بعد دخولنا الشهر الثاني للحراك المطلبي ونزول الشباب الى ساحات الاحتجاج وبقوة غير مسبوقة منذ الاطاحة بنظام صدام، جرت تطورات ملحوظة في الاتجاهين المتوازيين؛ الجماهير، ومؤسسات الدولة بشكل عام بما فيها السلطة التنفيذية. من جانب الجماهير؛ اتسعت مساحة الاحتجاج في الشارع لتشمل شرائح مختلفة التحقت بالشباب، مثل الاكاديميين، والمعلمين، وحتى طلبة الجامعات والاعدادية، وفي وقت لاحق شهدنا التحاق شريحة من العشائر ممثلين باشخاص يحثون الشباب على التظاهر والاصرار على الاعتصامات مهما كلف الثمن، والأمر الأهم في جانب الجماهير؛ بلورة المطالب وتحديدها على لسان ممثلين عن الشباب المعتصم، وعبر وسائل الاعلام، ليكون للحراك المطلبي وجهاً إعلامياً مسؤولاً، وهذا يمثل خطوة متقدمة نحو النجاح وتحقيق المطالب من قبل مؤسسات الدولة، وأبرزها حلّ "الحكومة الفاشلة" التي تلطخت أيديها بدماء المتظاهرين، وتعديل قانون الانتخابات يتيح للمرشحين من رحم الجماهير بالصعود الى مجلس النواب، ولا تتكرر التجارب الماضية باستفادة الاحزاب الفاسدة من فقرة القائمة المغلقة ومصادرة أصوات الناخبين لهذا المرشح أو ذاك.

في المسار الحكومي (الدولة) شهدنا حراكاً متلاطماً ومضطرباً من لدن الكتل السياسية من جهة، ومن قبل شخص رئيس الوزراء من جهة اخرى، حيث يجدون أنفسهم في قفص الاتهام أمام الشعب الذي بات يصرخ عالياً مندداً بحجم الفساد والاستئثار بثروات الشعب، والاستخفاف بالشعب العراقي على جميع الصعد، فقد جرى الحديث يميناً وشمالاً عن الاسراع في تلبية مطالب الجماهير، كان أبرزها وآخرها؛ مشروع قانون الانتخابات الذي تمخض عن اجتماعات الرئاسات الثلاثة مؤخراً ويقضي بتقليص عدد نواب البرلمان، وإبعاد الاحزاب السياسية عن مفوضية الانتخابات، واعتماد الصوت الأعلى في الدوائر الانتخابية، وهو يلغي قانون "سانت ليغو" سيئ الصيت.

اذا قرأنا المشهد الاحتجاجي ضمن هذا الاطار فهذا يعني أننا امام أفق ايجابي لتحولات ربما تقلل من حجم الفساد والفشل في معظم مؤسسات الدولة، أو لنقل؛ تكون بداية في هذا المشوار الطويل، على أن مرض عضال من هذا النوع له أبعاد سياسية واجتماعية ايضاً؛ لن يبرأ بقرارات متسرعة، كما لا يغير واقع المرض، طول الاحتجاج وحتى حجم التضحيات، لاسيما وأن لغة الخطاب من ممثلي المتظاهرين عبر وسائل الاعلام تدل على وجود خيط الثقة الرفيع والوحيد بالدولة بشكل عام، بما يعني أن الجماهير واعية لما تفعل وتقول، لذا نجد التطابق الحاصل بينها وبين خطاب المرجعية الدينية مؤخراً، والداعي الى الإصلاح الحقيقي، وإذن؛ لا خطاب او توجه نحو الإلغاء والتسقيط والانزلاق نحو الفوضى.

وهذا بحاجة الى مزيد من النضج والتثقيف على أن بالامكان ممارسة الضغط على الحكومة وعلى البرلمان، وايضاً؛ القضاء لتغيير المنهج القديم، وتحميل الطبقة السياسية دون استثناء مسؤولية كل ما جرى من فساد وإفساد وجرائم بحق الشعب العراقي، وعليهم التعويض عن كل ما مضى، لا الانسحاب بهدوء، ونفض اليد، وتبادل الاتهامات كما اعتادوا في السنوات الماضية.

وعلى هذا المسار يجدر بنا التوقف ملياً للحفاظ على ما حصلنا عليه من مكتسبات بعد كل هذه التضحيات الجسام والصمود المثالي، وذلك من خلال الأخذ بنظر الاعتبار استحقاقات على الارض منها:

1- تنزيه الحراك المطلبي من أي تدخل خارجي لتكون الصرخات الموجهة الى مجلس الوزراء والبرلمان، صادرة من حناجر عراقية فقط، وليس من جهات إعلامية او مخابراتية من خارج الحدود.

صحيح؛ من الناحية الواقعية، من المستحيل إلغاء الوجود الايراني، والوجود الاميركي من العراق، لان عملية الاطاحة بنظام صدام، وإرساء النظام الديمقراطي، إنما جاء بالاتفاق بين طهران وواشنطن، وهذا ما لايختلف عليه اثنان من المتابعين للشأن العراقي، بيد ان لا ينفي بأي حال من الاحوال، حقيقة الواقع العراقي ايضاً، وهو يضم قدرات ذاتية هائلة للنمو والتطور والظهور امام العالم بأسره كبلد متقدم وآمن، فلا نكون منصفين لتضحيات المتظاهرين وصمودهم، اذا قبلنا بالتدخل الاميركي والايراني على السواء في شأن الحراك المطلبي تحديداً، فضلاً عن سائر الامور في العراق. فاذا قبلنا بتوصيات وتدخلات السفارة الاميركية ومن خلفها وزارة الخارجية، يعني أننا اعطينا المبرر لتوصيات وتدخلات مخابراتية وسياسية ايضاً من لدن ايران بمختلف المبررات.

إن قوة الحراك المطلبي يجب أن تأتي من داخل العراق لا من خارجه، من دعم ومساندة.

2- تجنب التصعيد نحو العنف والدموية مهما كانت الاسباب والضغوط، فالدماء والسحل بالشوارع والقتل على الهوية لم يكن يوماً ما الوسيلة لانتصار الثورات والانتفاضات الجماهيرية في اي مكان بالعالم. نعم؛ ينتصر الثوار وسط هكذا مستنقع، ولكن سرعان ما يتحولون الى مافيات سياسية تتصارع على النفوذ والامتيازات، والتجارب عديدة في العالم.

ويتردد حديث هامس هنا وهناك في العراق على احتمال تصعيد عسكري وسط الحراك المطلبي السلمي تحت شعار "الطلب لثأر الشهداء"، وهذا ما يجب الحذر منه بشدة، لاسيما وان جهات بدلاً من التثقيف على سبل الاحتجاج السلمي الفاعل، تنفخ في نار الفتنة متوسلة بإثارة المشاعر، ودفع الناس للاحتجاج تحت هذا الشعار نفسه، فأي معلم او موظف يجيب على من يسأله عن سبب عدم التزامه بالدوام الرسمي ينتفض بالقول: "واين ستذهب دماء الشهداء"؟!

3- كما نحن نطالب بتغييرات سريعة وأساسية في الأداء الحكومي وفي النظام السياسي بشكل عام، علينا الالتفات الى ضرورة تغييرات سريعة ايضاً في داخل الحراك الجماهيري لمزيد من الترشيد والتوجيه نحو التأثير المباشر على الساحة السياسية. فلا يخفى على المتابعين أهمية القطاع الاقتصادي في إحداث اي عملية إصلاحية او تغييرية، تحديداً؛ السوق وشريحة التجار والكسبة، وأقرب مثال لنا من التاريخ المعاصر؛ الثورة الاسلامية في ايران التي نجحت في الاطاحة بنظام ملكي عمره ألفين وخمسمائة عام، من خلال التحاق السوق والتجار بقطار الثورة، أما في عراقنا في ظل حكم صدام حسين، فان هذا القطاع كان أول ما استهدفه الاخير للتخلص من أي احتمال ظهور معارضة قوية ضده، فقام بتصفية التجار والكسبة ممن يشك في ولائهم له ولحزب البعث الحاكم ورحّلهم الى ايران بذريعة "التبعية الايرانية".

ولاننسى أن السوق، واصحاب الرساميل، يمثلون أحد أهم دوائر الضغط في الدول ذات الانظمة الديمقراطية الحرة، فاذا نريد للحراك المطلبي التقدم بخطوات الى الامام والتأثير على القرار السياسي، بل وعلى البنية التحية للنظام السياسي، ما علينا إلا التوسّل بما مؤثر بشكل مباشر، مثل هذا القطاع، بدلاً من التركيز على التحشيد الجماهيري في الشارع بهدف "تكثير السواد" كما يحصل الآن مع ما تذهب اليه نقابة المعلمين من الدعوة للإضراب، أو إعطاء الضوء الأخضر للطلبة بعدم الدوام مع عدم تسجيلهم غيّاب، وهذا يشمل المدارس الابتدائية والمتوسطة والاعدادية، الى جانب تضامن الجامعات مع الحراك المطلبي بالاساس.

لنتصور حراكاً مطلبياً بحجم التضحيات الموجودة في العراق، والجهود والطاقات والقدرات المبذولة منذ حوالي أربعين يوماً، ثم نقوم يعود التلاميذ الصغار من المدرسة الى البيت بعد إعلامهم بأن "لا دوام"، وكذا الحال بالنسبة لطلبة المتوسطة، فهل سيكون تجميد الدوام المدرسي لهؤلاء تأثيراً على مسار البحث عن تحقيق المطالب بين المحتجين والحكومة؟

انقر لاضافة تعليق