مرة تخيلت نفسي في هذا المنصب، ولا حرج في الخيال، فليس بوسعنا نحن الفقراء سوى أن نحلم ونتخيل، أخشى اعتراض المتنفذين على خيالاتنا، وربما يحاسبون من يذهب بهم الخيال بعيدا، فلا أظنهم يقنعون بقولي: ان الانسان بلا خيال يموت، ويتوقف عمله، ويتلاشى أمله، زعلوا ام رضوا، استسلمت لأخيلتي، فرأيت ما لم أره من قبل...

أول مرة نسمعها، لم يتجرأ أحد على قولها، لكنه قالها، وبذلك اختلف عن جميع الذين اعتلوا كرسي الرئاسة الوثير، فخلف خطاباتهم الرنانة، اختبأ تردد عن المواجهة، وحرص على النفس، وطمع في المغانم، وزهو بما هم فيه، قالوا كل شيء، من على المنابر الأنيقة، ومن خلف الجدران، الزائف منه والصحيح، لكن أيا منهم لم يبد استعدادا للتضحية بالنفس، الى أن قالها الكاظمي في جلسة مفتوحة أمام الملأ، وكشف بهذا القول مستورا، وينتظر العراقيون له تجسيدا، ويأملون رؤية الفاسدين وقتلة الأبناء واقفين أذلاء أمام المحاكم، لتبرد حرقة قلوبهم، نعم يا سيادة الرئيس ما أحوجنا لمن يضع العراق قبل النفس، فبدونه الجميع لا شيء، وعندها لن ينفع البكاء كالنساء ملكا مضاعا.

مرة تخيلت نفسي في هذا المنصب، ولا حرج في الخيال، فليس بوسعنا نحن الفقراء سوى أن نحلم ونتخيل، أخشى اعتراض المتنفذين على خيالاتنا، وربما يحاسبون من يذهب بهم الخيال بعيدا، فلا أظنهم يقنعون بقولي: ان الانسان بلا خيال يموت، ويتوقف عمله، ويتلاشى أمله، زعلوا ام رضوا، استسلمت لأخيلتي، فرأيت ما لم أره من قبل.

تلفّت يمينا ويسارا فوجدت الأضواء ساطعة، وأرضية القاعة لامعة، وكأنها مرآة، قهقهت بصوت عال، فاذا بالحرس قبالتي بقيافة مهذبة، وبندقيته ليست على الكتف كما كنا نحملها في الأيام السود، بل بين أحضانه، أومأت له بالانصراف، كنت متخما، فعشائي دسم، وأنا شره بطبعي، وفي كل مرة تؤلمني فيها معدتي، اقسم أن تكون وجباتي خفيفة، لأبدوا رشيقا في حركاتي أمام الوزراء، واوحي بالنشاط للكاميرات، لكني دائما أحنث بيميني، فالأكل مغر، وانا ضعيف أمام اللحوم الحمراء.

قلت مع نفسي كيف احافظ على غنيمة المنصب؟، فسمعت صدى كلماتي يرتد، قل: نعمة المنصب يا رجل، لم أتأمل بمضمون الصدى، وأجبت نفسي، يجب أن أرضي جميع المشاركين في المسيرة، الشعب مقدور عليه، وألا أكون عقبة كأداء في طريق مشاريعهم المالية، فهم طماعون، ولابد من استثمار هذا الطبع، اعتراضي طريقهم يعني فقداني دعمهم لرئاسة الحكومة في القادم من السنوات، بل حرماني حتى من المناصب الخاصة، فكتلتي لوحدها عاجزة عن ذلك.

ثم من يحميني اذا فشلت في الانتخابات، أظنهم سيطاردوني، ولن أسلم منهم الا بمغادرة البلاد، وحتى لو غادرت، فمنهم من له ارتباطات بهذه الدولة او تلك، وقوفي ضد مصالحهم يعني اغتيالي، لديهم أذرع متخصصة في هذا الشأن.

المكان أخضر برغم سعته، ولذة السلطة تحت لساني، لذا عليّ عدم المجازفة بالخروج منه، الذين قبلي كانوا هكذا، حتى وصفوا بالنيام، لا حاجة لتفقد مصالح الشعب، جيوشي الالكترونية وبعض وسائل الاعلام كفيلة بتلميع شخصيتي بقليل من الدولارات.

يقولون: عليك اتخاذ الشعب ساترا، الوحيد الذي يحميك من الفاسدين والعملاء والمقاولين، واذا مت اغتيالا ستصير بطلا وتشغل الصفحة الأولى من التاريخ، وكلنا نموت، ان اليوم او غدا. والأغلب ستنتصر، ومن تخشاهم ستراهم على غير التوقع، ستضحك من كل قلبك، بعضهم سيخر راكعا، وآخرون لا ترى منهم سوى غبار أقدام الفرار، وفي لحظة الانتصار سيرفعك الناس فوق الرؤوس.

كلام جميل، لكني لم اقتنع به، فشراهتي لم تعد مقتصرة على الأكل، بل صرت شرها على المال والسلطة والوجاهة، سأطلب من الذين يعرفهم الجميع حمايتي، بأيديهم كل شيء. فلا أحلى من المنصب.

في هذه الأثناء سمعت صراخا ولغطا خارج القاعة لم اميزه، التفت خلفي فاذا بحشود تهاجمني يتقدمهم حرسي، أمسكوا بتلابيبي، سحبوني باتجاه الباب، فأفقت.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق