تشكل في مشرق العالم العربي في ثمانينات القرن العشرين تصور جديد حول المفكر الجزائري مالك بن نبي (1322-1393هـ/1905-1973م)، قوامه المطالبة بالعودة إليه، وإعادة الاهتمام به، ليكون حاضرا في دائرة التذكر وبعيدا عن الخفاء والنسيان، وذلك لتميزه الفكري والحضاري من جهة، ورفع ما لحق به من تجاهل وتهميش من جهة ثانية، وحتى يأخذ موقعه الفكري اللائق به من جهة ثالثة.

نلمس مثل هذا التصور حين العودة إلى عدد من الكتابات والتأليفات المنشورة آنذاك، بما في ذلك بعض الأطروحات الجامعية التي تحدثت عن ابن نبي بدافع العودة إليه، وإعادة الاعتبار له، وكونه مفكرا لم يعط حقه من المتابعة والاهتمام.

تأكيدا لهذا التصور المشرقي الجديد، يمكن الإشارة إلى ثلاثة أقوال جاءت متعاقبة ومتقاربة ومتعاضدة، وبحسب تعاقبها الزمني هي:

القول الأول: أشار إليه الباحث اللبناني الدكتور أسعد السحمراني الذي اختار مالك بن نبي موضوعا لرسالته في الدكتوراه، ناقشها ونشرها في بيروت سنة 1984م، حملت عنوان: (مالك بن نبي مفكرا إصلاحيا)، ومن دواعي اختيار هذا الموضوع ذكر السحمراني قائلا: (لم يلق مالك بن نبي الاهتمام الكافي من الدارسين، مما حرم جيلا من شعبنا من الاستفادة بفكره ومشروعه الاصلاحي، إنه من الصعب، لا بل من النادر أن تجد ذكرا له في الكتابات المتعددة والمتنوعة، أو أن تقرأ لكاتب أعطاه بعضا من حقه، لقد كان اختيارنا للموضوع توخيا للفائدة، وإبرازا لأسس المشروع الإصلاحي عند واحد من المغمورين).

القول الثاني: أشار إليه الباحث المصري الدكتور سليمان الخطيب الذي اختار كذلك ابن نبي موضوعا لرسالته في الدكتوراة ناقشها في القاهرة سنة 1988م، ونشرها سنة 1993م، حملت عنوان: (فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي.. دراسة إسلامية في ضوء الواقع المعاصر)، وفي مقدمة دواعي اختيار هذا الموضوع ذكر الخطيب قائلا: (إن هناك ما يمكن أن نطلق عليه مؤامرة الصمت والتجاهل تجاه فكر مالك بن نبي ونشره في ربوع العالم الإسلامي... وأن النخبة المثقفة في العالم الإسلامي لا تعرف إلا القليل من فكر مالك وإسهاماته الثقافية، فما بالنا بالقاعدة الشبابية التي تجهله كلية).

القول الثالث: أشار إليه الباحث اللبناني الدكتور وجيه كوثراني في مقالة نشرها سنة 1990م بعنوان: (لماذا العودة إلى مالك بن نبي؟ الذاكرة والنسيان والتواصل في المشروع العربي الإسلامي)، رأى فيها أن (مالك بن نبي في فهمه وتمثله للثقافة الإسلامية في أبعادها الإنسانية والعالمية، لم ترق لا لمثقفي التيار القومي، ولا لمثقفي التيار الإسلامي آنذاك، فبقيت محاصرة أو على هامش الفعل السياسي. وأن مالك بن نبي لم يقرأ جيدا وبموضوعية لا في زمن فكره، زمن ثورات العالم الثالث القومية والوطنية، ولا في الزمن اللاحق زمن الثورات الإسلامية والصحوات الإسلامية الجديدة).

هذا التصور الذي عبرت عنه هذه الأقوال الثلاثة، ظل ساريا يتردد في العديد من الكتابات والتأليفات الأخرى التي تحدثت عن ابن نبي في تلك الفترة وما بعدها، وقد كنت طرفا فيها حيث نشرت كتابا عن ابن نبي سنة 1992م بعنوان: (مالك بن نبي ومشكلات الحضارة.. دراسة تحليلية ونقدية)، نبهت فيه إلى مثل تلك الأقوال، واعتبرت أن الكتاب جاء متصلا بهذا السياق ومتناغما معه.

في تسعينات القرن العشرين بدأ الاهتمام بمالك بن نبي وفكره يتحسن ويتصاعد نسبيا، متفارقا كليا عن الحقب الثلاث السابقة، الستينات والسبعينات والثمانينات ومتميزا عنها، وتغير الوضع كليا خلال العقدين الآخرين من القرن الحادي والعشرين، فقد شهدنا طفرة كبيرة ظلت متصاعدة على مستوى الكتابات والدراسات والأطروحات المنشورة عن ابن نبي، وحتى على مستوى الأعمال والأنشطة الأخرى مثل الندوات والمؤتمرات والحلقات الدراسية، طفرة قلبت صورة التصور السلبي السابق، وغطت على الحقب الماضية.

في هذه الطفرة أصبح ابن نبي موضوعا لكثير من الكتابات والتأليفات والأطروحات التي توالت وتراكمت، ومازالت متواصلة، ممتدة من مغرب العالم العربي إلى مشرقه، عابرة إلى بلدان إسلامية أخرى مثل: ماليزيا وإندونيسيا وتركيا وإيران، مسجلة حضورا قويا ومتصاعدا لابن نبي لا يقارن ولا يقاس بما كان عليه في السابق.

بهذه الطفرة دخل ابن نبي في طور فكري جديد، يمكن أن يؤرخ له بوصفه الطور الذهبي لابن نبي وخطابه الفكري، فقد أصبح مقروءا ومتابعا ومستكشفا، ومتفوقا من هذه الجهة على كثيرين علماء ومفكرين سابقتين له ولاحقين، وباتت أفكاره ونظرياته حاضرة في الدرس الجامعي، ومتداولة في الحقل الأكاديمي، ونشطة في البحث الفكري، ولم تعد أفكاره مهجورة أو مهملة، فلا شكوى من هذه الجهة ولا عتاب.

مع ذلك لم يجر الالتفات إلى مثل هذه الطفرة بوصفها حدثا فكريا، فلا ذكر لها، ولا حديث عنها، بخلاف ما كان عليه الوضع السابق المعاكس لهذه الحالة، الذي تم الالتفات إليه والتطرق له بعناية، منبعثا من أصوات متعددة مغربية ومشرقية.

يفترض من هذه الطفرة الكبيرة، بهذا المدى الزمني الذي يتخطى العقدين، أن تولد لدينا شعورا جديدا، مآله البحث عن طور جديد في التعامل مع ابن نبي وخطابه الفكري، طور له هذه المرة سمة النقدية، موصوفا بالطور النقدي، نتأمل منه تغيير طريقة التعامل مع ابن نبي وخطابه الفكري، وذلك بعد أن تخطى وضعية التجاهل والتهميش في طور، وعبر وضعية الانكشاف والمقروئية في طور آخر، فلا يصح الانتشاء بهذا الوضع والجمود عليه، كما لا يصح اعتباره خاتمة المطاف، وإنما هو طور يفترض أن يعقبه طور أنضج منه نطلق عليه الطور النقدي.

يأتي هذا الطور النقدي لكي يجيب عن سؤال مآله أن يطرح في وقت من الأوقات قريبا أم بعيدا، مفاده: ماذا بعد أن تحققت لدينا هذه المعرفة الواسعة عن ابن نبي وخطابه الفكري؟ فهل اكتملت المهمة وقفلت وانتهت فلا عقب لها ولا لاحق؟ أم أن هناك سؤالا يطرح في مثل هذه الحالات هو: ماذا بعد؟

ما نريده من الطور النقدي هو أن نتمم ما بدأه ابن بني، ونضيف إليه، ونتواصل معه بطريقة اجتهادية فعالة، لا أن نقف عنده ونجمد عليه، ونظل نجتر أفكاره ونكررها ونعيد إنتاجها بطريقة جامدة تكرس فينا روح التبعية والتقليد، فقد بقينا نُعرف بابن نبي ونعيد التعريف به كما لو أنه كان مجهولا أو غامضا أو مبهما أو يصعب التعريف به، حدث ذلك حتى بعد التعريف به.

نريد من الطور النقدي تأكيد الحاجة إلى ابن نبي من جديد، وفق رؤية تنظر إلى الأمام، وتستلهم روح الاجتهاد، ولا نعني من الطور النقدي توقف الحاجة إليه، أو الاستغناء عنه، وجعله من الماضي المنسي والمتروك، فلا خشية من هذه الناحية ولا حرج، فابن نبي الذي اتخذ من مشكلات الحضارة فلسفة له، وجعل منها عنوانا جامعا وناظما لجميع مؤلفاته، مازالت الحاجة إليه تتأكد، وإلى هذا الأفق الحضاري الذي نظر له، وبقي مسكونا به.

ونريد من الطور النقدي أن نتوغل بعمق لاستكشاف ابن نبي أفكاره ونظرياته، لا أن نقف عند حدود السطح، ونكتفي بالظاهر، وننشغل بالشرح، وكأننا لا نحسن إلا هذا النمط من الأعمال السهلة والكسولة، ولا نقوى على الأعمال التي تتطلب جهدا وصبرا واستكشافا واجتهادا، وهذا ما يصدق على قسم غير قليل من الأعمال التي صدرت عن ابن نبي في طور الطفرة المذكورة.

وقد كانت لي محاولة في هذا الشأن، جاءت في سياق البحث الاستكشافي عن ما وراء أفكار ابن نبي، وجدت فيها بعد التوغل والتبصر أن هناك تشابها أو تماثلا قويا بين العناصر الأربعة للثقافة عند ابن نبي، وبين العلل الأربع عند أرسطو، فالمبدأ الأخلاقي الذي يعنى بالدوافع والغايات ويمثل العنصر الأول للثقافة عند ابن نبي، يتماثل تماما مع العلة الغائية التي تعنى بالدوافع والغايات عند أرسطو. والذوق الجمالي الذي يصوغ أو يحدد صورة المبدأ الأخلاقي عند ابن نبي، يتماثل مع العلة الصورية التي تحدد صورة الشيء ومظهره الخارجي. والمنطق العملي عند ابن نبي يتماثل مع العلة الفاعلية، والتوجيه الفني أو الصناعة عند ابن نبي يتماثل مع العلة المادية. وهذا ما شرحته موثقا في كتابي: (المسألة الثقافية.. من أجل بناء نظرية في الثقافة) الصادر سنة 2004م.

وفي وقت لاحق وجدت محاولة أخرى تتصل بهذا المنحى الاستكشافي، أبان عنها الباحث الجزائري محمد شوقي الزين في كتابه: (الثقاف في الأزمنة العجاف.. فلسفة الثقافة في الغرب وعند العرب) الصادر سنة 2014م، قارب فيها بطريقة تماثلية بين عناصر نظرية الحضارة عند مالك بن نبي وهي: (الإنسان والتراب والوقت ومركب الفكرة الدينية)، ونظرية الناقد الفرنسي هيبوليت تين (1828-1893م) المكونة من أربعة عناصر هي: (العرق والوسط والتراب والاستعداد الأخلاقي)، ومن الراجح في نظر الزين بعد التقصي أن يكون ابن نبي قد استفاد من نظرية تين، وعدلها حسب ما تقتضيه الحاجة النظرية ليطبقها على العالم الإسلامي.

نحن بحاجة إلى هذا النمط من الدراسات التي تتسم بالتوغل والتبصر والتنقيب، وتتجلى فيها الروح الاستكشافية، والتخلي عن ذلك النمط من الدراسات التي تتسم بالتكرار والاجترار والشرح، وتتجلى فيها روح التبعية والتقليد. وهذا ما يدعونا إليه ابن نبي نفسه، الذي طالما حفز العقل المسلم على الفاعلية، ومن شدة تمسكه بهذه الكلمة عدت من قاموسه الاصطلاحي.

وفي وقت سابق نبهت لمثل هذا الطور النقدي، حين شاركت في مناسبة دولية حول ابن نبي عقدت في مدينة تلمسان غرب الجزائر سنة 2011م، نظمتها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية بعنوان: (مالك بن نبي واستشراف المستقبل.. من شروط النهضة إلى شروط الميلاد الجديد)، ومن جملة ما ذكرته في مفتتح كلمتي في هذا الملتقى الدولي، التأكيد على أمرين هما:

الأمر الأول: كيف نقرأ مالك بن بني ثقافيا اليوم؟ بمعنى أننا بحاجة إلى قراءة ثقافية جديدة لابن بني، تلبي حاجاتنا اليوم، وتستجيب لمطالب عصرنا، وبهذه الطريقة نعيد الفاعلية والتجدد لأفكار ابن نبي.

الأمر الثاني: كيف نتمم ما بدأه مالك بن نبي ثقافيا؟ أي أننا بحاجة إلى الانتقال من منطق الشرح والتعريف إلى منطق التكميل والتتميم، هذا هو التحدي الذي ينتظرنا!

وختمت مشاركتي بتساؤل مزدوج كنت حريصا على إثارته ولفت الانتباه إليه، هو: أين مالك بن بني بعد مالك بن نبي؟ وكيف نولد مالك بن نبي من رحم الخطاب الثقافي لمالك بن نبي؟ بعد تقديم هذه المشاركة وجدت استحسانا من الحاضرين، وتأييدا لما طرحته وأثرته من أفكار وتساؤلات.

تباشير الطور النقدي في التعامل مع ابن نبي وخطابه الفكري بدأت تظهر تدريجيا في كتابات وتأليفات متعددة ومتفرقة، أخذت تغلب الحس النقدي، والنظر الاستكشافي، هذه الأعمال سيكون لها حظ في الاتساع، وفرصة في التداول، وسوف نجد من يؤرخ لها منتسبة لهذا الطور النقدي الجديد.

* الأستاذ زكي الميلاد، باحث في الفكر الإسلامي والإسلاميات المعاصرة-رئيس تحرير مجلة الكلمة
http://www.almilad.org

انقر لاضافة تعليق