شكّلت الشعبوية في أوروبا وأمريكا ظاهرةً مُهمة للدراسة والبحث، وما تزال تشهد رواجاً فكرياً وسياسياً في كلا القارتين، بتزامنها مع اجراءات جائحة كوفيد 19- وما سببته من تداعيات على الاقتصاد العالمي، إذ تؤمن هذه الحركات بعدم كفاءة النُخب التقليدية في تقديم الحلول المناسبة للواقع المعيشي، وهو ما يزيد من قوّتها السياسية والفكرية بمواجهة تلك النُخب على كافة المستويات، ولاسيما السياسية والاجتماعية؛ لأن التغيرات الاجتماعية والثقافية في أي مجتمع لا يمكنها أن تتحول إلى واقع سياسي إلى إذا وجدت دعماً شعبياً وجماهيرياً وسياسياً، يمكن من خلاله أن يكون قادراً على دفعها إلى الإمام.

فكيف سيكون مستقبل هذه الحركات بعد خسارة زعيمها العالمي الانتخابات الأمريكية الأخيرة في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الراهنة، ولاسيما مع الأزمة الكبيرة التي تسببت بها تلك الحركات وكوفيد19-، للفلسفة الليبرالية وسياسات العولمة؟

تُعرّف الحركات الشعبوية أكاديمياً بأنها: "مجموعةٌ اجتماعية تشعر بالتهميش والإقصاء مارسته بحقها النخبة السياسية التقليدية، على اختلاف توجهاتها (ليبرالي - محافظ، أو يمين – يسار)". وهذا التعريف لا يشمل الحركات الشعبوية في أوروبا وأمريكا فقط، وإنما في كل دول العالم. إذ تستثمر هذه الحركات، قضايا مهمة وحساسة، مثل قضية الهجرة و"الإسلاموفوبيا"، ومسؤولية النظام الاقتصادي العالمي عن تردي الواقع المعيشي لفئاتٍ بعينها، ليس على صعيد الخطاب السياسي، وإنما من أجل تقوية قواعدها الاجتماعية في الانتخابات الأوروبية القادمة، ولاسيما أن هذه الحركات ستحاول توظيف تداعيات جائحة كوفيد 19-، في زيادة رصيدها الشعبي بموازاة النُخب التقليدية والسياسات الحاكمة.

ويبدو بان مسألة غياب الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته عن المشهد السياسي العالمي قد لا تؤثر كثيراً أو تؤثر بشكل نسبي في موضوعة توظيف الأزمة. وبغض النظر عن حجم التأثير الذي سيتسبب به غياب ترامب عن الساحة السياسية العالمية، ودعمه اللامتناهي للحركات الشعبوية والقومية العالمية طيلة السنوات الأربعة الماضية، إلا أن المستنقعات، أو المسببات التي توّلد القومية الشعبوية، لم تجَفّف بعد، فمازال الكثير من الناس محبطين بسبب فقدانهم المتصور للوضع الاقتصادي والاجتماعي، ويشعرون بالتجاهل أو الإساءة من قبل ساسة السلطة، فضلاً عن ذلك، فأن أزمة كوفيد19- ضاعفت من هذه المخاوف، وزادت من مشاعر الاحباط واليأس، ليس في أمريكا وأوروبا فقط، وإنما في كل دول العالم.

وهذه المخاوف انعكست في كثير من الدول، ولاسيما في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، فعلى الرغم من خسارة ترامب، إلا أن هذه الحركات شهدت رواجاً فكرياً وسياسياً كبيراً، واستطاع الرئيس المنتهية ولايته أن يحصد أكثر من 72 مليون صوت من أصوات الأمريكيين، أي بمعنى أكثر مما حصل عليه في ولايته الاولى بفارق 4-7 ملايين صوت، وبنسبة مئوية 3.4، وهذا ربما يعطينا صورة أولية عن مستقبل الشعبوية العالمية، التي من المتوقع أن تشهد صعوداً دراماتيكياً في المواسم الانتخابية الأوروبية القادمة، ولاسيما في ظل التصدعات الاجتماعية، والتشوهات الفكرية التي اصابت الفلسفة الليبرالية والديمقراطية والاقتصاد العالمي.

واذا كانت عوامل الهجرة (الشرعية وغير الشرعية) من أهم العوامل الاجتماعية التي استغلتها الحركات الشعبوية في الانتخابات الغربية الماضية بين الأعوام (2016-2018)، فإن جائحة كورونا ستكون العامل السياسي والاجتماعي الأهم، الذي ستستغله هذه الحركات في المواسم الانتخابية القادمة في اغلب دول العالم، بل حتى الرئيس الأمريكي الحالي المنتهية ولايته دونالد ترامب، ربما يعيد ترشيحه للانتخابات الأمريكية القادمة 2024، وسيكون داعماً قوياً لهذه الحركات.

إذ استطاعت الشعبوية بين الأعوام 2016 – 2017، أن تتصدر المشهد، ولاسيما مع تنامي الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، جراء تصاعد العنف وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بعد أحداث ما يسمى بالربيع العربي. فنجد مثلا الضغط الشعبوي في أوروبا بلغ ذروته بين الأعوام 2016- 2019 بإعلان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والمنافسة الشرسة التي ابدتها مرشحة اليمين المتطرف في فرنسا ماريان لوبان، فضلاً عن المكاسب التي حققتها هذه الحركات في المانيا وهولندا والتشيك واسبانيا وبولندا.

ففي ألمانيا حقق حزب البديل لألمانيا انتصاراً تاريخياً في انتخابات 2017 التشريعية، بدخوله "البوندستاغ" الفدرالي للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، وفي التشيك، فاز حزب "آنو" المتطرف في انتخابات 2017، كذلك حقق حزب "الحرية" الهولندي بقيادة خيرت فيدز مكاسب سياسية هامة في انتخابات 2017 تتمثل بحلوله ثانياً في الانتخابات التشريعية. فضلاً عن فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية عام 2016، وصعوده المفاجئ الذي رّسخ من خلاله مفاهيم الشعبوية العالمية في السياسة الدولية.

وعلى الرغم مما اعطاه دونالد ترامب للتيارات اليمينية والقومية والشعبوية بشكل عام من دعم كبير أبان فوزه في الانتخابات الأمريكية عام 2016، إلا أنه كان سبباً في تراجعها؛ وذلك بسبب سلوكياتهُ السياسية الداخلية وسياسته الخارجية. فقد اتبع ترامب نهجاً يزعم من خلاله أنه يضع "أميركا في المقام الأول"، ويسحق على المعاهدات التجارية، ويسيء استخدام العقوبات في محاولة لمنح الشركات والعمال في الولايات المتحدة ميزة على حساب الشركات الأخرى، فضلاً عن خطابه المعادي للأجانب والمسلمين والأمم الأخرى، وخصامه مع بعض المؤسسات الأمريكية، وتشكيكه الدائم في نزاهة الانتخابات الأمريكية؛ لذلك من المرجح أن يؤدي غيابه عن الساحة السياسية العالمية في الفترة المقبلة، وتصاعد تداعيات جائحة كورونا إلى صعود أحزاب أخرى من هذا النوع على غرار التجمع الوطني في فرنسا، وحزب رابطة الشمال في إيطاليا، وحزب البديل من أجل ألمانيا، وحزب فوكس في إسبانيا.

فجذور الترامبية لا تبدأ أو تنتهي بشخص ترامب، أو حتى بالسياسة الأمريكية، فهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتيارات الاقتصادية والسياسية التي تؤثر على معظم أنحاء العالم، وهذا ما أكده دارون أجيموغلو (أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومؤلف كتاب الممر الضيق: الدول والمجتمعات ومصير الحرية") بقوله: "لا ينبغي أن يولّد موسم الانتخابات الجاري تفاؤلاً لدى أحدٍ بشأن المستقبل، لقد نشأ التحوُّل الاستبدادي والشعبوي لرئاسة ترامب من التصدُّعات العميقة في السياسة والمجتمع الأمريكيَّين، ولابد أن يفهم الأمريكيون هذا ويتعاملوا معه إذا أرادوا منع قوى شبيهة من الاستحواذ على الأمة مرةً أخرى".

فعلى المدى المتوسط ومع اقتراب الانتخابات في أكثر من بلد أوروبي، ربما تصّعد الأحزاب الشعبوية في تعبئة الرأي العام، مستغلةً الاحتجاجات المناهضة للسياسة الأوروبية، كحركة اصحاب الستر الصفراء، أو غيرها. وأن نجحت في استغلال الظروف الراهنة، ولاسيما الظروف السياسية والاقتصادية التي انتجّها وباء كوفيد 19-، ربما ستعّزز وجودها الأوروبي والعالمي بشكل غير مسبوق، وربما تشكل تهديد أكبر من ذي قبل على مستقبل الاتحاد الأوروبي بشكلٍ خاص. فمن غير المؤكد أو المعقول أن يؤدي غياب ترامب إلى انزواء أو تراجع تلك الاحزاب والحركات، ولاسيما أنها شكلّت حضوراً قوياً في بعض البلدان الأوروبية والعالمية، وترأست العديد من الهيئات التنفيذية وأصبحت تنشط حتى في المعارضة.

إلا أن الخطر الأكبر على الشعبوية، قد يكون من قبل الشعبوية ذاتها، فالسلوكيات وعدم الانضباط التي ابداها الرئيس ترامب، أو مناصريه أو اقرانه في القارة الأوروبية، أثرت بشكل أو بآخر على الشعبوية وردود الفعل الشعبية، وربما استفزت بعض طبقات المجتمع واستنفرت الآخرى، ولاسيما مع الانكشاف الذي تعرضت له هذه التيارات بعد تجربتها في الحكم.

ولهذا يمكن القول بأن مستقبل التيارات الشعبوية واليمينية بشكل عام، يتوقف على جهودها الذاتية العملية على كافة المستويات في مواجهة النُخب السياسية التقليدية والفلسفة العالمية التي تدير النظام العالمي منذ عقود؛ لكونها غير مرتبطة بالأشخاص، أو بشخص دون آخر، وإنما ترتبط بفكرة مناصرة القومية والدولة الوطنية والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية العالمية الراهنة.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق