين (نهج البلاغة)، مع ما بين الكتابين من فروقات ومفارقات لا تقارن، فمنزلة كتاب (نهج البلاغة) لا تقارن قطعًا بكتاب (ألف ليلة وليلة)!

ومن تعرَّف إلى (نهج البلاغة) من المعاصرين، وجد فيه كتابًا لا يفوقه كتاب آخر سوى القرآن الكريم، وهذا ما تأكّد للأديب اللبناني بولس سلامة الذي رأى أن نهج البلاغة «لا يفوقه بلاغةً وقيمةً إلَّا التنزيل»[25].

وتأكيدًا لهذا الرأي دوّن الأديب اللبناني ناصيف اليازجي قائلًا: «إذا أردت أن تتفوّق على أقرانك في العلم والأدب وصناعة الإنشاء، فعليك بحفظ القرآن ونهج البلاغة»[26].

ووجد فيه جورج جرداق كتابًا لا يقارن بغيره في تاريخ الأدب العربي كلّه قديمه وحديثه، وحسب قوله: «وإنك لا تجد في الأدب العربي كلّه هذا المقدار الذي تجده في نهج البلاغة من روائع الفكر السليم، والمنطق المحكم في مثل هذا الأسلوب النادر»[27].

وحين تعرَّف إليه هنري كوربان سنة 1964م تأكّد له متأسّفًا إهمال دراسته في الغرب، معبّرًا عن رأيه قائلًا: «وممّا نأسف له أن دراسة هذا الكتاب -نهج البلاغة- ظلّت مهملة في الغرب حتى الآن»[28].

ومن جهته يرى الأديب اللبناني نصري سلهب أن نهج البلاغة لو عُرف في الغرب لأخذ مكانته بين أعظم المفكّرين هناك، شارحًا رأيه قائلًا: «لو قُدِّر لنهج البلاغة من ينقله روحًا ومعنى إلى بعض لغات الغرب، لأخذ عليٌّ مكانه بين أعظم المفكّرين الذين خاطبوا القلوب والعقول والضمائر»[29].

ونقل الأديب اللبناني أمين نخلة في مقدّمة كتابه: (كتاب المئة) إنه استمع في إحدى المرات من صديقه الأديب أمين الريحاني كلامًا له عن كتاب (نهج البلاغة)، معتقدًا أنه سيبهر الإنجليز في حالة ترجمته إلى لغتهم، ليس فقط سيثير إعجابهم أو دهشتهم وإنما سيبهرهم!

هذه بعض الانطباعات المميّزة والمتلاحقة حول كتاب (نهج البلاغة)، جاءت من أدباء كبار حاولوا لفت الانتباه إلى أهمية أن يُعرف هذا الكتاب عند الغربيين، لكي يأخذ الإمام مكانته اللائقة ومنزلته السامية في الأدب العالمي والفكر الإنساني.

رابعًا: من المرجّح أن الغربيين في هذه الأزمنة المعاصرة لم يتعرّفوا إلى تلك الأدبيات البديعة والمتلاحقة التي دوّنها الأدباء المسيحيون في المشرق العربي عن الإمام علي (عليها السلام)، فلا نجد ذكرًا لهذه الأدبيات ولا حضورًا في كتاباتهم وتأليفاتهم عن الإمام، لا تجاهلًا لها ولا تغافلًا على ما أظن، وإنما جهلًا بها، وعدم توفّرها مترجمة بلغاتهم.

ولو تعرّف الغربيون إلى هذه الأدبيات الناصعة والمنصفة لوجدوا فيها صورة للإمام لم يجدوها في مكان آخر، ولم يتعرّفوا إليها من قبل لا عند المسلمين ولا عند غيرهم، صورة قد تكون مفاجئة لهم أو بعيدة عن خيالهم، أو على أقل تقدير يمكن أن تثير دهشتهم، كما كانت مفاجئة لبعض المسلمين وأثارت دهشة الكثيرين منهم، وما زالت تثير دهشتهم حتى هذه اللحظة.

ليس عاديًّا على الإطلاق أن يجد الغربيون حبًّا وعشقًا وتعظيمًا وتبجيلًا قويًّا وحارًّا وعميقًا وسيّالًا يصدر من مسيحيين تجاه الإمام، وكأنهم يتحدّثون عن واحد من ملّتهم، عن عظيم من عظمائهم، أو حكيم من حكمائهم، أو بطل من أبطالهم، أو عبقري من عبقرياتهم، ويتّخذون منه قدوةً ومثالًا ونموذجًا عاليًا وساميًا ورفيعًا، يتفاخرون به أمام العالم ويتباهون!

ومن هم هؤلاء المسيحيون الذين قالوا في الإمام ما قالوا؟ إنهم أدباء كبار لهم شهرتهم ومكانتهم الأدبية والفكرية، يعرف الغربيون بعضًا منهم، يأتي في مقدّمة هؤلاء اللبنانيون: جبران خليل جبران ومخائيل نعيمة وشبلي شميل وأمين نخلة وفؤاد البستاني وبولس سلامة وفؤاد جرداق وجورد جرداق وسليمان كتاني ونصري سلهب وسعيد عقل وخليل فرحات وجورج شكور مع آخرين، ومنهم السوريون: عبدالمسيح الأنطاكي وأنطوان بارا، والأردني روكس بن زايد العزيزي، إلى جانب أسماء آخرين من هنا وهناك.

يكفي أن يتعرّف الغربيون إلى الإمام من خلال ما دوّنه هؤلاء الأدباء المسيحيون العرب الذين قدّموا لنا أفضل إرث يمكن أن نقدّمه إلى الغربيين حتى يتعرّفوا إلى الإمام من جديد، ولكي يكون الإمام اكتشافًا جديدًا لهم، وعندئذٍ سيجدون أنهم يتعرّفون لأول مرة إلى الصورة الناصعة للإمام، صورة لا تقارن بتلك الصورة التي كانت في أذهانهم، صورة عظيم كان مجهولًا لهم، وصورة حكيم لم يعرفوه من قبل، وصورة مثال يستحق أن يقدّسوه، وقبل ذلك وبعده صورة إنسان يسمو كمالًا بالإنسان!

* نشر في مجلة الكلمة العدد (105) ، خريف 2020/ 1441

.................................
[1] جورج جرداق، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، قم: منشورات ذوي القربى، 1323هـ، ص958.
[2] عبدالرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003م، ص503.
[3] كاتارينا مومزن، جوته والعالم العربي، ترجمة: عدنان عباس علي، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون و الآداب، 1995م، ص177-183.
[4] كاتارينا مومزن، المصدر نفسه، ص17.
[5] كاتارينا مومزن، المصدر نفسه، ص204.
[6] كاتارينا مومزن، المصدر نفسه، ص204.
[7] كاتارينا مومزن، المصدر نفسه، ص204-206.
[8] توماس كارليل، الأبطال، ترجمة: محمد السباعي، بيروت: دار الكتاب العربي، ص58.
[9] توماس كارليل، المصدر نفسه، ص73.
[10] جورج جرداق، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، مصدر سابق، ص958.
[11] جورج جرداق، المصدر نفسه، ص959-960
[12] جورج جرداق، المصدر نفسه، ص959.
[13] جورج جرداق، المصدر نفسه، ص960.
[14] مجموعة باحثين، حواريات الروح والدين، وقائع ندوة هنري كوربان الدولية، بيروت: معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية، 2005م، ص120.
[15] هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة: نصير مروة وحسن قبيسي، بيروت: عويدات للنشر، 2004م، ص101.
[16] هنري كوربان، المصدر نفسه، ص92-93.
[17] جرهارد كونسلمان، سطوع نجم الشيعة، ترجمة: محمد أبو رحمة، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1993م، ص6.
[18] جرهارد كونسلمان، المصدر نفسه، ص31.
[19] جرهارد كونسلمان، المصدر نفسه، ص35.
[20] يان ريشار، الإسلام الشيعي عقائد وأيديولوجيات، ترجمة: حافظ الجمالي، بيروت: دار عطية، 1996م، ص34.
[21] يان ريشار، المصدر نفسه، ص37.
[22] يان ريشار، المصدر نفسه، ص39.
[23] جورج جرداق، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، ص959.
[24] جورج جرداق، المصدر نفسه، ص960.
[25] بولس سلامة، عيد الغدير، بيروت: مطبعة النسر، 1949م، ص70.
[26] نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب، شرح الشيخ محمد عبده، صيدا - بيروت: المكتبة العصرية، 2001م، ص7.
[27] جورج جرداق، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، ص515.
[28] هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، مصدر سابق، ص94.
[29] نصري سلهب، في خطى علي، بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1973م، ص322.

اضف تعليق