تقديم: هنالك معلومة فلسفية تداولية تذهب الى ان الكليّة بالصفات والجوهر ليس هي محصلة مجموع صفات اجزائها. وان صفات الكل المستحدث من تجميع اجزائه لا يشترط به التعبير عن مجموع صفات اجزائه التكوينية له. وهذا يعطينا قاعدة صلبة مبدئية نعتمدها هي أن الماهية ليست ناتج مجموع صفات الافكار المجردة. كما أن تجريد الأفكار الصفاتية حول الشيء لا يمنحه ماهيته.

جون لوك والماهية

ويذهب جون لوك في التماهي الفلسفي مع ارسطو" أن الافكار البسيطة الخاصة بالاحساس والتاويل الذاتي هي المصادر الاساسية لكل معرفة بشرية، وأنه لاشيء بمنجى عن التغيير الا الله خالقها، ويضرب مثلا لذلك ان العشب الذي يتغذاه الحيوان يصبح لحم ضأن يتغذاه الانسان، (1) فاللفظة الشيئية لا تعطي معناها الحقيقي المستقل في الدلالة لمعناها كونها الشيء ولغة التعبير عنه هما حالة من الصيرورة الدائمية المستمرة بالتغيير.

كما يذهب جون لوك أن ماهية الشيء كجوهر هو ناتج صنع عملية تجميع افكار يختزنها الذهن ويتولاها التفكير بالتنسيق المنظم، لتصبح بعدئذ جوهرا أو ماهية. هنا لوك لا يعطينا صفة الجوهر هل هو مادي أم هو مثالي لعدم امكانية الاستدلال الحسي المدرك له منهجيا؟ جون لوك يدخلنا بالاشكالية هل الجوهر موجود في الشيء المدرك أم هو أفتراض غير حقيقي تنوب عنه معرفيا مدركات صفاته الخارجية؟

من منطلق مقبول من الناحية النظرية بسبب عدم المجانسة بين ماهية الشيء كجوهر اكتسب تجلياته الثابتة، عن الماهية التي هي تجميع الفكر في الذهن المجرد الذي يقوم لاحقا بتخليق ماهو متعيّن مدرك بوسائل من التجريد الفكري الذي يتمثل في اللغة كجوهر. نجد لزاما علينا تاكيد أن الصفات لا تنوب التعريف عن الماهية، وان تشكيلات الذهن التفكيرية التجريدية التصورية لغويا لا تصنع ماهيات يمكن ادراكها كمتعينات موجودية.

التساؤل الذي يلازم الماهية أو الجوهر الذي هو نتيجة تصنيع التفكير الذهني له حسب جون لوك هو هل يكون جوهرا ماهويا يمكننا ادراكه ماديا؟ بمعنى كيف يمكننا تمرير مفارقة أن ينتج عن ما هو فكري تجريدي ما هو مدرك كجوهر مادي؟ أي وهنا المفارقة هل بمستطاع الفكر خلق موجودات ذهنية يترتب عليها ادراكنا الحسّي لها بما تعبر عنه اللغة لتلك الموجودات ؟، وهذه مفارقة عويصة لا يمكن حلها بالكلمات ولا بتجريد اللغة. كون تعالق ما هو فيزيائي بما هو لا فيزيائي منتج عنه حسب لوك معدوما بما لا قدرة معرفية متوفرة كيف يحدث مثل هذا التعالق التخليقي بينهما في حال تحققه فعلا بين ماهيتين غير متجانستين لا بالجوهر ولا بالصفات؟.

لنتجنب الخوض في ماهية المادة غير العاقلة في استحالة تخليق الفكر لها كمادة تدرك بمواصفات مادية فتناقضهما المتضاد الصارخ بينها وبين الفكر التخليقي الذهني لا يمكن الموائمة بينهما ولا يتقبلان التسوية التلفيقية بينهما حينما نجعل من التفكير الذهني بماهية معدن مثل الحديد يكون شيئيا لموجود مادي مستحدث بالفكر المجرد ذهنيا.

فماهية وخصائص الافكار التجريدية عاجزة عن خلق وايجاد مدركات عقلية لا يجانسها التجريد. وما ينتجه الفكر التجريدي يلزم وينتج عنه بالضرورة تجريد يجانسه وليس مادة تناقضه بالماهية والصفات. كما ان خاصية اللغة التجريدية تجعل من الافكار المعبّرة عن الاشياء فيزيائيا لا تتعدى قدرة توصيف الصفات الخارجية للشيء ويتعذر على اللغة والفكر تماما التنويه الى الماهية وخصائصها الذي اكتفت اللغة التعبير عن صفاته فقط.

ماهية الانسان معطى أم مكتسب؟

اذن لنركز مناقشتنا على مفهوم ماهية الانسان الاكثر مرونة من حيث أن ماهية الانسان حسب اتفاق العديدين هي مجموع صفاته الخارجية والا لما كان يدعى ماهية مستقلة أو متحدة مع صفاتها التكوينية لها، وهذا يترتب على أن الانسان وجود مواصفاتي يدرك وجوده بصفاته الخارجية فقط ولا يمتلك كينونة ذاتية خاصة به كنوع يمتلك جوهر مستقل، ولا يمتلك جوهرا يعارض مواصفاته الخارجية أو يتناسق معها أو يندغم بها تداخليا؟ وهو ما يجب مناقشة اخطائه.

هنا لا يمكننا تمرير أن الانسان كينونة بلا جوهر لا يدركها العقل وليس بمستطاع التفكير الذهني خلق ذلك الجوهر ولا صنعه. فمثلا كيف يمكننا تمرير أن الانسان كينونة وجودية لا تمتلك ذاتيتها الماهوية الخاصة بها كنوع؟ الانسان كينونة ماهوية لا يمكننا ادراكها كليّة في ادراكنا الصفات الخارجية لهذه الكينونة الفارغة من جوهرها الماهوي حسب ما يذهب له البعض.

الصفات التي لا تحجب خلفها ماهية تكون صفات زائفة لا يمكن ادراكها. والانسان بلا ماهية هو كينونة فارغة لا وجود لها ولا يتعين وجودها بالصفات فقط. الصفات التي لا تحوي جواهرها الماهوية داخلها تكون صفات عابرة سطحية لا اهمية لها.

من الاقرار المسبق الذي لا يمكننا تجاوزه أن ماهية الانسان أو جوهره الكينوني الذاتي ليس ماديا، فالماهية عند الانسان هي كينونة كليّة لا يمكن ادراكها كصفات وابعاد بيولوجية – نفسية يمكن ادراكها في كليّة موجودية موحدة، والا اصبحت ماهية الانسان موضوعا مدركا للعقل من غير الفرد حاملها، أي تكون ماهية كل شخص موضوعا مدركا من قبل غيره من الافراد الذي يشاركونه بعض صفات النوع بيولوجيا ويختلفون معه بالماهية فلكل فرد ماهيته الخاصة به التي لا يدركها غير حاملها. فالماهية عند الانسان هي وعي ذاتي يعي كينونته الوجودية المتمايزة عن غيره بنفس وقت ادراكه الموجودات الشيئية وغير الشيئية من حوله.

ماهية الفرد ليست ماهية جماعية متجانسة بالنوع كخاصية مشتركة يشترك بها كل الناس وتحمل معها نفس الخصائص بالصفات، وانما الماهية هي تصنيع ذاتي انفرادي لا يدركه ولا يعيه سوى صاحبه، والماهية ثابتة في تلازمها الانسان على العكس من الصفات الدائمة التغيير والتحولات السيرورية. بفعل حقيقة الفرد وجود في مجتمع لا يعرف الثبات.

اذن نخلص الى أن جوهر الانسان غير (مادي) لأنه ليس مدركا للعقل ولا موضوعا متعينا لتفكير الذهن به. وهذا يقودنا الى مجاراة جون لوك بالخطأ الذي أعترضنا عليه قبل اسطر مقولته المستتنتجة منه أن الماهية هي تفكير الذهن المستمر في تخليق العقل لموضوعه المادي أو غير المادي الذي كان عدما قبل التفكير به كموضوع ادراكي ذهني مجرد. وانه لا وجود لعالم خارجي خارج ادراك وتصورات العقل له.

فكيف نوائم بين ماهية الانسان كمنتج ذهني لا يدركه العقل وبين من يرفض أن يكون للانسان ماهية تدرك بمعزل عن ادراك صفاته التي هي ماهيته، ولا وجود تفريق يضع حدودا بين صفات الانسان وماهيته، فالصفات ثبات مدرك والماهية افتراض وجودي غير متحقق منه ادراكيا. ومن الخطأ القول أن ما يعجز العقل ادراك ماهيته يكون بالضرورة السببية لا يمتلك ماهيته. وعدم ادراك العقل لاشياء لا يعني عدم وجود تلك الاشياء.

الماهية والخيال

ربما يردنا أعتراض وجيه هو أن موضوعات الخيال عند الانسان هي ليست متعينات مادية يدركها العقل يقوم تفكير الذهن باستلامها من الذاكرة او من مصدر اللاشعور ويقوم بتخليقها كمواضيع قابلة للادراك العقلي كما في ابداعات الاجناس الادبية والفنية، فهي تخليق مادي بوسائل فنية مجردة وهي لا تحمل مواصفات موجودات المادة بما هي مدرك متعيّن بصفات المادة غير العاقلة؟ وبهذه الآلية تكون الافكار المجردة الخيالية لها قابلية تصنيع ما هو مدرك ماديا وهي قبل تفكير الذهن المجرد بها ليست تكوينا يدركه العقل تجريدا.. من المهم التنويه هنا أن اجناس ابداعات جماليات الفنون التشكيلية واجناس الادب هي افكار تخاطبية تعتمد تجريد اللغة كصفات توحي بها الوان ومحتويات اللوحة الفنية مثلا قبل أن تكون منتجا ماديا تداوليا كسلعة تباع وتشترى.

الادب والفن ليسا ماهيات مدركة بل هي صفات تكوينية يدركها كل متلق فاللوحة مثلا لا تحمل ماهية غير مدركة وكذا الرواية أو القصيدة. اللوحة مدرك صفاتي يحمل لغته التخاطبية التي تحجبها الصفات من ألوان وفراغات وخطوط وحجوم، ولا تحمل ماهية من الممكن افتراض وجودها من عدمه.

هل من المتاح لنا اعتبار لغة الكمون الخفّية في اللوحة هي ماهيتها؟ ولغة التعبير في الاجناس الادبية هي ماهيات تلك الفعاليات الفنية؟ احتمال وارد نحاول توضيحه اكثرلاحقا .. وقبل البدء نقول أن مجموع صفات الشيء لا يعني تحقق تكوين ماهيته، واللغة التي هي عماد الاجناس الادبية، واللغة المضمرة في جماليات اشكال التعبير الفنية لا تمثل ماهية للاشياء بل تمثل خصائص فنية لغوية اسلوبية من تعبيرات الفكر.

اللوحة تحمل لغة ادراكية محتجبة خلف صفاتها والا ما كان للعقل البشري ادراكها جماليا. فادراك العقل للالوان والكتل والخطوط باللوحة لا يعني لغتها البائنة المدركة بل لغة الايحاء التاويلي التي لا يدركها العقل مباشرة في اللوحة ويتذوقها تأمليا ممكن أن تمثل ماهيتها التي يدركها كل شخص بمعزل عن ادراك الاخر.

لعل العثور على جواب هذه الاشكالية توضحها السطور التالية بعدها. لكن جوابنا السريع هو ان الفكر الخيالي لا يخلق ماديات مواضيعه لأنه يبقى تجريدا بالذهن المفكر، فتفكير الخيال يعطينا مدركات صفاتية لمواضيع لا تمتلك ترجمتها التامة الحرفية على انها تحمل معها ماهيات وجواهر تحتجبها الصفات الخارجية في مواضيع الخيال.

في حين ان ماهية كل كائن حي الذي يمتلك احساسا ادراكيا انما تكون موضوعا افتراضيا داخليا يتعذر ادراكه المباشر كما يجري الحال مع ادراكنا صفات الموجودات الخارجية وعجزنا ادراك ما تختزنه هذه الصفات بداخلها وفي احشائها من ماهيات جوهرية. بتعبير كانط الفينامينالوجي هو الوجود بذاته. الفلسفات المادية تذهب الى أن معرفة الصفات الخارجية المدركة هي ذاتها الماهية المختزنة المحجوبة خلف الصفات، ومن العبث التفتيش عن جواهر افتراضية لا يمكن التحقق الادراكي من وجودها. ومعرفة الصفات الخارجية للاشياء هي معرفة ماهياتها ولا فرق بين صفات الشيء وماهيته. لكن هذا يحمل الكثير من المناقشة.

هل ماهية الانسان مادة أم فكرا؟

الماهية أو الجوهر الانساني المترسّب في قاع الهوية الذاتية، أنما هو بنية تكوينية يصنعها الانسان بنفسه باستقلالية انفرادية وليست معطى فطريا ولا هبة الهية. عليه تكون الماهية عند الانسان تراكم خبرة معرفية يستمدها الفرد على شكل افكار مدركة منبعثة عن مؤثرات خارجية تحيط الانسان. وهي ليست مادة بمعنى اتاحة ادراكها بمتعينات وابعاد مستقلة انطولوجيا فيزيائيا.

من المهم تفريقنا أن الافكار تجريدات لغوية لا فيزيائية محددة بصفات مدركة وبامكانها تخليق (مواصفات) متجانسة معها بالتجريد، ويتعذر عليها خلق (ماهيات) لا يدركها العقل لا بالانسان من غير نوعه ولا بالموجودات من غير نوعها ايضا. حتى في حال توافر المجانسة الصفاتية بين الفكر كتجريد وبين الماهية الناتجة عنه كتجريد مطابق له غير مدرك. رغم الاقرار أن ماهيات الاشياء لا تطابق صفاتها الخارجية مطلقا. والا لما كان هنالك سببا في التفريق بينهما على صعيد المصطلح.

من الامور التي تجعلنا نرتاب في الفلسفات المادية حين ترى بالصفات الخارجية المدركة ماهية كافية ولا اختلاف بينهما لأنه لا وجود لاحداهما بالانفصال عن الاخرى. نقول ما يجعلنا نرتاب الاخذ بهذا الاستنتاج وهو صحيح في جاهزيته هو كيف يمكننا التحقق من عدم وجود ماهيات تحتجب خلف الصفات الخارجية للاشياء لا يمكننا ادراكها؟ أن عدم ادراك الشيء لا يلغي وجوده الحقيقي ولا وجوده الافتراضي. عليه يكون الخطأ في النظرة المادية أنها تجد في مدركات الصفات الخارجية للشيء هي ماهيته المتحققة عنه، وليس هناك ماهية طالما يعجز العقل ادراكها ومعرفتها.

الماهية تصنيع فيزيائي مجرد غير مدرك تخلقه توصيفات الذهن الفكرية المجردة المتداخلة مع الخبرة الواقعية للمحيط. وليست الماهية التباسية غامضة بسبب عدم امكانية العقل ادراكها النابع من طابعها التجريدي كونها حصيلة افكار مجردة، وليست حصيلة عناصر مادية في بنائها الماهوي عند الانسان.

مثلا حين نقول ضمير نقصد به ماهية وجودية داخل الانسان لا يمكننا ادراكها لكننا نستدل على دلالاتها المادية وغير المادية الناتجة عنها، علما أن الضمير لوحده منفردا لا يمثل الماهية الكليانية للانسان. ومن المتعذر اكثر البحث كيف يتشكل ضمير الانسان بنفس تعذر وقوفنا على كيفية تشكل الماهية عند الانسان.؟ وماهي العناصر التي تتكون منها؟ لاننا لا نستطيع ادراك ماهيته الحقيقة بالادراك، ومثله الزمن، المكان، الحب، العاطفة، الوعي، الهواء، وغيرها من مفردات (مفاهيم مطلقة) تلعب دورا ماهويا نافذا في حياتنا لكنا لا نستطيع تحديد وجودها ولا معرفة تكويناتها.

الماهية الانسانية تبقى تجريدا فكريا لمدركها العقلي ولا تكون موضوعا ماديا يمكن أدراكه. وفي حال اقرارنا أن الماهية مادة هي ناتج مدركات فكرية انما نكون اقتربنا من وحدة متناقضات المثالية بالضد من المادية .. المادية تجعل من صفات الشيء المدركة خارجيا هو ماهيته الداخلية التي لا تدرك ايضا، وليس هناك من جواهر تحتجب خلف صفات عصّية على الادراك. وبمعنى مقارب تلتقي المثالية معها، لكن يبقى التساؤل الذي تستعصي الاجابة عليه من الطرفين المادي والمثالي، أن عدم ادراك الماهية لا يعني ولا يلغي احتمال وجودها بالاشياء أو امكانية البرهنة على ابطال فرضية وجودها برهانيا سببيا بمنطق يقبله العقل.

والمادية تذهب الى أن تراكم الخبرة المعرفية يتخلق وينبثق عنها ماهية من نوعها تشترك معها بالصفات وتجانسها الادراك الذي هي جوهر ماهوي ايضا. وقانون الجدل المادي الديالكتيكي يذهب الى أن كل تراكم كمي يقود الى طفرة نوعية مستحدثة عن ذلك التراكم الكمي بعد توفر الشروط الذاتية والموضوعية التي تساعد على انبثاق الطفرة النوعية التطورية الجديدة التي تختلف حتى بالخواص عن خصائص مجمل مكوناتها وشروط انبثاقها... لكن منهج الجدل الديلكتيكي يفترق عن مثالية جون لوك في أن الديالكتيك لا يعمل في مجال تجريد الفكر الذي قال به هيجل ويعتمده لوك، بل الجدل يقوم وسط متغيرات سيرورية قائمة ماديا في الواقع وليست قائمة تجريديا بالفكر فقط.

ثمة هناك حقيقة علمية صحيحة ذكرها جون لوك ولم يتوقع أهميتها التوظيفية في الفكر الماركسي قوله أن الافكار التي تنتج موجوداتها المدركة ماديا انما تقوم على وحدة النوع ،بمعنى أن الماء السائل يتحول الى بخار في تعريضه لدرجة حرارة الغليان، وهذا البخار يتصاعد الى السماء لانه فقد كثافة الماء واصبح اخف منه، وهذا البخار المتصاعد يتكثف ليكون سحابا ممطرا في درجة حرارة مناسبة. ولو نحن رجعنا الى هذه التحولات الكيفية النوعية بالماء نجدها تلتقي جميعها بخاصية النوع الواحد بالاصل هو (الماء) لا غيره وقد تحول من حالة تراكم الكم الى مرحلة اخرى نوعية لا تشبه الاصل الذي انتجها.

هوسرل وماهية الانسان

تحصيل حاصل لا حاجة التأكيد عليه قول هوسرل الماهية ليست تجريدا ذهنيا وألا أصبحت نتاجا يخلقها الفكر بما ينسف ما ذهب له جون لوك، ولا نتصور غاب عن تفكير هوسرل حقيقة أن كل ما هو غير موضوع مدرك حسيا أو خياليا لا يمكن أن يكون نتاجا تجريديا بالذهن.. فالتجريد الذهني لا يعمل في فراغ موضوعي أو فكري غير مدرك يسبقه وجودا.

والماهية عند الانسان لا تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها حاملها التي يستشعرها انفراديا مثلما يستشعر سريان الحياة في جسمه،،والماهية جوهر تبنيه الحياة التي يعيشها الانسان ولا تخلقه الافكارالمجردة..لأن ماهية الانسان جوهر وجودي مادي يلازم وجود الانسان وليست أفكارا متخيلة مجردة بالذهن مستمدة من الذاكرة.. الماهية حصيلة تجارب فكرية وعملية يمر بها الانسان منفردا، هذا يقودنا توضيح متى يكون الشيء أو الظاهرة موضوعا للادراك؟

وسيلة العقل في أدراك الاشياء في وجودها المادي المتعيّن في عالم الاشياء يكون بمنظومة العقل التراتيبية في الادراك التي هي الحواس والجهاز العصبي والدماغ.. أما مواضيع الادراك العقلي المستمدة من الذاكرة ومعاملتها الادراكية بالذهن خيالا تجريديا فهي تشمل كل المواضيع والاشياء التي تكون خيالية من صنع مخيلة الانسان والذاكرة ولا وجود مادي حقيقي لها في عالم الاشياء، وفي كلتا الحالتين لا تنطبق حالة الادراك على الماهية أن تكون موضوعا لأدراك عقلي من غير الشخص حاملها فقط كون الماهية ذاتية تماما..لا كمدرك مادي خارجي ولا كمدرك تخييلي داخلي بالذهن مستمد من الذاكرة.. الماهية وعي انفرادي ذاتي لا يدركه غير حامله صاحبه. وماهية الانسان لا تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها فقط.

لا أعرف أي تجريد يقصده هوسرل قوله (التجريد الذي يوقظ الوعي بالماهية ومع ذلك فهو لا يوّلد ولا يكون مصدرا للماهية..) وهنا نعيد ونكرر أن هوسرل لا يقر بحقيقة أن الماهية عند الانسان ليست موضوعا للادراك العقلي لأنها جوهر خفي وليست صفات خارجية، لذا في استعمالنا مفردات تعبير هوسرل في التجريد الذي يوقظ الوعي بالماهية.. تعبير يتعامل مع الماهية كموضوع أدراكي في الذهن المجرد.. في حين الماهية هي واقعة موجودة دفينة يمتلكها الانسان من تجاربه بالحياة لكنها ليست موضوعا لادراك عقلي مادي ولا خيالي لاخرين من نوعه.

كما ليس بأمكان الوعي التجريدي خلق موجودات ماهوية.. الماهية تكون موضوعا أدراكيا تجريديا في ذهن الانسان الفرد حاملها ولا تكون الماهية موضوعا أدراكيا تجريديا من قبل غيره من الاشخاص الذين يشاركونه النوع بالصفات وليس مشاركته النوعية بالماهيات.. وماهية الانسان هي تكوين الشخصية الذاتية التي لا تكون موضوعا أدراكيا لغيره.

الماهية عند الانسان هي صيرورة مادية تتم داخل الذات الانسانية المنفردة كجوهر ولا يتسنى لأحد أدراكها من غير صاحبها في بنائه وأنشائه المستمر لها.. والماهية لغير حاملها المعني بها ليست وجودا ماديا متحققا في أدراكها ولا موضوعا تخييليا يمكن معاملته تجريديا لا في أدراكه ولا في خلقه من غيره.

الماهية موضوع ومدرك مادي ومدرك تخييلي للفرد فقط وليس مدركا من غيره ويستطيع الانسان التعبير عن ماهيته الذاتية بالتجريد الذهني المفكر في حين يعجز عن ذلك غيره من الناس...فالماهية موضوع للذات وليس موضوعا مدركا لغيره من الذوات.

يؤكد هوسرل على أن الماهية ليست نتاجا للفكر نتوصل اليه بالتجريد بل هي اكتشاف وليست أختراعا.. وتعقيبنا صحيح أن الافكار لا تنتج ماهيات التي هي مواضيع تتسم بالادراك لذات الشخص، وهي تراكمات من الخبرة العملانية بالحياة وليست أكتشافا يدركها العقل تجريديا ولا هي أختراعا لا يدركها العقل، فالماهية جوهر موجود متعيّن يستطيع صاحبها التعبير عنها بلغة التجريد لأنها ليست موضوعا لغيره.

كل وعي وأدراك لشيء أو لموضوع هو فعل تجريدي في الذهن لا يمتلك العقل وسيلة أخرى غيرها في معرفته لأن أدراك العالم من أبسط ذرة الى أعقد شيء مدرك هو تجريد وتمّثلات صورية عقلية ذهنية، والا تعذر علينا أدراك الاشياء من حولنا أو المواضيع في مخيّلتنا من غير تجريدها فكريا ولغويا حتى الادراك الحدسي للموضوعات لا يتم بغير تجريد صوري ذهني.

خاتمة

ينكر هيجل عالم الوجود بذاته ويؤيده في هذا المنحى العديد من الفلاسفة من بعده، والسبب أن الشيء بذاته عند الانسان هو مجموع صفاته والعلاقات المنتظمة الداخلية التكوينية له، غير المدركة أو المنظورة من غيره، فالإنسان يدرك جيدا نقاط الضعف والقوة في شخصيته التي هي في أغلبها من صنعه هو ولا يعرفها أو يدركها غيره وقد يعرف بعضها كصفات متداخلة ماهويا، بينما تكون الماهية أو الوجود بذاته عند موجودات الطبيعة غير العاقلة هي افتراض حدسي من الاخرين في محاولة الوصول له ومعرفته. واحتمالية أن تكون الماهية موجودة هي نفسها احتمالية ان تكون غير موجودة.

فالحيوان بكلتا الحالتين لا يدرك ماهيته كما لا يدرك اهمية صنعها فكل شيء في تكيّف الحيوان مع الطبيعة هو ما تقوم به الطبيعة التي بدورها محكومة بقدرات تحدها قوانين ثابتة يدركها الانسان ولا تدركها الطبيعة ولا الحيوان.

ماهية الانسان تبلور طبيعي نامي مستمر في البناء والتشّكل يزامن الانسان في جميع مراحل حياته، بينما تكون ماهيات الموجودات غير العاقلة مثل الحيوان فهي ثبات من الصفات الداخلية لا تتطور ولا هي من صنع حاملها لأنها جزء من معطى وجودي طبيعي لا علاقة لأحد غير الطبيعة في أيجاده من دون وعي وارادة الحيوان ما تفعله الطبيعة به من غير قصد ...ومنعا للالتباس والخطأ ان الطبيعة لا تدرك ولاتعي هيمنتها على الحيوان بفرض التكيف عليه مع موجوداتها وظواهرها، وكذلك لا يدرك الحيوان سبب تكيفه الذي تفرضه الطبيعة عليه ولا يتمكن من ادراكه.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق