الخونة في العراق كُثُر، والاخيار قلة، وان وجدوا يضيعون تحت جعجعة الحرب والفوضى، لان النموذج الدعائي لوسائل الاتصال هو السائد والذي يقوم على فكرة العدو والصديق، اذ لا توجد منطقة ثالثة، فالقناة الفضائية لا ترى في الجمهور الا اعداء للحزب او اصدقاء، كل من يعارض افكار زعيم الحزب هو خائن، وكل من يؤيدها هو في اعلى درجات الوطنية، ويستحق الحصول على كل الامتيازات التي يتمتع بها المواطن الصالح.

في دولة يسودها هذا النوع من الاشخاص فان اقلية صغيرة من اصحاب المناصب هي التي توجه دفة القرارات باتجاه معين وبما يخدم مصالحها، وهناك اقلية من الصحفيين تقوم بتوجيه افكار الجماهير واقناعها بان قرارات القلة الحزبية المسيطرة على الدولة كانت صائبة، وانها تصب في مصلحة الدولة وتزيد من رفاهية المواطنين، يقومون بانتاج تقارير اعلامية عن انجازات ونجاحات وهمية، او انجازات لا تتناسب وحجم الاموال المصروفة من الموازنة العامة للدولة، وحتى وان كانت هناك مخالفات قانونية تشوب الانجاز المعروض في وسائل الاعلام يتم تبرير هذا الخرق القانوني بانه ضمن المسموح به اذا ما ساهم بتقديم خدمة عامة تفيد المجتمع، كان يكون الانجاز بناء ناطحة سحاب في منطقة لا تصلح لهذا النوع من الابنية.

في المقابل يتم وصم كل من يعارض المخالفات القانونية بانه خائن للوطن، ليس لانه قام بالتواصل مع جهة خارجية، او اشتغل عميلا لمخابرات اجنبية، بل انه شخص خائن لانه يريد من اصحاب السلطة ان يلتزموا بالقانون، لانه يرى ان هذا هو الطريق السليم لخدمة المجتمع، لكن تقاليد اعلام السلطة لا ترى اهمية للقانون الا في اطار خدمة الحاكم، وما دون ذلك فهو خيانة، واذا قام الزعيم بخيانة القانون الاسمى في الدولة وهو الدستور، فان انتقاد هذه الخيانة يعتبر خيانة في تقاليد اعلام السلطة.

السلوكيات هذه هي امتداد لاعلام الحكم الديكتاتوري الذي عشناه في زمن سيطرة حزب البعث، وبعد الاحتلال الامريكي جاءت الاحزاب بمختلف مكوناتها لتطبق نفس نموذج اعلام السلطة الديكتاتوري، وقد مثل هذا النوع الاعلامي السلطوي خرقا واضحا لمبادئ الديمقراطية التي جاءت بها الولايات المتحدة الامريكية، كما انه ساهم في زيادة الضغط على الجماهير الشعبية التي لم تعد تتمتع بوضع امني مستقر ولا خدمات عامة مثل الكهرباء، مع انتشار البطالة وضياع الشباب في معسكرات البحث عن الوظائف الحكومية والاهلية.

كل الامور سالفة الذكر من بين امور اخرى دفعت الشباب للخروج بتظاهرات سلمية مطالبة باصلاح الوضع العراقي واعادة البلد الى سكة الديمقراطية التي انحرف عن مسارها منذ مجيء الحاكم الامريكي بول بريمر، ومن بين ما طالب به الشباب المنتفض ضد السلطة الحاكمة واحزابها الفاسدة هي حرية الرأي والتعبير، سواء بالوقوف مع التظاهرات او الوقوف بالحياد او حتى معارضة التظاهرات، الشباب الذين خرجوا منذ شهر تشرين الاول وحتى الان، واول ما طالبوا به هو "وطن" تحت شعار "نريد وطن" بمواصفات ديمقراطية، وارادوا بناء نظام المؤسسات بعيدا عن التحزب والمحسوبيات التي تؤدي الى حدوث خلل في نظام العدالة الاجتماعية.

بعد اربعة اشهر من الحركة الاحتجاجية الشبابية نجد ان هناك حركة موازية تعتمد على التسقيط والتخوين شبيه بتلك التي كانت سائدة منذ سنوات، فقد اطلقت القنوات الفضائية التابعة للاحزاب مسميات عدة ضد المتظاهرين كلها تأتي في اطار التخوين والانسياق وراء الداعم الخارجي، وابرز هذه المسميات هي "الجوكرية" و"ابناء السفارات" والتي يقصد بها خيانة الوطن واستلام اجور مادية مقابل خروجهم بتظاهرات تخل بالوطن.

بالطبع لا يحق لاحد - وفق الدستور- ان يخون احدا بسبب رأيه السياسي، ان الخيانة الحقيقية هي خرق الدستور بتشكيل الحكومة بدون وجود كتلة سياسية اكبر، ووجود خروقات في اجراء الانتخابات، فضلا عن تأخير تشكيل الحكومة الجديدة خارج السياقات الدستورية، او السماح لمن يحملون الجنسية الاجنبية بتسنم المناصب الرفيعة وهو ما يعد مخالفة دستورية واضحة، بالاضافة الى انتشار المليشيات المسلحة رغم ان الدستور يرفض ذلك بشكل واضح في المادة التاسعة منه.

كل هذه الخروقات للدستور كافية لادانة الاحزاب المسيطرة على هرم السلطة، ويجعل من حق المواطنين وصفها بالاحزاب الخائنة للبلد، لكن ما لا يحق للمتظاهرين القيام به هو اتهام كل من لا يخرج معهم في تظاهراتهم بانه خائن ويقف مع السلطة، لان الدستور قد سمح في المادة 38 للجميع بحرية الرأي والتعبير، وهو لا يعتبر خائنا لان المواطن الذي لا يخرج بتظاهرة سلمية لا يخرق الدستور، وبما انه لا يخالف القانون فليس من حق احد ان يتهمه بالخيانة.

رأينا خلال الايام الماضية اتهامات جماعية لمدن كاملة بانها خائنة لكونها لم تخرج في التظاهرات، وهو ما يثير الكثير من علامات الاستفهام حول حفلات التخوين للشعب العراقي، فكيف يمكن لمواطن خرج من اجل استعادة حريته ان يقوض حرية الاخرين ويجبرهم على السير بنفس الطريق الذي يراه هو فقط، فما الذي اختلف عما كان يجري ايام الحكم الديكتاتوري، وما الذي يختلف عما يجري اليوم خلال حكم احزاب المحاصصة؟ الثورة التي تتهم ابناءها بالخيانة عليها اعادة حساباتها قبل فوات الاوان، لان الديمقراطية عمادها حرية الخروج بالتظاهرات او عدم الخروج.

علينا ان نتخلص من اسلوب التخوين للاخرين والابتعاد عن حكم العاطفة واللجوء الى منطق العقل الذي لا يصف الافعال بالخيانة الا اذا تعلقت بخرق القانون، اما دون ذلك فهو حرية خاصة بالمواطن.

انقر لاضافة تعليق